15 يناير 2019؛ يوم الذكرى الثامنة لرحيل الوالد الحبيب؛ الأستاذ أحمد الملاخ رحمه الله. ذكرى تذكرنا بشيم الرجال الذين أرادوا منا أن نكون منهم ومعهم، في زمن قلّ فيه الرجال في مجتمع ضيع الأخلاق، ومناضل أضاع المبادئ والقيم، ونخبة اصطفت وراء الطغيان، وأبناء يبحثون عن دفىء الصحبة بذرها الرجال في مجالس الإحسان، لتصبح نورا يشع في مجتمع الإخاء.
هؤلاء الرجال لا يريدون من أحدنا أن يصبح يوما شيخا منعزلا في صومعته، أو راهبًا في صلواته، أو معتكفًا لا يبرح مسجده، أو صامتًا قد أعلن لله صومه، أو منعزلاً عن الناس قد اختلى بنفسه؛ إنما أرادوا منا أن نكتسب إيمانا وأن نسلك طريق الإحسان في معمعان الفتن ونقتحم العقبة تلو الأخرى مترقبين رضا المولى عز وجل. اقتحام العقبات لن يتم إلا بالتجرد من الأنا مهلكة الأفراد والأمم، ولن يكتمل الاقتحام إلا بالمعية الطيبة المُحبة. تحب خلق الله دون استثناء وتحب السعادة لكل الناس في الدنيا والآخرة. فمن الواجب علينا أن نُسلم على آبائنا وعلى من له الفضل علينا في كل وقت وحين- قبل وبعد الرحيل- إن أردنا أن نكون من أهل الوفاء صدقا وتصديقا.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: “قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده، لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أوَلَا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم” رواه مسلم.
كثير منا يفهم من ظاهر هذا الحديث أن إفشاء السلام يتم بين الأجساد المتحركة فقط، التي تقتات من خيرات الأرض، وتستجيب لرسائل الحواس المادية، ولا تستشعر الحواس الخفية في بواطن العضلة الصنوبرية (القلب). فكما هو السلام مسنون بين عمار الأرض فهو بين الأرواح التي لا تحجب الموت الصِّلة بينها. والسلام أوجب وأقوى لأهل الفضل والمحبة. فكلما بلغنا السلام يرد علينا أهل السلام بالتحية أو أحسن منها، مصداقا لقوله سبحانه: وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا سورة النساء،86.
سلامنا لهم وفاء، وسلامهم علينا دعاء.
سلام من أهل الشوق إلى أهل الحوض.
سلام من عمّار الدار الفانية إلى الدار الباقية.
سلام من ولد محب لروح الوالد المحبوب.
سلام يصل أشباح الدنيا بأرواح الآخرة.
السلام عليك يا أبت ورحمة الله وبركاته. بعد ثمانية سنوات عن رحيلك إلى دار البقاء، أتذكر ردّك على من يسلم عليك مؤكدا مبتسما فرحا بقولك ونبرة صوتك التي لن تنسى رغم بعد الزمان: “وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته” (ومغفرته) إضافة منك بطلب المغفرة من الغفور الرحيم، تفتح لسامعك أذنه على أن باب الغفور قريب من كل من يطرق باب السلام .
منطوق لسانك يعبر عن أحوال قلبك؛ الذي ملأه الله عز وجل محبة منه، عطاء غير منقوص. قال الله تعالى: وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي سورة طه،39.
أفنيتَ رحمك الله زهرة حياتك في إفشاء السلام والمحبة بين الناس، في زمن تسوده الكراهية والبغضاء. 
كل من طرق بابك مشتكيا من الخلق، تدله على الله وتنصحه بإفشاء السلام مذكرا إياه بما قاله سيدنا عمار بن ياسر -رضي الله عنهما-: “ثلاثٌ من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسه، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار”.
من خصال الرجال (الانصاف والبذل والإنفاق) نجدها مبثوثة في شعب الإيمان.
فسلامنا على رجال الله دعاء لنا بالتخلي عن الخصال الدنيئة للتحلي بالخصال الرفيعة التي تقربنا إلى السلام الرحيم الغفّار. وبركة لنا يوم اللقاء. 
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته.

طالع أيضا  سيدي أحمد الملاخ خادم الرباط الحكيم