كثير منا من يتمنى الموت في سبيل الله، ويتمنى لو كانت هناك مواطن للجهاد ليقتل ويكتب عند الله من الشهداء، بل ويواظب في دعائه على أن يرزقه الله تعالى الشهادة، ولكن قبل الموت في سبيل الله هل جربنا الحياة في سبيل الله؟

هل ذقنا طعم العبادة والقرب من الله تعالى ونحن في الحياة الدنيا؟ كيف تكون حياتنا كلها لله؟ كيف نحول حياتنا إلى عبادة متصلة؟

عرف الصحابة الكرام والجيل الذي تربى في مدرسة النبوة حقيقة معنى العبادة، فكانوا عبادًا لله حقًا، وكان وصف العبودية جليًا في حياتهم وجميع أعمالهم، بل كانت عاداتهم عبادات… إذ كانوا لا يتحركون تحركًا ولا يسكنون سكونًا إلا ويستشعرون رضا الله عن ذلك التحرك والسكون، حتى أصبح هذا الشعور محور تحركهم، ومبعث سلوكهم، لا تشوبه شائبة، ولا يغفلون عنه لحظة.

لقد ضعفت هذه الحقيقة في نفوسنا، وخف ذلك الشعور في تصرفاتنا، وابتعدنا عن حقيقة العبادة تدريجيًّا بمقدار بعدنا عن ذلك المعين الصافي، وانقلبت كثير من عباداتنا إلى عادات.
وفي هذا يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله: “جعل بعض الناس يفهمون أنهم يملكون أن يكونوا مسلمين إذا هم أدوا نشاط العبادة وفق أحكام الإسلام بينما هم يزاولون كل نشاط المعاملات وفق منهج آخر، ولا يتلقونه من الله ولكن من إله آخر، هو الذي يشرع لهم في شئون الحياة ما لم يأذن به الله! وهذا وهم كبير، فالإسلام وحدة لا تنفصم، وكل من يفصمه إلى شطرين -على هذا النحو- فإنما يخرج من هذه الوحدة، أو بتعبير آخر، يخرج من هذا الدين، وهذه هي الحقيقة الكبيرة التي يجب أن يلقي باله إليها كل مسلم يريد أن يحقق إسلامه، ويريد في الوقت ذاته أن يحقق غاية وجوده الإنساني” 1.
كثير من المسلمين اليوم حصر العبادة في شعائر تعبدية (كالصلاة والزكاة والصوم والحج…) تاركا جل مناحي حياته الأخرى تموج وفق العادات والشهوات مما نتج عن هذا الانفصام في الفهم والسلوك، سلبيات تتجلى من ناحيتين:

طالع أيضا  ومضات تدبرية "صلة الرحم شاطئ أمان"

1/ فقدان الشعائر التعبدية للغاية التي شرعت من أجلها:
حيث أصبحت تؤدى بصورة تقليدية وفقدت دورها في تقويم الإنسان، فمثلا الصلاة التي يخبر عنها الله بقوله وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ (العنكبوت / 45) لم تعد ذات أثر واقعي في حياة من يؤديها إلا من رحم الله، وقس على ذلك باقي العبادات.

2/ انفصال الحياة عن روح العبادة:

إذ أصبحت المعاملات والآداب وتفاصيل الحياة عند الناس ليست من العبادة في شيء، فتجد المسلمين يقيمون الشعائر التعبدية، ثم إذا خرجوا من المسجد فلا علاقة للدين بحياتهم.

“العبادة هي كمال الذل مع كمال المحبة لله عز وجل، ونهاية الخضوع والانقياد والاستسلام والتواضع والخوف والخشية والإنابة والرجاء والإذعان للعزيز المنان، كما أن حقيقة العبادة انقياد النفس الأمارة لأحكام الله تعالى وصورته وقالبه الإسلام ومعناه وروحه الإيمان ونوره الإحسان” 2.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة” 3.

إذا صحت نية الخضوع لله تعالى في أعمال العبد تحولت أعماله إلى عبادات وارتفعت عن مستوى العادات.

يقول الامام سيدي عبد القادر الجيلاني رحمه الله: “العبادة ترك العادة. لا كانت العادة حتى تصيرَ موضع العبادة” 4.

ويقول الامام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله: “لكن المؤمن يجب أن تكون في حياته اليومية معالم لتكون قدمه راسخة في زمن العبادة والجهاد لا في زمن العادة واللهو” 5.

أخي المؤمن اجعل من حياتك مجالاً للعبادة؛ اجعل عملك عبادة، زواجك عبادة، طعامك وشرابك عبادة، أعمالك الطيِّبة الاجتماعية عبادة، العبادات الشعائرية من صلاةٍ وصيامٍ وحجٍ وزكاةٍ عبادة، المعاملات والواجبات والحقوق عبادة، فقد قال الله عز وجل: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (سورة الذاريات: 56).

طالع أيضا  دينك فاحفظ!! (19) صلاة الجمعة (1)

فلا يمكن أن تكون العبادة مجموعة أعمالٍ تُعَدُّ على أصابع اليد، ما دام الله سبحانه وتعالى جعل عِلَّة خلقنا العبادة فلابد مِن أن تشمل العبادة الحياة كلها، والدين كله، ونشاطات الإنسان كلها.


[1] سيد قطب رحمه الله، في ظلال القرآن، الجزء 4، الصفحة 278.
[2] تفسير الألوسي، ج 1، ص 66.
[3] ابن تيمية، كتاب العبودية، ص 1.
[4] عبد السلام ياسين، الإحسان 2، ص 166.
[5] عبد السلام ياسين، رسالة تذكير، ص 29 / 30.