الناظر منا بعين النقد والتفحص لواقع مجتمعاتنا العربية والإسلامية، والمتتبع لمسلسل الانهزامات المتتالية والمتسربلة إلينا من زمن العض إلى حاضر الجبر المتخاذل، المتخم بالجروح والمثقل بالمشاكل والأزمات، يعي جيدا أن تغيير الواقع ودفع قاطرة النهوض من سبات السنين إلى مستقبل يستجيب لانتظارات الجماهير والشعوب المنتظرة، يلزمه الانتقال من خطابات المشاركة السياسية في شكلها الضيق المرتبط بالعمل السياسي التدافعي المحض، الذي تمارسه أطر حزبية وفعاليات سياسية معدودة، إلى المشاركة الشعبية والجماعية في مهمات البناء. ولن يتأتى ذلك إلا إن دفعنا الناس، كل الناس، باختلاف توجهاتهم وانتماءاتهم وحيثياتهم الاجتماعية، إلى التطوع والمشاركة في عملية البناء الإحيائية، التي تطال دواتهم المسكونة بداء الخمول أولا، لتطل بعد ذلك على المجتمع بروح إيجابية، فاعلة ومتفاعل.

تعبئة جماعية

قبل أن تعي الشعوب المهمشة دورها الاستراتيجي والتكاملي، الكفيل بتحقيق السيادة لها ولمجتمعاتها في الغد القريب والمنتظر، على الهيئات المجتمعية والفعاليات السياسية والاجتماعية والأطر الحزبية المكلفة بالتأطير والتوجيه أن تعرف مدخل التغيير حقا، وأن توقن بأهمية المشاركة الجماعية في بناء المجتمع، ودور الشعوب في دعم جهود الدولة ومؤسساتها، التي تتخبط في تفاصيل وحيثيات يصعب معها الاهتمام بمجالات أخرى، اجتماعية وتنموية وتربوية… لذلك وجب التأسيس لحراك ثقافي وفكري في جسم الأمة، يروم ترسيخ فكرة المشاركة الإيجابية في الشأن العام، والتطوع في خدمة المجتمعات، وتسليط الضوء على المجتمع المدني ومؤسساته الاجتماعية والثقافية والتربوية، وعبر مؤسسات القرب وجمعيات الأحياء، وغيرها من مؤسسات الخدمة الاجتماعية التي تأسس على قواعد التشاور والتحاور، حتى تعم الفكرة ربوع الوطن العربي والإسلامي، وتستوطن عقول وقلوب الشعوب الجرارة والسواد الأعظم من الأمة، والتي تعد الثورة الحقيقية للمجتمعات.

تعبئة عامة مستعجلة نختصر بها ما ضاع من سنوات الركود والسلبية التي مرت منها الأمة قرونا من الزمن، يقودها الفرد والجماعة والمؤسسة، لنعصف بأفكار خلاقة محفزة، يتطاير معها رماد خمول جاثم على فعلنا وفكرنا وإحساسنا بالمسؤولية، ولنقتحم لواعج هموم مجتمع سلبي، قاعد في عمومه، بفعل تشاركي تمتد له كل الأيادي الغيورة على انتمائها ووطنها، لنجلي بذلك الصورة السلبية القاتمة والجاثمة على أوطاننا، ولنحرر الإرادات والطاقات من قيودها نحو عالم التطوع الفسيح. فغرضنا أن ينهض القاعد منا والمتخاذل، وأن يتدارك الساكن المتثاقل، ويقبل كل مسؤول مكلف، توقظ غيرته الوفاء. كل بدوره، كل بجهده، وحدود استطاعته. فالعقبة كأداء والانتظارات لا تنقطع.

طالع أيضا  المجتمع المدني... استيراد معتقد

عمل الحي

ومن أهم المداخل التي من خلالها يمكن تعبئة الناس وتأطيرها وتوجيه خطواتها المتوثبة، إلى أن تصل إلى أفق الانخراط الكلي في مشروع النهوض والسيادة، هو مدخل الأحياء الشعبية والتجمعات السكنية التي تشكل إطارا وفضاء قائما بذاته مهيأ للتأطير، ومدرسة لتخريج أفواجا من المتطوعين وأجيالا من السواعد العاملة، التي لا تكف عن مد يد الخدمة والعون، والتي لا تخبوا إرادتها ولا تنكفأ أمام العقبات.

أحياء سكنية منتجة، فاعلة بحركية ساكنيها وتفاعلهم مع قضاياهم الخاصة والعامة، وسعيهم الدؤوب لخدمة بعضهم البعض، وإحساسهم بواجب الانتماء والاهتمام بأمر المسلمين، كل المسلمين.

أحياء منتجة، ترفع رأسمال الأمة الاجتماعي وتقويه بسواعد أبنائها المتطوعين، وبجندية ساكنة الأحياء الشعبية، الذين ربوا على البذل والتطوع والخدمة، إشراكا في البداية ثم مشاركة بعد أن غرست التجربة والممارسة حب الخير في قلوبهم، وبعد أن أكسبتهم المعايشة الرحيمة في الحي ثقافة رصينة للتطوع، محاورين، متفاعلين ومساهمين في تشييد صرحهم الأصغر، المؤسس والمكمل لصرح الأمة الموعودة بالنصر والتمكين. فما أن تنقضي سنوات الغرس والبناء التي يقودها الطليعة المناضلة من أبناء أمتنا، حتى تثمر مجتمعا صلبا، متماسكا ومتعاونا، يستطيع كنس مخلفات الفساد والاستبداد الذي نخر ذاته، ويقوى على علاج أدواء القرون المترسبة في الأمة بنفسه، دون انتظار مبادرات أو مؤتمرات أو مخططات رسمية، وتمثيليات لا تنقضي.