معيقات الحوار

الحوار بين الأب وابنه يقوم على النهوض بالابن والاستماع إليه، وأن يشعر أثناء الحوار أنه في أمان، وأنه بالإمكان أن يدلي بآرائه، ولو أنها لا تعجب الأب ينبغي أن يتحلى بالصبر وضبط النفس، فالمحاورة تمكن من معرفة طريقة التفكير عند الابن وملاحظاته بل وانتقاداته ولغته. وقد يتكامل الأبوان في هذا لأن الابن والبنت ينفتحان عموما على أحدهما أكثر من الآخر وغالبا ما تكون الأم لما أودع الله فيها من رفق ولين جانب وعطف عليهم. أما أسلوب الزجر والشتيمة والنقد فهو من أخطر أساليب الحوار بين الآباء والأبناء، والشدة تعلم الأولاد النفاق والكذب. الموفق من الآباء يحرص أن يكون محبوباً من قبل أولاده لا أن يكون محترماً عندهم.

هناك معيقات للحوار مع الأبناء، إن كانت أو كان بعضها لا يكون الحوار معهم قطعا، وإذا قد تكون نتائجه غير مرضية لا قدر الله. من المعيقات:

• التسلط والاستبداد من قبل الأبوين أو أحدهما. عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “ما كان الفحش في شيء إلا شانه وما كان الحياء في شيء إلا زانه” الإمام أحمد والبخاري في الأدب المفرد رحمهما الله. قيل المراد بالفحش العنف.

• القدوة السيئة؛ الأبوان ينهيان عن شيء ويأتيانه.

• عدم الثقة المتبادلة بين الآباء والأبناء أو ضعفها.

• اعتقاد أحد الطرفين عدم أهلية الطرف الآخر للحوار.

• الأحكام الجاهزة والمسبقة.

• عدم الإنصات للطرف الآخر ومقاطعته أثناء الكلام.

• نقص في المعلومات حول موضوع الحوار.

• عدم الإلمام بمهارات الحوار وتعويض ذلك بفرض الرأي على الطرف الآخر.

• ممارسة الأستاذية على الأبناء.

• القمع عندما يكون الرأي مخالفا.

• ظن الأبوين أو أحدهما أن للأبناء نفسَ رؤيتهما للأشياء ونفسَ التقدير.

طالع أيضا  نساء العدل والإحسان باليوسفية يحيين ذكرى رحيل الإمام

عناصر الحوار

• ينبغي أن يكون الكلام قاصدا ومركزا. إذا أكثر الأب وأطال يضعف التركيز ويشرد الذهن. نموذج وصايا لقمان عليه السلام لابنه، كلمات واضحة المعنى قاصدة بعضها أرفق بتعليل أو شرح من غير إطالة.

• الرفق واللين، أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بلين الجانب للمؤمنين في قوله عز وجل: واخفض جَنَاحَكَ لِمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين. وأثنى تعالى على نبيه باللين للمؤمنين في قوله: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ الله لِنتَ لَهُمْ وَلَو كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القلب لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِك. أمر الله سيدنا موسى وسيدنا هارون باللين في القول لفرعون في قوله سبحانه ٱذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ فَقُولَا لَهُۥ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ.

نعرض نموذجا نبويا في اللين والرفق، أخرج الإمام أحمد في مسنده عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: “إن فتى شابا أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، اءذن لي بالزنا!، فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مه مه، فقال: ادنه، فدنا منه قريبا، قال: فجلس، قال: أتحبه لأمك؟، قال: لا واللَّه، جعلني اللَّه فداك، قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم، قال: أفتحبه لابنتك؟، قال: لا واللَّه، يا رسول اللَّه جعلني اللَّه فداك، قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم، قال: أفتحبه لأختك؟ قال: لا واللَّه، جعلني اللَّه فداك، قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم، قال: أفتحبه لعمتك؟ قال: لا واللَّه، جعلني اللَّه فداك، قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم، قال أفتحبه لخالتك؟ قال: لا واللَّه جعلني اللَّه فداك، قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم قال: فوضع يده عليه وقال: اللَّهمّ اغفر ذنبه وطهر قلبه، وحَصِّنْ فرْجَه، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء”.

• مراعاة تعبيرات الوجه وحركات الجسم ونبرة الصوت كلها من العناصر المهمة في عملية الحوار، قد يسمع الأب ما لم يكن متوقعا أو مظنونا – قصة الشاب السالفة الذكر، في مثل هذه المواقف تظهر قوة المربي قال تعالى وَٱلْكَٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ وقال عليه الصلاة والسلام “ليس الشديد بالصرعة ـ إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب” 1.

قواعد الحوار

• القاعدة الأولى هي فهم خصائص النمو لدى الأبناء وحاجاتهم والإلمامُ بطبائعهم، فمن الأبناء السهل والحنون والمنفتح والمتكتم والمنغلق على نفسه والمشاكس وصاحب النكتة وشديد الطباع والمتمرد والمعاند والمغرور بنفسه والغيور.. اختلاف طبائعهم وقدراتهم والتفاوت في الإدراك يحتم على الآباء التنويع في طريقة الحوار وعدم تعميم الأسلوب أو النمط الواحد.

طالع أيضا  ذ. الشيباني يوضح ميزة الحوار والتشاور في بناء حياة طيبة

• القاعدة الثانية هي الجمع بين الإنصات والحوار، عرض لنا القرآن الكريم نماذج حاور فيه القوي القهار ذو الجلال والجبروت والعظمة بعضا من مخلوقاته منهم المطيع المؤتمر بأمره الملائكة الكرام وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰئِكَةِ إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّى أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ، ومنهم العاصي المتكبر إبليس قَالَ يَٰإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ ٱلسَّٰجِدِينَ قَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُۥ مِن صَلْصَٰلٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ.

الأبوان وإن كانا طرفا في الحوار فالأصل فيهما مربيان، والمطلوب إلى المربيين أن يكونا قدوة حسنة للأبناء، بل يجتهدان ليكون الحوار ذاته درسا تلقينيا للأبناء في فن التعامل مع “الغير” عكس ما يلقنون في بعض المواد الدراسية.

• القاعدة الثالثة نقد الفكرة الخاطئة وليس انتقاد صاحبها وينبغي عدم الانتقاص منه أو تسفيهه أو الاستهزاء به وما شابه هذه النواقص عند بعض الآباء. كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يستعمل “ما بال أقوام” دون أن يسمي. نهانا القرآن الكريم أن نتنابز بالألقاب أو أن يسخر المؤمنون بعضهم من بعض والأبناء من المؤمنين قال تعالى: يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِٱلْأَلْقَٰبِ بِئْسَ ٱلِٱسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلْإِيمَٰنِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا.

• القاعدة الرابعة أثناءَ الحوار مع الأبناء ينبغي احترام شخصية الابن والحفاظ على كرامته، بل إذا لزم الأمر تبجيله والثناء عليه بالصدق وليس كذبا.

طالع أيضا  المقاصد التربوية للحوار في القرآن الكريم

• القاعدة الخامسة الوفاء بالوعود التي نعطيها للأبناء عند محاورتهم.

• القاعدة السادسة نحرص في الحوار أن نصل إلى نتيجة طيبة لا أن ينتصر الأبوان لرأيهما.

• القاعدة السابعة الأبوان العاقلان يعطيان المخطئ من الأبناء فرصة ثانية ليعود إلى الصواب ويترك الخطأ، ينبغي أن نتخلق بأخلاق الله.

• القاعدة الثامنة غض الطرف عن بعض فلتات اللسان وقد نعالجها لاحقا وإذا أخطأ أحد الأبوين يعتذر لأن الاعتراف بالخطإ فضيلة والكمال لله والعصمة للأنبياء، وهذا خلق يقتبسه الأبناء من الآباء.

خاتمة

الكلام حول المعيقات والعناصر والقواعد إنما هو كلام عن الأسباب، والأسباب لا يأتي منها شيء إن لم يكن التوجه والدعاء الدائم في الصلوات والخلوات لرب الأسباب فهو الهادي إلى صراطه المستقيم وهو مالك وملك القلوب ومقلبها، نسأله جلت قدرته أن يهبنا من الصالحين وأن يصلح أبناء المسلمين.


[1] أخرجه الشيخان رحمهما الله عن أبي هريرة رضي الله عنه.