تسليطا للضوء الإعلامي والحقوقي والقانوني على ملفات معتقلي جرادة، التي يتابع فيها عسفا وظلما عشرات الشباب الذين أصدرت السلطة ضدهم 200 سنة سجنا، ومن أجل الوقوف عند هذا الملف وخاصة الحكم الصادر الأسبوع الماضي بـ60 سنة سجنا في حق 18 شابا، أجرى موقع الجماعة نت حوارا مع الأستاذ المحامي عبد الحق بنقادى عضو هيئة دفاع معتقلي جرادة في عدد من الملفات.

الحوار تطرق للتقييم القانوني، ووقف عند الخروقات الجمة، واستنتج طبيعة المحاكمات والأخلال الكبرى التي تعتريها. فإلى نصه:

كيف تابعتم سير الإجراءات القانونية في ملفات معتقلي حراك جرادة؟

لقد نبهنا منذ البداية كهيئة دفاع إلى أن مثل هذه الملفات تتطلب لزاما حضور المحامي إلى جانب المعتقلين، منذ اللحظات الأولى للاعتقالات بمخافر الشرطة طبقا لمقتضيات قانون المسطرة الجنائية، وتمتيعهم بكافة الضمانات والحقوق المنصوص عليها في المادة 23 من الدستور.

لكن للأسف، وحسب تصريحات أغلب المعتقلين أمام المحكمة فإنهم لم يطلعوا على محاضرهم المنجزة من طرف الضابطة القضائية، وأجبروا على التوقيع عليها تحت الضغط والإكراه والتهديد.

أما خلال التقديم أمام النيابة العامة، وبعد الإحالة على قاضي التحقيق فقد سجلنا خروقات أخرى؛ تمثلت في الاستماع لعدد من المعتقلين وهم مكبلي الأيدي عند المثول أمام قاضي التحقيق، وعدم إشعار الدفاع بالإجراءات والقرارات المتخذة، بالإضافة إلى عدم السماح لأحد أعضاء هيئة الدفاع بتصوير وثائق الملفات نظرا لاستحالة الاطلاع عليها في مكتب التحقيق بسبب عددها الكبير وضخامة هذه الملفات.

ماهي أهم الأعطاب القانونية التي شابت المحاكمة؟

لقد أثارت هيئة الدفاع أمام المحكمة عشرات الدفوع الشكلية؛ التي شابت محاضر الضابطة القضائية، وإجراءات الاعتقال، والوضع تحت الحراسة النظرية، وصولا إلى إجراءات قاضي التحقيق، لتثبت بالملموس خرق العديد من فصول قانون المسطرة الجنائية والمقتضيات الدستورية. لكن للأسف فإن محكمة الاستئناف قررت ضم هذه الدفوع المثارة للجوهر، ولم تكلف نفسها عناء إصدار حكم مستقل يبث في الدفوع المذكورة طبقا لما هو منصوص عليه في مقتضيات المادة 323 من قانون المسطرة الجنائية.

طالع أيضا  ابتدائية وجدة تواصل توزيع الأحكام الظالمة في حق معتقلي جرادة.. 37 سنة سجنا لـ9 نشطاء

بالإضافة إلى أن رفض المحكمة لعرض وسائل الإثبات ومناقشتها، واستدعاء الشهود، وإعطاء الفرصة الكافية للمعتقلين لتقديم أجوبتهم، حالت دون تحقيق شروط حقيقية لمحاكمة عادلة، مع تسجيل تدخل هيئة المحكمة أحيانا وتعقيبها على مرافعات هيئة الدفاع ومطالبتها بالإيجاز، وغيرها من الإكراهات التي عاقت عمل الدفاع في أداء مهامه ورسالته على الوجه الأكمل والتي يخولها له الدستور والقانون.

ما هو تقييمكم القانوني للحكم الصادر مؤخرا؟

أقل ما يقال عنه هو أنه لم يكن بمستوى المجهودات المبذولة، ولم يراعي المناقشات القانونية شكلا وموضوعا التي قدمتها هيئة الدفاع مشكورة عن معتقلي حراك جرادة، والتي أثبتت خلو هذا الملف من أي دليل إدانة، لكن يبدو أن الحكم الذي أدان حتى من كانوا رهن الاعتقال قبل وقوع أحداث 14/3/2018، ولم يستثني المختلين عقليا منعدمي المسؤولية الجنائية، ليس بحاجة إلى الاستناد إلى أي دليل أو حجة أو حتى قرينة.

فبالنظر إلى تصريحات المعتقلين التي نوقشت حضوريا أمام هيئة المحكمة، والحجج المدلى بها لفائدتهم كما هو منصوص عليه في المادة 286 من قانون المسطرة الجنائية، يمكن أن نقول على أننا تفاجئنا بهذا الحكم الذي كان قاسيا جدا، ليصل عدد سنوات السجن الموزعة على معتقلي حراك جرادة لحد الآن حوالي قرنين من الزمن (200 سنة)، ونحن ننتظر انتهاء هيئة المحكمة من تحرير حكمها لننظر في الحيثيات التي أوصلتها إلى هذه الإدانة والعقوبات القاسية.

لماذا تصر السلطة على إرسال الشباب والناشطين إلى السجون رغم أن مطالبهم كانت بسيطة وعادلة؟

باعتبارنا نمثل وجهة نظر المعتقلين وندافع عنها، فقد أبرزنا للمحكمة أن الحبكة التي صاغتها الضابطة القضائية في محاضرها حول ما وقع بالضبط يوم 14/3/2018، يبدو أنه من ورائها عقل أمني ومقاربة أمنية محضة تريد محاكمة الحق في حرية الرأي والتعبير والتظاهر والاحتجاج السلمي الحضاري وتخويف الناس من المطالبة بحقوقها المشروعة التي تكفلها جميع الشرائع والمواثيق الدولية والدستور.

طالع أيضا  جلسة ثالثة لأحد أكبر ملفات حراك جرادة وهيئة الدفاع تبسط عشرات الدفوع الشكلية

هل يقلقكم وضع الأمن القانوني والقضائي بالنظر للأحكام العالية في ملفات سياسية كجرادة والريف؟

بكل تأكيد، ففي مثل هذه الملفات بالضبط يوضع شعار استقلال السلطة القضائية على المحك ومدى توفير شروط المحاكمة العادلة الحقيقة، لدرجة إنه بدأت تبرز لدى العديد من المحامين والحقوقيين وعموم المتتبعين لهذا الشأن قناعات خاصة بجدوى الحضور والدفاع في مثل هذه المحاكمات. هذا ونشير في الأخير إلى أننا صرحنا بالطعن بالاستئناف في هذا الحكم ونتهيئ لخوض جولة أخرى خلال المرحلة الاستئنافية نتمنى ألا تكون كسابقتها.