اعتبر الأستاذ عمر إحرشان، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة القاضي عياض بمراكش، أن احتجاجات أصحاب السترات الصفراء بفرنسا وانتشار هذا السلوك في عدد من الدول هي مؤشر على “ما يطبع العالم كله من مخاض نتيجة غياب العدالة، لأن هناك حركة متدمرة مما يجري في العالم من اغتناء فئات قليلة جدا على حساب فئات واسعة”، كما أنها مؤشر على أن “الديموقراطية التمثيلية وصلت إلى أزمتها الخانقة، لأن الانتخابات أصبحت تفرز منتخبين ومؤسسات لا يعكسون تهممات المواطنين”.

واعتبر أن ما تطلبه هذه الحركة من إخضاع الأثرياء للضريبة التصاعدية في إطار نشدان العدالة، والكف عن استغلال الفقراء لدفع أموال ما يفسده الأثرياء؛ صورة مصغرة لعالم غير متكافئ.

وفي انعكاس هذه الاحتجاجات على الواقع المغربي حصرها الباحث السياسي في ثلاثة مستويات، إذا أنها تصور المواطن المغربي على أنه “لا يقل وعيا وشعورا وتحضرا وسلمية عن المواطن الفرنسي بل ربما متقدم عليه”، كما أفرزت الفرق الكبير على مستوى السلطة وطريقة تعامل كل منهما مع الحراك بين فرنسا، وبين المغرب الذي يفعل كل شيء بالتضييق والمحاكمات الصورية ذات الخلفية السياسية، والمناورة والالتفاف، إلا التجاوب مع المطالب. أما على مستوى النخب فإن غياب الوسائط المؤطرة للحراك كأزمة للديمقراطية التمثيلية، فلا فرق بين المغرب وفرنسا، بل إن التبعية القائمة ستفضي إلى نفس الإفلاس.

ويرى عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية، في حوار مطول أجرته معه القناة الإلكترونية “طنافس تيفي” قبل أيام، بأن العالم بدأ يخرج تدريجيا من انفراد الولايات المتحدة الأمريكية بصناعة القرار العالمي، إلى نوع من بروز أقطاب أخرى منافسة، لكن الهيمنة الأمريكية ما تزال قائمة، والعالم الآن يعرف تقاطبات متعددة تتغير بتغير المجال والمصلحة، وأننا مازلنا نعيش أعراض تقسيم مصلحي للعالم حسب مناطق النفوذ، فيه فاعلون كبار منهم أمريكا والاتحاد الأوروبي والصين. وأضاف قائلا: “أهم ما نسير إليه في المستقبل هو أن هذه القوى الكبرى تبعد من مجال علاقاتها وصراعاتها موضوع القيم” في غياب تام للحد الأدنى من الضوابط الأخلاقية، مستشهدا بما وقع في آخر اجتماع لمجموعة العشرين كيف أن بوتين تسابق للسلام على الأمير ابن سلمان رغم أن يده ملطخة بالدماء، وكيف تتجاهل أمريكا تورطه نظرا لمستقبل العلاقات بين البلدين.

طالع أيضا  "العصبة" تشخص الوضع الاجتماعي والحقوقي المختنق وتطالب الدولة باتخاذ التدابير اللازمة

وبعد أن نفى إمكانية أن يكون المغرب قوة اقتصادية عالمية، بعد سؤال المُحاوِر عن إمكانية ذلك، أشار إلى أن المغرب بإمكانه أن يحقق نموذجا تنمويا يعول عليه من خلال الاستثمار في العنصر البشري وفي الديموقراطية، وأضاف: “ليس أمام المغرب إلا أن يستثمر في العنصر البشري لوقف هجرة الأدمغة والسواعد لأنه في حاجة إليها”، وأهم نموذج تنموي يمكن أن يعول عليه المغرب هو هذا النوع من الاستثمار إضافة إلى الاستثمار في التعليم والصحة والشغل، كما الاستثمار في التقنيات الجديدة منها الاستعمال النووي لأغراض سلمية.

وأضاف رئيس المركز المغربي للأبحاث وتحليل السياسات أن المغرب “عليه أن يحسن التموقع في التكتلات المحيطة به، فلا يمكن للمغرب أن يعيش في محيطه وهو في أزمات معه، لتعزيز الانتماء في عمقه الإفريقي والمغاربي والمتوسطي أو العربي والإسلامي” ثم أضاف: “وهذا لن يتم إلا إذا توفر على سياسة خارجية قوامها الحياد الإيجابي والنأي بالنفس عن مجموعة من الاصطفافات التي يدخل المغرب نفسه فيها ولا تعود عليه إلا بنوع من العزلة أو من خسارة حلفاء من الممكن أن يفيدوه، فقد مضى زمن الارتهان للتجربة الفرنسية”.

الناشط السياسي وفي تفاعله مع قضية حامي الدين قال: “أتضامن مع الأستاذ عبد العالي حامي الدين في هذا الموضوع، ومن الصعب جدا أن نقول بأنه وقعت بشأنه مستجدات تجعلنا نفتح هذا الموضوع من جديد، وهذه محاكمة سياسية في بواعثها ودوافعها وأهدافها، وللأسف تستعمل فيها وسائل غير قانونية وغير أخلاقية، ويشحن فيها جزء من المناضلين الذين ارتضوا لأنفسهم أن يوظفوا شر توظيف لتصفية حسابات مع أطراف سياسية أخرى”، وأضاف في هذا الخصوص “من المهم جدا أن تظهر الحقيقة في ملف بنعيسى أيت الجيد”.

طالع أيضا  مغرب 2018.. احتكار سياسي وحراك مجتمعي

وعن سؤال حول تدبير العلاقة مع المخالفين لفكر العدل والإحسان ومشروعها، شدد عضو الأمانة العامة لدائرتها السياسية على أن أي تقييمات تأتي من الخصوم السياسيين ينبغي أن يُنظر إليها بنسبيتها، لأن الخصم السياسي له مصلحة في أن يبرز العدل والإحسان على أن لها مشكل، فالحكم لا يمكن أن يكون إلا من طرف الشعب، أو بناء على وقائع، وأضاف قائلا: “مبدئيا، العدل والإحسان حركة مدنية سلمية، تشتغل وهي تعرف بأنها ليست وحدها في الساحة وفي المشهد السياسي، علاقتها مع غيرها من المكونات الأخرى هي علاقة مطبوعة بالاعتراف والاحترام  المتبادلين، والتعاون في كل ما نحن متفقون بشأنه، مع مناقشة كل ما نحن مختلفون حوله والمحاورة على أساسه دون مصادرة للنتائج”. وأضاف “نرى بأن الاختلاف شيء إيجابي ومحمود، والمستفيد الأكبر من اختلافاتنا هو البلد والشعب، لأنه لو لم يكن الاختلاف لما شرع أصلا التداول على السلطة، فنحن مكون إلى جانب باقي المكونات لنا رأي نناقشه، ونستمع للآخرين بشكل جيد، والحكم في الأخير للشعب”.