اختارت الأستاذة آمال الوكيلي موضوع “العنف الاقتصادي في حق المرأة” لمناقشته في آخر حلقة من برنامج “بعيون النساء” بثتها قناة الشاهد الإلكترونية، واستضافت لذلك الأستاذة خديجة الكمري، عضو المجلس الوطني للقطاع النسائي لجماعة العدل والإحسان والفاعلة الجمعوية.

استهلت الكمري الحلقة بتعريف العنف موضحة أنه “كل فعل متعمد يقصد به إلحاق الضرر بالآخر، وأسطر هنا على العمدية وعلى إحداث الضرر، لتنتفي قرينة البراءة عن كل من يقوم بهذا الفعل وتحت أي مبرر، فهو عمل غير مقبول. فإن أضفنا إليه نعت “اقتصادي” نجد أن العمدية في إحداث الضرر تكون في التضييق على مصادر الرزق، إما بمنع الولوج إليها أو بالتحكم فيها”. وحبذت “الصور الذهنية لأنها تقرب المعنى أكثر عن المفهوم اللغوي، لأن اللغة لا تعبر عن بشاعة الواقع مهما بلغت من الفصاحة والبيان”.

ولكي توضح الأمر أكثر، استدعت المتحدثة الصورة العالمية المعروفة في إخضاع الدول القوية من هم دونها لإسقاطها على وضع المرأة قائلة: “أستحضر هنا البعد الإمبريالي لدول الاستكبار العالمي، وكيف تخضع الدول عبر السيطرة على مصادر الثروة في العالم بغرض التحكم وفرض نمط ثقافي معين وفرض السياسات، كذلك إذا فصلنا الصورة نجدها بنفس الأهداف الغرض منها هو التركيع والحيلولة دون الاستقلال وتحرير الإرادة، بالنسبة للعنف الاقتصادي ضد المرأة غرضه تكبيل إرادتها والحيلولة دون استقلالها حتى لا تتجاوز الخيط الأحمر الذي فرضه القيد الاجتماعي من جهة والاستبداد السياسي من جهة ثانية”.

واعتبرت الفاعلة الجمعوية أن العنف الاقتصادي يتخذ “أشكالا متعددة، لكنها تتخذ بعدين أساسيين؛ العنف الاقتصادي الذي تمارسه الدولة وآخر يمارسه المجتمع”.

وأفصحت بالنسبة للعنف الأول عن أنه “بسبب التقسيم غير العادل للثروة التي يفترض أنها من حق جميع المواطنين، نجد أن منسوب العطالة يرتفع يوما بعد يوم، ومن أكثر ضحاياه النساء، فيشتغلن في أعمال تحقر من ذاتهن وتحط من كرامتهن بل ومن آدميتهن، وأستحضر هنا مثال النساء اللواتي يقمن بعمل الدواب على معبر الذل في باب سبتة، وأيضا أمي فتيحة التي أضرمت النار في نفسها بسبب من ضيَّق على وسيلة رزقها وتمثلت في ممثلين للسلطات المحلية التي هي وجه الدولة، وأيضا تحضرني صورة شهيدة السكن التي يكاد التاريخ الآن ينساها، فدوى ابنة سوق السبت التي أضرمت النار في جسدها بسبب حرمانها من حقها في السكن.. وهن كلهن ضحايا العنف الاقتصادي الذي تمارسه الدولة”.

طالع أيضا  القارئ محمد بهلافي: ما تيسر من سورة فاطر

وفي شأن عنف المجتمع قالت الكمري “من جهة ثانية هناك البعد الاجتماعي الذي يمثل صورة العنف الذي يمارسه المجتمع على المرأة بسبب العقليات وتصور أدوار المرأة، فنجد من صوره أن عمل ربات البيوت لا يُعترف به ولا تؤجرن عليه وهو لا شيء في نظرة المجتمع، ولا حق للمرأة في راتب الزوج مع أن عملها ينمي مدخرات الأسرة وينمي رأسمال الأسرة، والأكثر من ذلك حتى النساء اللواتي يعملن خارج البيت بأجور لا حق مطلق لهن في رواتبهن، فتجد المرأة نفسها بين خيارين إما أن تذعن لعقلية المجتمع فيصبح للكل حق التدخل في راتبها وإما أن تقاوم وبالتالي تعتبر نشازا وتعاني من النكد والتضييق”.

وإجابة عن سؤال: من المسؤول؟ صرحت الكمري “أنه في مستنقع الفساد لا يمكن الفصل بين السياسي والاجتماعي والاقتصادي، فهي بنيات متراصة تتواطأ لحماية مصالح المفسدين المشتركة”، واسترسلت مُجلّية “من يحمي مستنقع الفساد الاقتصادي؟ يحميه الاستبداد السياسي، بل الأكثر من ذلك من يمارس الاقتصاد في المغرب؟ إما أنهم من يمارسون السلطة أو من يسبحون بحمدها ويدورون في فلكها رعاية لمصالحهم المشتركة، وهنا نستحضر مفهوم زواج السلطة بالثروة، مع أن مصطلح الزواج يدل على علاقة شرعية في حين أن ارتباط السلطة بالثروة هو عبارة عن سفاح لا يجوز، فهو يكرس منطق الريع، وممارسة الاقتصاد خارج القانون، وتركيز السلطة في أيادي متحكمة”. لتخلص إلى أن “مستنقع الفساد الاقتصادي محمي من طرف الاستبداد السياسي، ووقوده اليد العاملة الرخيصة نساء ورجالا، وتبقى النساء أكبر دافع للكلفة”.

وأضافت عضو المجلس الوطني للقطاع النسائي لجماعة العدل والإحسان مبرزة تواطؤ سياسات الدولة مع الأعراف الاجتماعية في تعنيف المرأة اقتصاديا: “أيضا وأبعد من ذلك فالوضع الاجتماعي الذي يمارس داخل الأسرة ضمنيا يقبل بواقع الاستبداد السياسي العام ويقبل بمنطق الفساد.. فتصبح البنيات كتلة واحدة يصعب التفريق بينها”، ومثلت لذلك بكرة الثلج التي تتدحرج من الأعلى فتزداد حجما “وهذا هو منطق الفساد كلما تدحرج ينزل ثقله على الحلقات الأضعف، فكرة الثلج كلما تدحرجت ازداد حجمها وثقلها ووطأتها على الحلقات الأضعف، وأضعف الحلقات الاجتماعية هن النساء، بسبب الفقر والتجهيل والأمية وضيق العيش ونمط عقلية المجتمع. من قبل كان للمرأة كفيل واليوم أصبحت تقوم بأدوار الحافظية والقوامة بدون رعاية وبدون كفيل، بل والأكثر من ذلك خارج حماية القانون والمجتمع”.

طالع أيضا  ذ. العلمي: دواعي اختيار "الحوار" موضوعا للذكرى الرابعة لرحيل الإمام المجدد

وعدّت الكمري، بشأن الخطوات التي يجب استحداثها للخروج من بوتقة هذه الأزمة الاقتصادية، أن “الخطير في مسألة العنف الاقتصادي ضد المرأة هو ارتباطه الكبير بنمط تفكير المجتمع، وارتباطه بمراكز السلطة داخل الهرم الاجتماعي، وبالأدوار المنوطة بكل من الرجل والمرأة، وبالنظرة إلى المرأة، إذن فالسؤال المطروح هو هل المجتمع مستعد لإحداث تغيير؟ ثم بالتالي تحمل الأعراض الجانبية المرافقة لكل عملية انتقالية إلى التغيير، لأن الخوف من النتائج العكسية للتغيير هو ما يدفع البنيات الاجتماعية للمقاومة وللتصدي لأي شكل من الأشكال التي من شأنها أن تزعزع استقرار العرف السائد”. ممثلة لذلك بكون “ما تراه المرأة حقا قد يراه المجتمع ثورة على الثابت ويراه البعض انسلاخا عن القيم، فالمجتمع اليوم مطالب بتحديد اختياراته وتحمل المسؤولية في تفعيلها عبر ممارستها في الواقع”، ومستحضرة دور “التربية كقاعدة أساسية في التغيير”.

واسترسلت عادّة الأطراف التي تدخل في عملية التغيير هاته: “هناك من يحمي خيارات المجتمع وهو القانون، وهناك الساهر على تنفيذ هذا القانون الذي يجب أن يوفر له البيئة السليمة للتنزيل، وهو القضاء المستقل، الذي يحس الكل بهيبته ويذهب إليه مطمئنا”.

واعتبرت أن هذا التغيير “لن يحدث إلا بأحد أمرين؛ إما بإرادة حقيقية ممن يمارسون السياسة”، واستدركت مستبعدة هذا المدخل لأنهم حسب قولها “أكبر مستفيد من واقع المرأة”، لتحيل على المدخل الثاني “الذي هو وحدة النخب، فإذا قررت النخب أن تنصف المرأة يجب أن تتوحد لفرض إرادة التغيير”.

وشددت الكمري، كمدخل أساس في التغيير، على “جبهة المرأة ذاتها؛ التي عليها أن تخلع عنها جبة الضحية، والخروج من دور الضحية إلى فضاء المطالبة على قاعدة أن “الحقوق تنتزع ولا تمنح”، طبعا في رحمة بغير ضعف وفي قوة بغير عنف”. كاشفة عن أفق هذا النضال بقولها “نريد تغييرا يؤسس لمجتمع قوي ورصين، لا تغييرا ينبني على أساس الصراع بين فئات المجتمع، فهذا صراع يهدم ولا يبني. والمرأة مطالبة بأن تسير في طريق طويل وشاق، قد لا تحصد ثماره اليوم لكنها تضع اللبنات للأجيال القادمة”.

طالع أيضا  200 سنة سجنا ضد شباب جرادة.. إنه الطغيان يا سادة (فيديو)

وأعلنت الناشطة النسائية، في ختام الحلقة، عن مطالب نضالها إلى جنب أخواتها قائلة “إننا نناضل وسنظل كذلك من أجل حقوق تحمي آدمية الإنسان، نطالب بمجتمعات رصينة أساسها التآخي والاحترام المتبادل بين فئات المجتمع وحماية الحقوق وتفعيل القانون، وهذا نضال طويل، نمد أيدينا لكل من يهمه هذا النضال لكي تتكامل مجهوداتنا وتتكاثف من أجل أن نصل إلى الثمرة التي ننشدها جميعا؛ مجتمع قوي برجاله ونسائه، مواطنين فاعلين نافعين”.