تطرق فضيلة الأستاذ محمد عبادي، في المجلس الحادي عشر من مجالس مدارسة كتاب الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى “شعب الإيمان” إلى شعبة التأسي برسول الله صلى الله عليه، بعد تطرقه سابقا إلى شعبتي “محبة الله ورسوله” و“الحب في الله وصحبة المومنين وإكرامهم” من الخصلة الأولى: “الصحبة والجماعة”.

والحلقة هاته تبسط بعض صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم الخَلقية، بعد مدارسة صفاته الخُلقية في الحلقة السابقة، وهو ما دفع الأستاذ عبادي للتساؤل: لماذا نقرأ الصفات الخَلقية؟

وأوضح الأستاذ عبادي أن “الصفات الخُلقية لا بد من الاتصاف بها ومتابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ومحاولة الاقتداء والاهتداء به صلى الله عليه وسلم وعلى آله، لأن الله سبحانه وتعالى جعله لنا أسوة وقدوة، ليس في عبادته فحسب ولكن في كل أمور حياته؛ في مأكله وملبسه وسَيره ومعاملاته وأخلاقه وفي كل ما كان يقوم به.. قدوة لأنه يمثل صلى الله عليه وسلم الكمال البشري، من أراد أن يسعى إلى الكمال فعليه أن يحذو حذو رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن يقتدي به”. وأكد أن “اقتداء الباطن هو الأساس، والأمر هنا يتعلق بالاقتداء بسلوكه الظاهر في معاملاته وأخلاقه بالنسبة للصفات الخُلقية”.

وجوابا عن سؤاله السابق، بيّن الأستاذ عبادي المغزى من معرفة صفات رسولنا الكريم الخَلقية، قائلا: “معرفة صفاته الخَلقية تجعلنا نحبه، فطبيعة الإنسان أنه يحب الكمال والجمال والنوال ورسول الله صلى الله عليه وسلم اجتمعت فيه هذه الأمور الثلاثة؛ فهو كامل الخَلق ليس هناك أكمل منه، وفيه قول الشاعر سيدنا حسان رضي الله عنه:

وأجمل منك لم تر قط عين ** وأكمل منك لم تلد النساء

خُلقت مبرءا من كل عيب ** كأنك قد خلقت كما تشاء

طالع أيضا  في رحاب شعب الإيمان |6| حب آل البيت وإكرامهم

فرسول الله صلى الله عليه وسلم يمثل القمة في الكمال البشري، أما الكمال المطلق فهو لله سبحانه وتعالى، لذلك جعله الله سبحانه وتعالى قدوة، وفي صورته الخَلقية لم يخلق الله سبحانه وتعالى إنسانا أجمل منه، فإن كان سيدنا يوسف عليه السلام أعطي شطر الحسن فرسول الله صلى الله عليه وسلم أعطي الحسن كله.. فمعرفة هذه الخِلقة الفريدة من نوعها تجعلك تقترب منه وتتودد إليه وتحبه. ورضي الله عن ساداتنا الصحابة لم يبخلوا علينا بشيء، وصفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفا دقيقا، كل ما في جسده تحدثوا عنه من رأسه إلى مفرق قدمه؛ شعره، عينه، حواجبه، أذنه، وجهه، يداه، منكباه، بطنه، رجلاه.. تحدثوا عن كل أعضاء جسمه بتفصيل وبتدقيق، رسموا له صورة فكأنه ظاهر بين أعيننا”.

ونبه الأستاذ عبادي إلى أن “الصفات الخَلقية وردت في أحاديث لا تحتاج إلى شرح.. فالعلماء رضي الله تعالى عنهم قضوا وقتا غير يسير في ضبطها.. ونحن يجب علينا كذلك أن نتعرف على رسولنا صلى الله عليه وسلم، فبقدر تعرفنا عليه يُسكن الله سبحانه وتعالى محبته في قلوبنا”.

في مدارسته لهذا الحديث قال الأستاذ عبادي: “هذا الحديث يرويه ربيعة عن أبي عبد الرحمان عن سيدنا أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، وربيعة بن عبد الرحمان يسمى ربيعة الرأي، وهو من شيوخ الإمام مالك، وكان رحمه الله سبحانه وتعالى عز وجل آية من آيات الله تعالى في الحفظ وفي الحديث، وينسب إلى الرأي لأنه كان يستعمل القياس، هو من تلامذة أبي حنيفة الذي بنى مذهبه على القياس”.

وفي تفسيره أوضح: “ليس بالطويل ولا القصير هو تفسير لربعة، ولكنه كان إلى الطول أقرب، فكان يعلو على جلسائه وكذلك إذا كان واقفا. أزهر اللون: أبيض وبياضه مشرب بحمرة. شعره صلى الله عليه وسلم ليس بجعد: أي ملتو، قطط: شديد الجعودة، فيه التواء كثير، فكان شعره صلى الله عليه وسلم فيه نوع من التكسر، لم يكن شديد الجعودة ولا مطلوقا إطلاقا كاملا وهو السبط”.

طالع أيضا  شعب الإيمان (5) الصلاة والخشوع فيها | مع الدكتور رشيد بوطربوش

أبرز الأستاذ عبادي بخصوص راوي الحديث أنه تم التطرق إليه سابقا، وبخصوص المعنى فإن “الحديث يفسر بعضه بعضا. “كأنما صيغ من فضة”، الفضة لونها معروف، فيها لمعان وبريق، وهكذا كان لون رسول الله صلى الله عليه وسلم، و”رَجِل الشعر” هو ما قلنا سابقا”..

أخبر الأستاذ عبادي أن راوي الحديث “الإمام البيهقي رحمه الله سبحانه وتعالى، وهو من العلماء الذين كتبوا في “شعب الإيمان”، وقد ذكره الأستاذ عبد السلام في مقدمة كتابه. والبيهقي رحمه الله سبحانه وتعالى خرساني، وسمي بالبيهقي لأنه ولد في قرية تسمى بيهق، وهو شافعي المذهب، يقول فيه الإمام الجويري: “ما من شافعي إلا وللشافعي عليه منة إلا البيهقي، فإن للبيهقي منة على الشافعي”، يعني أنه خدم المذهب الشافعي خدمة جليلة. وله كتب أخرى؛ “الأسماء والصفات” و”السنن””.

عرف الأستاذ عبادي راويَي الحديث قائلا: “الجريري من علماء البصرة، وكان من الحفاظ ومن المحدثين، يقال بأنه في آخر حياته اختلط، فما رواه الناس عنه قبل أن يختلط فهي أحاديث موثوقة، وما روَوه عنه بعد أن اختلط فهي مشكوك فيها. واختلط بمعنى أنه بدأ ينسى. توفي رحمه الله تعالى في 144 هـ..

وهذا الحديث يرويه الجريري عن أبي الطفيل، وأبو الطفيل هو آخر من مات من الصحابة، رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صغير السن، وعاش معمرا (حوالي 102 سنة)، سكن الكوفة وتوفي في مكة رضي الله عنه وأرضاه. وله أحاديث مروية عن أكابر الصحابة رضي الله تعالى عنهم.. ثبتت رؤيته لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهو صحابي، لأن الصحابي هو كل من استمع لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مومن به ومات على ذلك، هذا هو التعريف عند المحدثين، أو كل من استمع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن من الصحابة من كانوا عميانا”.

طالع أيضا  شعب الإيمان | الإمام عبد السّلام ياسين

حول راوي هذا الحديث قال الأستاذ عبادي: “تحدثنا عن الزهري فيما سبق، وهو من رواة الحديث، وهو أول من أمره عمر بن عبد العزيز بجمع الحديث”.

وفي معناه قال: “أسيل الجبين: الجبهة هي مقدمة الرأس، والجبين هي ما تلا الجبهة. وأسيل: أملس، ليس فيه نتوءات”..

(..)

فيما يلي الحلقة كاملة: