بإعلان السيدة خديجة سيف الدين زوجة عمر محب عن تفاقم حالة زوجها الصحية في سجنه بفاس بفعل غض طرف إدارة السجن المحلي رأس الماء عن وضعه المتردي والإهمال الطبي المتعمد الذي لحقه بسببها، نكون أمام فصل جديد من فصول معاناة هذا المعتقل السياسي المظلوم التي تندرج في مسلسل بات مملا لطوله ورداءة إخراجه.

قضية عمر محب واحدة من القضايا التي ستبقى وصمة عار على قضائنا المحكوم بالتعليمات الذي ما تلاعب بملف سياسي قدر ما تلاعب بهذا الملف الذي عمر طويلا في أدراج محاكمه، يحركه في الاتجاه الذي يحدده وفي الوقت الذي يريد، غير مكترث بمستوى الألم الذي تسبب به بحق رجل بريء لم يسرق ولم يرتكب جرما لكنه ذهب ضحية حسابات مخزنية فارغة، ويدفع ثمنا باهظا ومن ورائه عائلته الصابرة على قضية ملفقة تلفيقا.

مشكلة عمر محب مع سجانه أن هذا السجان لا يعترف بأي حق من الحقوق، فبمجرد أن تطأ أقدام أي نزيل عتبة سجنه إلا ويجرد من حقوقه بالكلية، فيتعرض للإهانة ولكل أشكال التنكيل ولا تشفع له تلك السنوات التي سيقضيها في زنازينه المعتمة بعيدا عن أهله وأحبته لكي يحظى بمعاملة إنسانية تحترم الحد الأدنى من كرامته الآدمية.

ما يفاقم من معاناة محب، بالإضافة إلى ما تم ذكره، أنه سجين بخلفية سياسية ما يجعل من تكسير رأسه وإخضاعه هدفا يسمو على كل الأهداف، ذلك أنه منذ الاستقلال كانت المعتقلات والسجون ولا تزال وسيلة فعّالة لتدجين المعارضين وإعادتهم إلى بيت الطاعة، فكم من الهامات دخلت المعتقل مرفوعة ثم انحنت، وكم من الشخصيات المعارضة حولها المعتقل إلى كائنات وديعة منزوعة الأنياب، وكم من التنظيمات المتماسكة تسبب في تشظيها وتشتتها وفي تحطم مشروعها.

طالع أيضا  زيارة أسرة في ذكرى أسير

هذا ما لم يتحقق في حالة عمر، فشموخه وكبرياؤه أصلب من إرادة سجانه كما أن قناعاته لم تتزحزح قيد أنملة، ولو أنه غير وبدل أو توسل واستدر عطف المخزن لما عدموا التخريجات لتبرئته من القضية كأن شيئا لم يكن، ولقد كان يسيرا له أن يتبرأ من التنظيم الذي ينتسب إليه حتى ينجو بذاته لكنه تمنع.

تمنّع محب من اللحاق بطائفة المذعنين يغيظ من فبركوا تلك القضية والذين لا يرضيهم غير الإذعان التام لهم، وهو ما يفسر تلك الأشكال المختلفة من التضييقات التي تمارس بحق عمر حتى يدفع دفعا إلى رفع الراية البيضاء لهم.

لقد تحول عمر محب إلى واحد من أبرز رموز جماعة ممانعة رافضة لأي شكل من أشكال المساومة على الحقوق، والضغط عليه في كل مرة هو رسالة لها يعبر فيها النظام عن امتعاضه من مواقفها التي لا تعرف للمهادنة سبيلا.

هو كذلك يدفع ثمن ابتزاز أطراف أخرى يريد النظام المخزني، من خلال إطالة أمد مأساته، إخافتها بمصير مماثل لما لحقه، فواضح أن تعميق معاناة محب أصبح هدفا مركبا لإيصال رسائل متعددة لأكثر من طرف به يسعى لضرب أكثر من عصفور بحجر واحد.

إن إصرار النظام المخزني على التشبث بقضية من عمق التسعينات عصرها عصرا فيما مضى ولا يزال يطمع أن يوظفها، هو دليل على عجزه عن تطوير أساليبه واجتراح أدوات جديدة من أجل بث الفرقة وإدراكه أن هذا ما عاد ممكنا في ظل تنامي الوعي بين مختلف القوى الحية.

لذلك يلجأ إلى الماضي وينفض الغبار عن أحقاده مستغلا نخبة وظيفية تبذل ما في وسعها لمنع أي لقاء وأي اجتماع للكلمة والصف، عبر ترويج نعرات باتت بالية لا تراها الأجيال الشابة التي تتوق إلى انتزاع كرامتها وحريتها إلا لغوا لم يزد البلاد إلا خرابا.

طالع أيضا  عمر محب.. حين يستهدف الاستبداد إنسانية خصومه