مدخل عام: وصية الإمام ومكانتها من مؤلفاته

أولا: الوصية ومكانتها في الدين

قال الراغب: “الوَصِيَّةُ: التّقدّمُ إلى الغير بما يعمل به مقترنا بوعظ”، فقد تكون أمرا أو نهيا، بِفِعْلِ شَيْءٍ أَوْ تَرْكِهِ مِمَّا فِيهِ نَفْعٌ لِلْمَأْمُورِ. وهي عهد بين صاحب الوصية والموصى له. وهي في الآن ذاته وصلة بينهما بعد رحيل الموصي إلى الدار الآخرة. وَشَاعَ إِطْلَاقُهَا عَلَى أَمْرٍ بِشَيْءٍ يَصْلُحُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي.

ويشرع كتابة الوصية عند خوف الفوت، أوعند حضور الموت، ففِي حَدِيثِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ: «وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَوْعِظَةً وَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ وَذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوْصِنَا إِلَخْ» سنن ابن ماجه (42). وقال تعالى: أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي.

والله تعالى يوصي عباده، والأنبياء يوصون أقوامهم، والعلماء والعارفون والصلحاء يوصون أتباعهم وخلفاءهم ومن يَظُنُّونَهُمْ خَلَفًا عَنْهُمْ فِي النَّاسِ بِأَنْ لَا يَحِيدُوا عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ.

وعادة ما تكون الوصية دعوة إلى مكارم الأخلاق ومحاسن العادات، والتذكير ا بالأوامر والنواهي الربانية والنبوية.

فعند البخاري في صحيحه (6116) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوْصِنِي، قَالَ: «لاَ تَغْضَبْ» فَرَدَّدَ مِرَارًا، قَالَ: «لاَ تَغْضَبْ»، وعنده في الأدب المفرد: “عَنْ سُلَيْمِ بْنِ جَابِرٍ الْهُجَيْمِيِّ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُحْتَبٍ فِي بُرْدَةٍ، وَإِنَّ هُدَّابَهَا لَعَلَى قَدَمَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْصِنِي، قَالَ: «عَلَيْكَ بِاتِّقَاءِ اللَّهِ، وَلَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تُفْرِغَ لِلْمُسْتَسْقِي مِنْ دَلْوِكَ فِي إِنَائِهِ، أَوْ تُكَلِّمَ أَخَاكَ وَوَجْهُكَ مُنْبَسِطٌ، وَإِيَّاكَ وَإِسْبَالَ الْإِزَارِ، فَإِنَّهَا مِنَ الْمَخِيلَةِ، وَلَا يُحِبُّهَا اللَّهُ، وَإِنِ امْرُؤٌ عَيَّرَكَ بِشَيْءٍ يَعْلَمُهُ مِنْكَ فَلَا تُعَيِّرْهُ بِشَيْءٍ تَعْلَمُهُ مِنْهُ، دَعْهُ يَكُونُ وَبَالُهُ عَلَيْهِ، وَأَجْرُهُ لَكَ، وَلَا تَسُبَّنَّ شَيْئًا»”، وفي مسند الإمام أحمد أحمد (9724) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدُ سَفَرًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَوْصِنِي، قَالَ: “أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللهِ، وَالتَّكْبِيرِ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ”، فَلَمَّا مَضَى قَالَ: ” اللهُمَّ ازْوِ لَهُ الْأَرْضَ، وَهَوِّنْ عَلَيْهِ السَّفَرَ“. الشرَفُ: المكان المرتفع، والمقصود تذكر عظمة الخالق عند رؤية ارتفاع المخلوق. وازوِ: من زَوَى كطوى لفظاً ومعنىً. وفيه كذلك (18720) عَنْ ضِرْغَامَةَ بْنِ عُلَيْبَةَ بْنِ حَرْمَلَةَ الْعَنْبَرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَوْصِنِي. قَالَ: ”اتَّقِ اللهَ، وَإِذَا كُنْتَ فِي مَجْلِسِ فَقُمْتُ مِنْهُ فَسَمِعْتَهُمْ يَقُولُونَ مَا يُعْجِبُكَ، فَأْتِهِ، وَإِذَا سَمِعْتَهُمْ يَقُولُونَ مَا تَكْرَهُ، فَاتْرُكْهُ“.

(..)

طالع أيضا  وصيتي |3| عقيدة الإمام عبد السلام ياسين

تتمة المقال على موقع ياسين.نت.