ميز الدكتور محمد منار بين نوعين من الوثائق التي تجسد الانتقال الديمقراطي، مذهبية وسياسية؛ “الوثيقة المذهبية هي عبارة عن ميثاق أو عهد بين القوى الموجودة في البلاد”، واستدل بتجارب عرفتها بلدان متعددة كما حدث من اتفاق بين الأحزاب من أجل المبادئ التي تؤطر الدستور في تجربة جنوب إفريقيا، وهو نفس ما حدث في التجربة الديمقراطية الإسبانية، حيث كان هناك اتفاق ثم بعد ذلك أتت “الوثيقة السياسية الدستورية”، وأضاف “إذن فالوثيقة المذهبية تحدد فيها الأمور التي يجب أن يكون عليها الدستور والطريقة التي يأتي بها هذا الدستور”.

ورغم أن عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان لم يفصل في الحديث عن الوثيقة السياسية، التي يقصد بها الوثيقة الدستورية، إلا أنه اعتبر دستور 2011 وثيقة سياسية غير ديمقراطية بالنظر إلى الطريقة التي وضعت بها، معززا رأيه بما قال عنه “إجماع كل الباحثين الدستوريين”، وشدد على أن التأويل الديمقراطي للدستور الذي أمل بعض الفاعلين السياسيين في تحققه لم يتحقق حتى الآن، في حين “تحققت أمور أثبتت التأويل السلطوي للدستور وليس الديمقراطي”، ولخص أسباب كل ذلك في قوله “لأن هناك هيمنة للمؤسسة الملكية على باقي المؤسسات”.

أستاذ القانون الدستوري بجامعة القاضي عياض أشار، في تصريح أدلى به لصحيفة “القدس العربي” نشرته على موقعها الإلكتروني يوم أمس 15 يناير، إلى أن حركة 20 فبراير سبق لها أن قدمت وثيقة، لكنها لم تكن تجسيدا للكتلة بمفهوم محمد عابد الجابري أو الجبهة، وعزا المشكل في المغرب إلى اختلال موازين القوى لصالح جهة “يتضح الآن أنها لا تريد الديمقراطية، ولا تريد اقتسام السلطة وتداولها بشكل سلمي وديمقراطي”، ولا يمكن لميزان القوى أن يتغير ويحقق هذا التغيير “إلا بتكتل القوى التي تريد الذهاب بالمغرب نحو الديمقراطية باختلاف انتماءاتها الإيديولوجية”.

طالع أيضا  ذ. عمر أمكاسو نائب الأمين العام للدائرة السياسية للعدل والإحسان في مقابلة مع جريدة 'البيضاوي'

وأضاف أن هذه الانتماءات الإيديولوجية، لا ينبغي أن تكون عائقا يحول دون تحقق هذه الجبهة التي يتحدث عنها الكثير من الفاعلين السياسيين المعارضين بالمغرب ومن ضمنهم جماعة العدل والإحسان، قائلا بأن هناك “أموراً مشتركة تتعلق بتدبير الاختلاق وبمبادئ نتقاسمها جميعاً يمكن أن تؤطر النظام السياسي، وبأن هذا المشترك لا ينفي وجود اختلافات إيديولوجية وفكرية”، واسترسلا قائلا “والذي يحدث أننا نغلب الاختلافات الإيديولوجية بحيث لا نرى الأمور التي هي مشتركة بيننا ولا نجعل من الاختلاف بيننا اختلافاً فيه تكامل واختلافاً تنافسياً، فما زالت القناعات الإيديولوجية والمرجعية التي هي حق، هي الغالبة في النقاش”، مؤكدا أن شرط بقاء هذه الاختيارات نفسها هو “الاختيار الديمقراطي الوطني”، وهو اختيار مبادئ وإجراءات ينبغي أن تؤطر النظام السياسي في المغرب، حسب تعبيره.

ولتجسيد هذا النموذج يرى الباحث السياسي أنه يحتاج إلى تحقيق التقارب بين مختلف القوى لتفهم بعضها البعض. وأضاف “ما نعانيه من شرخ هو نتيجة استراتيجية يعمل بها المخزن، وهي استراتيجية «فرق تسد»، بمعنى أن المخزن اشتغل تاريخياً بهذه الفكرة، إشاعات.. وإشاعات متبادلة، وهذا أمر يصعب التقارب، ولا بد من وعي استثنائي يميز بين الخيارات الفكرية والقواسم المشتركة، هذه البيئة تحتاج إلى قواعد، والمطلوب هو أن نتفق على هذا الإجراء، وبعد ذلك تتنافس المشاريع”. وختم بأنه دون هذا الوعي الاستثنائي سيبقى دائماً ميزان القوى مختلاً.