مدخل:

“لعل من أبرز المشاريع الفكرية والدعوية المؤثرة في الفكر الإسلامي المعاصر؛ نظرية المنهاج النبوي للأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله، التي اعتمدها رؤية كلية متكاملة في قراءة واقع الأمة الإسلامية ومعالجته؛ مستحضرا تاريخها ومستشرفا آفاق مستقبلها” 1.

وقد أكد رحمه الله غير ما مرة، أنه لا يقتصر في مشروعه الفكري على إعطاء تصورات نظرية، ولكنه “علم وعمل” “منهجية وسلوك” إذ بالقدر الذي نجده يؤسس لمشروع فكري رصين، لا يريد الغرق في البحث الأكاديمي الجاف، فهو كاتب يحمل قضية يريد تبليغها و الدفاع عنها والإقناع بها.

إن “رجلا” كان هذا همه، لا محالة يجعل من كتاباته ذات قيمة كبرى على مستوى: الفهم والعمل والبناء، وهو الشيء الذي سنحاول استخراج بعض منه، في السطور القليلة  أسفله، ومن خلال عناوين ثلاث هي: “القيمة الجوهرية” و”القيمة البنائية” و”القيمة الأدائية” للمنهاج النبوي.

1- القيمة الجوهرية:

ونقصد بها ما لنظرية المنهاج النبوي من أهمية في إعادة بناء فهم المسلم و الإنسان للدين والدنيا والآخرة، وهو المعنى الحقيقي” للتجديد”.

إذ نستطيع القول إن الأستاذ عبد السلام ياسين استطاع: جعل “المنهاج النبوي” بناء تأسيسيا لمشروع الأمة الكامل، الشيء الذي أعطاه أهمية جوهرية بوصفه أساسا أوليا تنبني عليه حركية الفكر والحركة الإسلاميَيْن ولنا في ذلك دلائل عديدة فقد تمكن من:

* إعادة فتح قناة الوحي “المطلق” القرآن والسنة للأمة بعد أن تداخلت مع اجتهادات الفقهاء النسبية و المرتهنة بالزمان والمكان وذلك عبر: – التأسيس على المصطلح القرآني معنى ومبنى (اقتحام العقبة- الشورى- القومة- عمارة الأرض- حمية الجاهلية- تبرج الجاهلية…) – التبني الكامل للتشخيص النبوي لأمراض المجتمع الإسلامي والأمة ككل (الفتنة- الغثائية- الوهن- انتقاض عرى الإسلام- الانحدار من الخلافة إلى الملك…)- دحض وعدم قبول الانتقائية التي تعامل بها مجموعة من المفكرين والفقهاء سواء مع أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم، بل وحتى آيات كتاب رب العزة جل جلاله.

* إعادة موقعة التاريخ وحركيته في إطار نسيبتهما الطبيعية، وتحريرهما من التقديس الذي أريد لهما أن يزاحما به  الوحي.

* إعادة موقعة مسألة الحكم كإحدى أجل عرى الإسلام، وأولاها نقضا، بل ومركزيتها في جدلية قيام أو انحطاط الأمة الإسلامية.                                                    

طالع أيضا  ذ. السلاسي: الإمام المجدد يلح كثيرا على تحديد المفاهيم لإدراكه أن هذا العمل بالغ الأهمية

* التحرر من قيد الفقه المنحبس المرتهن ب“سياق تاريخي محدد (عصور الفتنة وانحراف الحكم) وصراع مذهبي معين (الصراع بين أهل السنة والشيعة والخوارج… صراع بين السلفية والصوفية. صراع بين أهل الحديث، صراع بين العقل والنقل، صراع بين المذاهب….” 2والذي أصبح عائقا أمام تحقيق مقاصد الدين في قضايا ومجالات شتى.

* إعادة الإنسان إلى الفطرة، إلى  جوهر غايته ومعنى وجوده، من خلال تحريره من العقلية البهيمية  التي تحصره في دائرة مصلحته النفعية، جاعلة منه كائنا لا يفكر في شيء ولا يؤمن بشيء خارج دائرة الأرض الطينية.

2 – القيمة البنائية

أي أن الإمام رحمه الله استطاع أن يجعل من المنهاج النبوي نظرية محورية في إعادة بناء الدولة والمجتمع والإنسان.

– بناء الإنسان:

يتدرج بناء الإنسان لدى الأستاذ عبد السلام ياسين من أساسيات الكرامة المضمونة بحق العيش الكريم من مأكل ومشرب وتطبيب وتعليم إذ وكما قال رحمه الله: “لا يسلك في أذن الجائع إلا صوت يبشر بالخبز”

إلى الحرية، إذ “لا يتضح في وعي المقهور إلا برهان الحرية” 3.

إلى التوبة، توبة الذنوب، فطلب خير الدنيا من رب الدنيا “بإتقان” أهل الدنيا.

إلى طلب الدنيا والآخرة، “بإيمان” أهل الإيمان.

إلى طلب خير الآخرة “بإحسان” أهل الإحسان .

إلى طلب رب الدنيا والآخرة بإيقان و”تسليك” أهل العرفان.

– بناء المجتمع:

المجتمع في نظر صاحب المنهاج: جماعة -بالمعنى العام- بل جماعات تتوب ابتداء وتدعو الناس للتوبة أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر، استرسالا.

المجتمع: مسجد والمسجد منبر وحلق، بيت الله الذي ينطلق منه ويرجع إليه ويتجمع فيه ويتآلف جند الله.

المجتمع: لبنة، واللبنة أسرة، والأسرة زوجة وأم في برج حصين تبني منه وله.

المجتمع: ذلة على المؤمنين وعزة على الكافرين.

المجتمع: قيادة ربانية وشورى وعزم…

المجتمع: نور سار من قلب إلى قلب…

– بناء دولة القرآن:

يمكن القول إن أول قاعدة في بناء دولة القرآن هي ائتمارها لأمر الدعوة، لكن بقواعد ضابطة، الشيء الذي يتطلب -حقيقة- “بلورة تصور واضح لعلاقة الدعوي بالسياسي -من جهة -، ولموقع العلماء وذوي الرأي في الدولة – من جهة ثانية -“ 4.

أما ما بين السياسي والدعوي، فقد ساق رحمه الله تجارب مختارة بعناية فائقة تمثل لغياب التوازن في علاقة السياسي بالدعوي: بدءا من تجربة الثورة الروسية التي “أكلت أبناءها” بعدما تماهت مع الدولة زمن الطاغية ستالين، إلى الثورة الإيرانية التي دسترت الهوية الطائفية، ثم تغول الدولة السعودية على الدعوة لتعزلها نهائيا وتحولها إلى منظومة للتبرير وتسويغ الطاعة المطلقة للحاكم، وشرعنة كل قراراته.

طالع أيضا  الوظائف الاستراتيجية لـ"المنهاج النبوي" 3/1

فقد داعا رحمه الله  إلى البحث “عن ثنائية خارج النسق الديمقراطي ذي الشقين من حكومة ومعارضة، ثنائية لا تضع الدعوة بمقتضى الحكم أصابعها بين أسنان الدولاب فتنجر، ولا تدخل حلبة الصراع على السلطة الحكومية فتتلبس لبوس السياسيين، فالتماس ثنائية من خارج النسق الديمقراطي ذي الشقين يجنب العاملين في الدعوة مغريات إفساد السلطة وتدنيسها” 5.

من جهة أخرى، وتفكيكا لعلاقة العالم بالدولة، يسوق الإمام الجليل مرة أخرى: أمثلة عديدة في تاريخ الأمة عن علماء ربانيين، مثلوا لدور العالم المسلم أحسن تمثيل، ابتداء من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخاصة خلفاؤه الراشدون رضي الله عنهم، مرورا بمن تكبدوا المحن في سبيل القيام للحق، انتهاء بقومته نفسه ناصحا لملك زمانه الحسن الثاني رحمه الله. من خلال كل ذلك يضع الأستاذ ياسين لبنات إحدى أهم مؤسسة للرقابة على الحكم و الحاكم. مؤسسة مستقلة لا يستميلها مال أو جاه أو سيف.

3- القيمة الأداتية:

قد لا نجانب الصواب إذا قلنا إن المنهاج النبوي كفل الإجابة عن سؤال الكيف الذي وقف عنده جهابذة علماء هذه الأمة بعد التشخيص والتحليل.

ونقصد هنا بالكيف: الأدوات المنضبطة والمسيجة بسياج الشرع والكفيلة بإخراج الأمة من غثائيتها.  إنها صناعة المؤمن القائم بالقسط، الذي همه الله لا يخاف فيه لومة لائم. وهنا سنقف على عناوين/أدوات كبرى لفك شفرة النفس البشرية طلبا في المعالي: سماها الخصال العشر.

قال رحمه الله “وما أتينا بشيء في ترتيبنا لشعب الإيمان إلا من قال الله و قال رسول الله” 6، فهذه الشعب والتي جعل النبي، صلى الله عليه وسلم، تجميعها الإيمان عينه، حيث قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه الشيخان “الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان” وهي الخصال العشر تكون “مضمون الإسلام ومحتوى الإيمان. ويكون ترتيبها معراجا إحسانيا يرتفع عليه المؤمن وجماعة المؤمنين من نقطة البداية في الحياة في حضن الوالدين، إلى مقام الشهادة في سبيل الله في ساحة الجهاد” 7 “فيها أمهات ثلاث هي الصحبة والجماعة، والذكر، والصدق.” 8، جعلها رحمه الله تعالى شروطا للتربية الإيمانية “على نجاحها يتوقف ميلاد المسلم إلى عالم الإيمان، ثم نشوؤه فيه وتمكنه ورجولته” 9، والسبعة الباقية مظاهر تطبيقية لمن جمع الخصال الثلاث الأمهات 10، وهي البذل والعلم والعمل والسمت الحسن والتؤدة والاقتصاد والجهاد، أفرد لكل منها في كتابه الإحسان: فصلا خاصا.

طالع أيضا  الوظائف الاستراتيجية ل"المنهاج النبوي" 3/3

وللإشارة فهذه “الخصال العشر” سنجدها متضمنة في جل كتاباته بمعان متكاملة حسب عنوان الكتاب وقضيته ورسالته، الشيء الذي يعطيها شموليها التامة لكل نواحي حياة الإنسان، بل وآخرته.

خاتمة:

لقد تميز بناء “المنهاج النبوي” لدى الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى بخصائص عديدة أقل ما يقال عنها إنها نابعة من رؤية تجديدية ثاقبة، جمعت بين الغايات والأهداف وأشارت إلى الوسائل والطرق في تقديم بسيط وهادئ و مرن، لم يغفل حق الله في عباده ولا حق العباد في الكسب و السعي.

وقد اعتبره: “السنة التطبيقية العملية النموذجية، التاريخية بعد البشرية المتجددة في الزمان والمكان باجتهاد أجيال الإيمان” 11


[1] أرضية المؤتمر العلمي الدولي في موضوع: مركزية القرآن الكريم في نظرية المنهاج النبوي عند الأستاذ عبد السلام ياسين، المنظم باستانبول يومي 1 و2 دجنبر/كانون الأول 2012م
[2] يوسف بربيط خصوصيات المنهاج ومنطلقاته التأصيلية (مدرسة الفقه المنهاجي).
[3] ياسين عبد السلام، الإسلام وتحدي الماركسية الليلينية، الطبعة 1 ص12.
[4] أحمد الزقاقي: الرؤية القرآنية للثورة وإعادة البناء من خلال كتابات الأستاذ عبد السلام ياسين، من كتاب مركزية القرآن في نظرية المنهاج النبوي، الجزء الأول.
[5] ياسين عبد السلام، كتاب العدل ص269.
[6] ياسين عبد السلام، مقدمات في المنهاج ص76.
[7] ياسين عبد السلام، المرجع نفسه ص75.
[8] ياسين عبد السلام، الإسلام غدا ص44.
[9] ياسين عبد السلام، المنهاج النبوي، الطبعة 3، ص59.
[10] ياسين عبد السلام، الإسلام غدا ص44.
[11] ياسين عبد السلام، كتاب العدل ص269.