كان المسجد -وما يزال- الأساسَ وحجرَ الزاوية في تكامل الشخصية المؤمنة، والجامع في شبكة مؤسسات الدعوة والتواصل، ومن على منابرها كان الصحابة رضوان ربي عليهم، يبثون سراياهم، وفيها يجمعون كل أمر رشيد، فكان رجال الدعوة أئمة المساجد وخطباءها ومربيي الشعب 1، وكانوا رضي الله عنهم مدركين لهذا الأمر العظيم الذي يحتله المسجد في قلب الدعوة والدولة.

روي عن أنس رضي الله عنه أنه قال: “وليس عمارة المساجد ببنائها وتشييدها فقط، بل تكون العمارة بالصلاة فيها، وجعلها واحة للآمنين وملجأ للخائفين، وإصلاحاً للمتخاصمين، وتعليماً للمتعلمين” 2، وبمعنى أدق؛ كانت قلوبهم معلقة بالمسجد، كما ورد في الحديث المشهور عن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ومنهم: “…ورَجُلٌ قَلْبُه مُعَلَّقٌ بالمساجد…” 3.

وقد يتساءل الكثير عن هذا الكلام البليغ الذي ورد في الحديث، وقد أوتي قائله عليه الصلاة والسلام جوامع الكلم، ويقول: هل معلق هذه هنا تعني الولوج إلى المسجد الولوج المادي فقط، ثم إطالة المكث فيه وانتظار الصلاة إلى الصلاة والاعتكاف بين العشاءين والجلوس لذكر الله بعد صلاة الصبح حتى الشروق… والتبكير إليه وانتظار الفريضة بعد الفريضة وغيرها، ثم الفرار منه بعد ذلك كما يفر السهم من الرمية ليكون القلب معلقا به، أم أن المعنى أدق وأبلغ من ذلك، له امتداد في كل مناحي الحياة؟

هل يعقل أن أفر إلى المسجد ومنه، بدعوى الهروب من الفتن وأترك الأمة للمفسدين غارقة في ويلاتها من انتهاك للحرمات والأعراض، واعتداء سافر على حرمة البيوت والممتلكات؟ أيستقيم استشرافي الخلاص الفردي دون الاهتمام بأمر المسلمين في الشرق والغرب، بل كل المظلومين؟ ألا يخالف ذلك صريح حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ومن لا يصبح ويمسى ناصحاً لله ولرسوله ولكتابه ولإمامه ولعامة المسلمين فليس منهم.” 4؟

ألا يعارض ذلك قول الله عز وجل الذين أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ 5، ألا يخالف ذلك سلوك الصحابة الكرام الذين “نالوا بالجهاد المزدوج، الجهاد الآفاقي والأنفسي درجة الكمال، وجمعوا إلى نورانية القلوب المتطهرة حمل الأمانة الرسالية إلى العالم؟” 6.
ألا يخالف ذلك السلوك الفعلي لهم، إذ لم تكن الدعوة منفصلة عن الدولة، ولم يكن الهم الفردي منفصلا عن الهم الجماعي، بل كانت التربية النبوية تربية جهادية تقرن السلوك إلى الله تعالى بالسلوك في الناس في جميع مجالاتهم: الاجتماعية والاقتصادية والسياسية 7.

طالع أيضا  وظيفة المسجد قبل دولة القرآن وبعدها

أليس مجربا أنه كلما عاد الناس إلى هذا الجوهر إلا وانتصروا على أنفسهم أولا، ثم حققوا المبتغى بالنصر على كل دخيل، وما احتجاجات الحركة الوطنية وانطلاقها من المسجد ورفعها شعار اللطيف وبروح المسجد “ومعاني المسجد وخطبة المسجد وموعظة المسجد” 8، إلا دليل قاطع على مركزية المسجد التي يحاول البعض تشويهها؟

قد يتساءلون لأن الفهم السطحي والتسطيحي للأحاديث الشريفة، ولهذا الحديث خاصة، قد يشوه المقصد الحقيقي أو المغزى منها، فتبنى على أساسه أحكام وتترتب عليه أقوال وأفعال قد تساهم في التقاعس عن الجهاد بنوعيه.

لا يشككننا أحد بأسبقية الأساس التربوي الذي أساسه صلاة الجماعة بشروطها وأركانها في المسجد ومع المؤمنين “خمس مرات في اليوم. ومجالستهم. ومعاشرتهم. والتعاون معهم.” 9.

وقد وردت في ذلك آيات كثيرة وأحاديث نبوية شريفة تحرض على عمارة المسجد ذكرا وتبتلا، من ذلك قوله تعالى: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ 10. وقوله تعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ* لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ 11.

وقوله صلى الله عليه وسلم: “إن الله ينادى يوم القيامة أين جيراني أين جيراني فتقول الملائكة ربنا من ينبغي له أن يجاورك؟ فيقول أين عُمَّارُ المساجد” 12.

وقوله صلى الله عليه وسلم: “أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِمَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عِنْدَ الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الصَّلاَةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ.” 13.

وقوله كذلك: “الرَّجُلُ فِي صَلاَةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلاَةَ؟ قَالَ أحد الصحابة: انْتَظَرْنَا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَيْلَةً لِصَلاَةِ الْعَتَمَةِ، فَاحْتَبَسَ عَلَيْنَا، حَتَّى كَانَ قَرِيبًا مِنْ شَطْرِ اللَّيْلِ، أَوْ بَلَغَ ذَلِكَ، ثُمَّ جَاءَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَصَلَّيْنَا، ثُمَّ قَالَ: اجْلِسُوا، فَخَطَبَنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا وَرَقَدُوا، وَأَنْتُمْ لَمْ تَزَالُوا فِي صَلاَةٍ مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلاَةَ” 14.

ولا يشككننا أحد كذلك، أن العدل والشورى معقد الآمال، فلا فائدة من صلاة مقعدة، صلاة لا تكاد تجاوز صاحبها باب المسجد، فتجده متسلطا على العباد في وظيفته، أسدا متوحشا يكاد يفترس أهل بيته، لا ينكر منكرا ولا يعرف معروفا، غارقا في ظلم العباد ونفسه، ومع ذلك تجده يزاحم الصفوف الأمامية ويتشدد في سنن الكتف على الكتف والقدم على القدم، وقد اكفهر وجهه متأبطا شر قلبه، يصدر الأحكام، فيدخل النار من يشاء ويخرج منها من يشاء، بل قد يحدث معركة لعدم تمكنه من الصلاة في الصف الأول وعلى يمين الإمام، أهذا هو المطلوب؟ ولا نشك في أن هذا النموذج ليس هو من يجسد حقيقة الحديث، ولا نشك كذلك في أن ولوج المسجد بداية تذوق طعم الإيمان، بل الإيمان عينه.

طالع أيضا  المسجد بين نور النبوة وظلمات الاستبداد (2)

لكن لا يكتمل إلا بالانخراط في حب المؤمنين وعدم التكبر على خلق الله أو التنقيص منهم، ثم الصبر على أذاهم والفرح لأفراحهم والحزن لأحزانهم وحب الخير لهم وكراهية الشر لهم، والدعاء لهم في ظهر الغيب.

ولا يتم ذلك إلا بكمال سلامة الصدر مِن الغل والغش والحسد والبغض وسوء الظن، فإنَّ الحسد يَقتضي أن يَكره الحاسدُ أن يَفوقه أحدٌ في خير أو يُساويه فيه؛ لأنه يحب أن يمتاز على الناس بفضائله ويَتفرَّد بها عنهم، والإيمانُ يَقتضي خلافَ ذلك، وهو أنْ يَشْركه المؤمنون كلُّهم فيما أعطاه الله من الخير، مِن غير أن ينقص عليه من ذلك شيء 15، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيِه مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ” 16، فلا ندري، ونحن في المسجد، من مِنَ المصلين بفضله تتنزل الرحمات وتغفر الزلات، فكيف أكون داخل المسجد وخارجه رحمة للناس، مبشرا لا منفرا؟ أدخل السرور على المهموم، وأفرج كرب المكروب بابتسامة المحب الذي عينه وقلبه على خلق الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  “أحب الأعمال إلى الله سرور تُدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربةً، أو تقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا، ولأن أمشي مع أخ لي في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد – (يعني مسجد المدينة) – شهرًا، ومن كف غضبه، ستر الله عورته، ومن كظم غيظه، ولو شاء أن يمضيه أمضاه، ملأ الله عز وجل قلبه أمنًا يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى أثبتها له، أثبت الله عز وجل قدمه على الصراط يوم تزل فيها لأقدام، وإن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخلُّ العسل” 17.

طالع أيضا  المسجد بين نور النبوة وظلمات الاستبداد (1)

ولعل هذه الصبغة أهم ما نخلص إليه من بين المعاني الأساسية لتعلق قلب المسلم بالمسجد: وهي اصطباغ حياته بصبغة الله، وانضباطه بطاعة الله. “ينبعث. ينبري. يسارع في الخيرات يسعى سعي الآخرة لا كدح الدنيا، يأتلف في جماعة المسجد ومن المسجد، وبروح المسجد” 18.

تلك الروح التي لا تكاد تفارقه في وظيفته وبيته وتجارته وسياحته ومخالطته للناس، جسده هنا في سبح النهار بروح إيمانية جهادية مسجديه 19، لكن هواه وروحه هناك في المسجد، تتلذذ بمعاني الذكر والصلاة وتلاوة القرآن، وتتلذذ بحب عمار بيت الله، جعلنا الله وإياكم منهم.

فلا شك إذن أن المقصود: هو ما يكتسبه المسلم بارتياده المسجد وتردده عليه من أخلاقيات وتربويات وإيمان بالله، فيتخرج منه وقد عقد العهد على حمل رسالة الرفق والتغيير والبشارة إلى الأمة 20.

 

 


[1] ياسين عبد السلام، بتصرف.
[2] كلام ينسب لأنس رضي الله عنه، لكنني لم أعثر له على تخريج.
[3] متفق عليه.
[4] رواه الطبراني في المعجم الصغير عن حذيفة بن اليمان مرفوعا. انظر المجالس الوعظية في شرح أحاديث خير البرية من صحيح الإمام البخاري 1-3 ج1.
[5] الحج: 40.
[6] ياسين عبد السلام، من شريط كيف ننجمع على الله، نقلا عن كتاب جماعي: فقه التربية، محمد الزاوي، ص:30.
[7] السلوك المتسامي والسلوك الانهزامي. معالم في تجديد السلوك إلى الله، فقه التربية، كتاب جماعي، ص: 29.؟
[8] ياسين عبد السلام، حوار مع صديق أمازيغي، ص:247.
[9] ياسين عبد السلام، محنة العقل المسلم، ص:53.
[10] التوبة: 18.
[11] النور: 36 – 38.
[12] أخرجه الحارث في بغية الباحث (1/251، رقم 126) الألباني في “السلسلة الصحيحة” 6 / 512.
[13] أخرجه أحمد ومسلم.
[14] أخرجه أحمد 3/347(14802) الألباني في “السلسلة الصحيحة” 5 / 483، انظر مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، علي بن أبي بكر الهيثمي المحقق، مؤسسة المعارف 1406 ه تصنيف رئيس: م 1، 1/317.
[15] جامع العلوم والحكَم، لابن رجب، ص 147، بتصرُّف.
[16] البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
[17] حديث حسن؛ صحيح الجامع للألباني، حديث رقم 176.
[18] حوار مع الفضلاء الديمقراطيين ص: 99.
[19] الإمام عبد السلام ياسين جوانب تجديدية من فكره… كتاب جماعي، ص: 41.
[20] ياسين عبد السلام، محنة العقل المسلم بتصرف، ص: 83.