إعداد: هيئة التحرير

الإعلان الرسمي عن الفشل

أعلن الملك محمد السادس في افتتاح السنة التشريعية 2017 انتهاء “صلاحية” النموذج التنموي الرسمي الذي تم تدشينه منذ السنوات الأولى لحكمه. هذا النموذج الذي تم اعتباره بمثابة إيذان بدخول المغرب مرحلة “التدبير الاستراتيجي” للتنمية، حيث رسمت له أهداف كبرى خاصة في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، ورصدت له مبالغ مالية ضخمة، وحظي بترويج سياسي وإعلامي قوي جعل بعض المتفائلين يعتبرون أن المغرب قد دخل “العهد الجديد” عهد التنمية الاقتصادية الشاملة والتنمية الاجتماعية المحققة للرفاه الاجتماعي.

وقد شكلت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية أبرز أوراش هذا النموذج التنموي، غير أنها عجزت عن زحزحة ترتيب المغرب المتدني في السلم العالمي للتنمية البشرية (الرتبة 123 سنة 2018).

الإرث الثقيل للفشل

إن نجاح أي نموذج تنموي رهين بمدى قدرته على إنتاج الثروة والقيمة الاقتصادية المضافة ثم توزيعهما على المجتمع بشكل يضمن العدل الاجتماعي، المفضي للاستقرار السياسي. فهل نجح النموذج التنموي الرسمي للمغرب في ذلك؟

حذر تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في تقريره الأخير (التقرير السنوي لسنة 2017 الذي صدر في شتنبر 2018) من فتور الاقتصاد المغربي خلال السبع سنوات الأخيرة، إذ إن دينامية الاقتصاد الوطني لم تستطع الحفاظ على مستوى مرتفع من النمو، حيث ظلت معدلات النمو خلال السنوات العشر الماضية ضعيفة جدا حسب الخبير الاقتصادي نجيب أقصبي، الذي اعتبر ربط الدولة لهذا النمو المتدني بالتقلبات المناخية والتساقطات المطرية مؤشرا واضحا على التخلف.

وفـي مـا يتعلـق بمنـاخ الأعمـال، لفت تقرير ذات المجلس إلى تراجع المغرب برتبة واحدة في تصنيف مؤشر التنافسية الذي يعتمده المنتدى الاقتصادي العالمي (الرتبة 71)، وفي تصنيف مؤشر ممارسة الأعمال (الرتبة 69) ، وأحصى خمسة عوامل شكلت العراقيل الرئيسة التي حالت دون تحسين مناخ الأعمال بالمغرب، ليخلص التقرير إلى أن استمرار هذه العوامل المعرقلة يضع “مسـألة فعاليـة الإصلاحـات المتعـددة التـي تـم إنجازهـا إلـى حـد الآن موضـع التسـاؤل، كمـا أنـه يكشـف عـن البـطء المسـجل فـي تنفيـذ سياسـات النهـوض بمنـاخ الأعمـال وتحسـين أداء المرفـق العـام“.

طالع أيضا  الطغيان يصنع الحرمان…

كما سجل التقرير ضعف فعالية الاستثمار خاصة العمومي بسبب مشاكل الحكامة والفساد الإداري، وضعف مساهمة التصنيع في الناتج الداخلي الخام، إضافة إلى فشل استراتيجية النهوض بقطاع الاقتصاد الاجتماعي والتضامني 2010-2020 في تحقيق الأهداف المعلنة، فبعد ثماني سنوات من تنفيذها لا تساهم هذه الاستراتيجية سوى بنسبة لا تتجاوز %2 من الناتج الداخلي الخام، ونسبة لا تتعدى % 5.5 في التشغيل، عوض % 3.9 و%7.5 المعلنة كأهداف لهذه الإستراتيجية.

هذا غيض من فيض. فاقتصاد بهذا الوضع لن يحقق أي تنمية اجتماعية أو مجالية، بل إنه يفاقم الفوارق الطبقية مادامت معضلة الريع متأصلة في منهجه ومنطقه. ناهيك عن عاجزه البين في خلق مناصب الشغل، خاصة للأفواج الكبيرة من الشباب المتدفق نحو سوق الشغل. فقد قفزت البطالة، حسب تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي الأخير، من %9.9 إلى %10.2 (رغم كل ما يمكن قوله حول هذا الرقم المعلن). فنسبة نمو في حدود %4.5 لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تقلص للبطالة كما أشار إلى ذلك تقرير سابق للبنك الدولي بعنوان “المغرب في أفق 2040″، وبالمقابل يحتاج المغرب، حسب خبراء، إلى نسبة نمو تصل إلى %7 سنويا لمدة 20 سنة متواصلة للحاق ببعض الاقتصاديات الصاعدة مثل تركيا.

هذا ما يجعل مستوى عيش المغاربة الحالي، حسب تقرير البنك الدولي، يماثل مستوى عيش الجيران في شمال البحر الأبيض المتوسط (اسبانيا، البرتغال، فرنسا، وإيطاليا) خلال الخمسينات والستينات من القرن الماضي. كما أن نسبة وفيات الرضع بلغت 24 حالة لكل 1000 طفل مولود، وهو ما يماثل النسبة المسجلة في الدول الأوروبية خلال سنة 1960. كما وقف ذات التقرير على ضعف القدرة الشرائية للأسر المغربية التي هيمنة نفقاتها الملزمة، مثل الغذاء، على نفقاتها العامة بنسبة %40.

يتضح من خلال هذا العرض أن الدولة المغربية ماضية في خيار ضبط التوازنات الاقتصادية عبر رهن البلاد للتوجيهات الخارجية والتمادي في نهج السياسات التقشفية وضرب التوازنات الاجتماعية، واستهداف الخدمات الحيوية بعيدا عن آلية الحوار الاجتماعي والإشراك المجتمعي، والاستخفاف بكل النداءات والصرخات التي بُحَّت بها أصوات المواطنين منددة بالإجهاز على الحقوق وضرب أنظمة الحماية الاجتماعية والمطالب والحاجيات الشعبية، خاصة للفئات المعزولة بالبوادي التي يسائل وضعها إخفاقات برامج وميزانيات تنمية العالم القروي، أو الفئات التي تعاني وسط أحياء الصفيح وتكتوي من ضعف البنيات وبطء وسوء تدبير مشاريع إعادة الإسكان.

طالع أيضا  رغم مجهودات الدولة!

بحث في أسباب الفشل عوض التخطيط لنموذج فشل جديد

لا يمكن الحديث في المغرب إذن عن نموذج تنموي نابع من خيارات مجتمعية وتشخيص دقيق في بيئة اقتصادية سليمة قوامها التنافسية والشفافية، وبأهداف وطنية كبرى. بل نحن بصدد “تنمية مستعصية” في ظل هيمنة اقتصادي ريعي، اتضح أنه سياسة ممنهجة، منذ الخروج العسكري للمستعمر، الغرض منها إنتاج نخبة سياسية واقتصادية موالية للنظام السياسي بمنطق العطايا مقابل الولاء، الذي تنظمه شبكات زبونية معقدة تشكل أخطبوطا يخترق كل مرافق الدولة الحيوية السياسية والإدارية والاقتصادية وغيرها.

والإعلان الرسمي لفشل النموذج التنموي يستدعي بالضروري الوقوف عند الأسباب الحقيقية وتحديد المسؤوليات باختلاف درجاتها، خاصة في المربع النافذ سياسيا واقتصاديا. كما يستتبع الإقرار بالفشل مراجعة الخيارات السياسية والاقتصادية التي تم نهجها منذ “الاستقلال”؛ خاصة تلك المتعلقة برهن الاقتصاد الوطني بالاقتصاديات الكبرى في ظل معادلة غير متكافئة، حيث وقع المغرب 55 اتفاقا للتبادل الحر تسببت في عجز تجاري قارب 200 مليار درهم. كما يفترض هذا الوضع إعادة تقييم الارتهان إلى سياسات المؤسسات المالية الدولية وشروطها التي ترهن الوطن والمواطنين لقرون من الزمن.

ولا يمكن أيضا الحديث عن نجاح نموذج تنموي جديد إلا في ظل إصلاح سياسي حقيقي، مؤسس لديمقراطية حقيقية ومناخ اقتصادي حر يجمع بين الأهداف الوطنية الكبرى وضرورات التنافسية وضرب الاحتكار المزمن لوسائل الإنتاج.

ومقدمة هذا الإصلاح السياسي وجود تعاقد مجتمعي، يكون مدخلا لدستور ديمقراطي، يمنع جمع السلطة والثروة المفسد للسياسة والاقتصاد والمفضي لغياب العدالة الاجتماعية، ويحقق فصلا حقيقيا للسلط، ويحدد الاختصاصات ويمنع تداخلها، ويقر مبدأ المحاسبة تبعا لوجود المسؤولية.

وفرص نجاح أي نموذج تنموي يتطلب أيضا حكومة منتخبة ديمقراطية تتمتع بكافة صلاحياتها الدستورية، تستمد شرعيتها من انتخابات حرة ونزيهة، تضع برامج تنموية تترجم التعاقد السياسي بينها وبين الناخبين، تعقبه محاسبة متواصلة عبر المؤسسات التمثيلية ومنظمات المجتمع المدني وإعلام مواطن حر متحرر من التنميط والتبعية للسلطة الحاكمة، ثم المحاسبة عند انتهاء الولاية الحكومية إما بتجديد الثقة عند الوفاء بالالتزامات أو اختيار بديل سياسي أكثر فعالية.

طالع أيضا  حول النموذج "التنموي" المزعوم في المغرب

ولا يخفى على كل متتبع، بل كل مواطن عادي، أن هذه الأسس والمرتكزات السياسية، وما يلحقها من استراتيجيات اقتصادية واجتماعية، متعذرة في المغرب منذ الاستقلال إلى اليوم، يرفضها نظام الحكم بسياساته الاستفرادية الأحادية ويرسخها جشع ونهم نخبته المرسخة للفساد والمستنزفة لخيرات البلاد على حساب عموم أبناء الشعب المسحوق.

إن الإسراع بإعلان تدشين نموذج تنموي جيد، ليحل محل صنوه الفاشل، وبذات المنهجية الاستفرادية الإقصائية، ليس الهدف منه معالجة اختلالات النموذج السابق وصوغ تنمية يباهي بها المغاربة نظراءهم، بل المراد هو ضخ أوهام جديدة وأمان معسولة وربح المزيد من الوقت.

ولا يخفى أن كل المؤشرات تقول أن مورد الوقت لم يعد في صالح النظام السياسي المغربي؛ فهامش المناورة السياسوية يضيق، ويتحول إلى مخاطرة كبيرة بمستقبل الوطن، في ظل المؤشرات الاجتماعية الخطيرة التي تمت ملامستها بشكل واضح وجلي في عدة مظاهر اجتماعية تزداد استفحالا؛ مثل إهلاك الذات يأسا واحتجاجا، والهجرة السرية المتزايدة، ونزيف الأدمغة والنخبة نحو الخارج، والاحتجاجات الاجتماعية والمجالية والقطاعية والمهنية التي باتت شبه يومية.

إن أهم ما يمكن استخلاصه أن التنمية الاقتصادية والاجتماعية رهينتين بالديمقراطية والعدالة، والعجز الاقتصادي والحرمان الاجتماعي ابنين شرعيين للفساد والطغيان.

فهل ستكون للقائمين على نظام الحكم إرادة سياسية حقيقية لبناء نموذج تنموي ناجح يعرفون جيدا مداخله السليمة، أم “على قلوب أقفالها”؟