تقديم … ودعوى

كثيرا ما تساءل المهتمون بحياة الأستاذ ياسين وفكره ومواقفه عن السبب الذي جعله لا يكتب سيرته الذاتية، خاصة وأن مَتْنًا من هذا النوع سيكون – بدون أدنى شك – ثَريًّا وذا فائدة كبيرة لأجيال عديدة بسبب قيمة الرجل وقامته العلمية والتربوية والسياسية. وإنه – بالفعل – لخسارةٌ عظمى أن يُودّعَ رجلٌ من طينة الأستاذ ياسين دون أن نجد كتابا شاملا يؤرخ لحياة كلها بذل وعطاء، ولكن الذي يجعلنا لا نبالغ في التشاؤم هو كون جماعته كل مرة “تطلق سراح” وثائق ورسائل ومكتوبات وتسجيلات تَشي بأن المستقبل سيكون واعدا لكل من سيتشجع ويكتب سيرةَ شخصيةٍ تمتلك من السّحر والرمزية الشيء الكثير. وما العمل الجيد الذي قام به الأستاذ أبو الحزم في جزأين إلا تدشين لهذا الطريق الطويل.

في مقالتي هذه أطلق حكما يتضمن منسوبا عاليا من الجرأة في الدعوى، ومفاده أن الأستاذ ياسين لا يمكن أن ننتظر منه أبدا أن يحدثنا عن حياته الشخصية في بيته: مع زوجته وأبنائه وعائلته، بل ولن يعمل على تقييد كتاب يضم سيرته التربوية والفكرية والسياسية بشكل مرتب ومسترسل وواضح، ولكنه-وهذا جوهر دعواي -كتب بدمه وروحه وُمشاش عظمه هذه السيرة التربوية بطريقة تتداخل فيها بشكل كبير جدا وتتجادل ثنائية “الخفاء والتجلي”، وقد سماها: “الإحسان”. أما السيرة السياسية والفكرية فللباحثين جمع ما تناثر منها في الجرائد والمجلات وكتب المتابعين والمواقع الالكترونية، فهناك سيجدون مادة ثخينة مكتنزة.

لماذا استراتيجية “الخفاء” بدل “التجلي”؟

في هذا الكتاب سنجد بعض النتف التي يتحدث فيها عن نفسه بشكل مباشر مستعملا ضمير المتكلم، (كما فعل في المقدمة، وفي الصفحات: 22 / 23 / 27 / 220 / 130 من الجزء الأول)، ولكنه سيستعير – في الغالب – صوت العديد من الأكابر: فقهاء ومحدثين ومفكرين، اتفاقا أو اختلافا أو تحليلا ومناقشة، وسيعتمد أكثر ما سيعتمد على العارفين والأولياء والصالحين من رجالات “الرسالة القشيرية” وغيرها من كتب التراجم والمناقب والطبقات والسير. وسيتّكئ أساسا على شخصية مُجمَع على صلاحها وكمالها وصوابِ نُطقها، ونقصد الشيخ عبد القادر الجيلالي، وخاصة في كتابه العمدة “الفتح الرباني” الذي انتقى منه مقاطع طويلة وضمّنها كتابه، وكلها مقاطع تخاطب الإنسان المؤمن وتهزه، مرة بلين وتارة بقوة، وتقول له قولا بليغا، وتدعوه إلى البحث عن صُحبة تدله على الله.

طالع أيضا  مجلس الإحسان |27| من أصحب يا رب؟

فلماذا يا ترى اختار الأستاذ ياسين هذه الاستراتيجية: أن يقف خلف عمالقة بينما قامته شامخة بارزة؟! فرجل ألَّف أكثر من ثلاثين كتابا في مجالات مختلفة، ويُشهد له بعُلو الكعب في مجالات عدّة لن يعدم الوسيلة كي يعبر عن مكنونات عقله وقلبه. فلماذا؟

(…)

تتمة المقال على موقع ياسين نت