إخواني! الدنيا دار الآفات، الإثمُ بقيَ والالتذاذُ فات، بينا نرى فيها الغصنَ خَضِرا متمايلا أصبح ذابلاً ذابلى 1.

ألا أَيُّهذا الذي قد غرَّهُ الأملُ ** ودون ما يأملُ التنغيصُ والأجلُ

ألا ترى إنما الدنيا وزينتُها ** كمنزل الركب حلوا ثُمَّتَ ارتحلوا

حتوفُها رَصَدٌ، وعيشُها نَكَدٌ ** وصفوُها كَدَرٌ، ومُلكُها خللُ

تظلُّ تُفْزِع بالرَّوْعَات ساكنَها ** فما يسوغُ له عيشٌ ولا جذلُ1

كأنه للمنايا والردى غَرَضٌ2 ** تظلُّ فيه سهام الدهر تَنْتَضِلُ3

والنفس هاربةٌ والموت يتبعُها ** وكلُّ عثرةِ رِجلٍ عندها جَلَلُ

والمرء يسعى بما يسعى لوارِثِه ** والقبرُ وارثُ ما يسعى له الرَّجُلُ

لقد أبصرتْ عيونُ الفِطَن في نهار المشيبِ سبيلَ الرحيلِ، وسمعتْ آذَانُ الفكرِ بقعقعةِ 2 الصُّلب 3 الصَّلب 4 أذان التحويل.

لله درُّ أقوامٍ بادروا أيامَهم، وحاذروا آثامهم، جعلوا الصومَ طعامهم، والصمتَ كلامهم، فالأبدانُ بين أهل الدنيا تسعى، والقلوبُ في رياض الملكوت تَرعى، قاموا لخوفِ القيامة بالأوامر، ووقفوا أنفسَهم على الخيرِ، ما توقفوا كالمؤامر 5. هجروا بالصيام لذيذَ الهوى في الهواجر، وصَمَتَ اللسان كأنه مقطوع في الحناجر بالخناجر، وجرى الدمع واصبا 6 حتى قد محا المحاجرَ.

متى تطرُقُ طريقَهم 7 قبل طروق الطوارق 8؟ هذا ذئب السِّقام قد عوى للعوائق، يا مَن أعماله فيما خلا رِيَا 9 للخلائق، كم داواك الطبيبُ؟ وكم رقى 10 بالرقائق؟ أين مَن ربا 11 في الربى، ونما بين النمارق 12، وأنذَرَهُم حادي الموتِ لما حدا من الحدائق، وأمال مستقيمَهم فالتوى، فهل من هذا التوى 13 أنت واثق؟

ويحك ! إن الدنيا سراب مخلَّف، فإن وُجد شرابٌ أعطشَ، ازدهت فدهت 14 على أنها تُذَمُّ وتُضَمُّ، كم عقَدت لمحبها عقد عهد، فلما حلّت عنده حلت 15، إنها لعجوز وهي في عينك كالقمر، وقد قمَرَ 16 هواها قلبَك، فما أبقى منه إلا قلبَ قمر 17.

للشريف الرضي 18:

شَرَتِ الفؤادَ رخيصةً أعلاقُهُ ** ومضى يَعَضُّ بَنَانَهُ المغبونَ 19

أَفْنَيْتَ عمرك في طلبها، وما حصل بيدك منها إلا ما حصل بيد قيس من ليلى.

صحا كلُّ عُذريِّ الغرام عن الهوى ** وأنت على حُكْمِ الصَّبابة نازلُ

الآخرةُ لك نقابَها، تَعَرَّ عن الدنيا تُعَزّ، وخُذ قَدرَ البُلْغَةِ 20 وجُزْ تَفُزْ.

إلى متى زِنْبِيل 21 حرصك على كاهل همتك، وأنتَ تسعى في مزابل طمَعك، تَحُشُّ 22 وقودَ الحُطام لنار هواك، وقد أقمتَ موقداً من الشَّرهِ لا يفترُ، أما علمتَ أنَّه كلّما تَرقَّى دخانُ أَتُونِ 23 الهوى في برابخِ 24 الحسِّ سوَّد وجهَ القلبِ.

أنتَ في جمع الحطامِ نظيرُ الزّبَّال، وفي فعل الخير غلامُ الحبَّال 25، عالم الهمم مختلف الأجناس، هذا الشفنين 26 لا يقربُ غير زوجته أبداً، فإنْ ماتت لم يتزوّج أبداً، وكذلك الأنثى والدجاجة مع أيِّ ديك كان.

كلامي يدور حول ستور سمعك، وموانعُ الهوى تحجبُه أن يصلَ إلى القلب، فلو قد وصل إلى القلبِ أثَّرَ.

عضتْ رجلاً حيةٌ، فلم يعلم أنها حية، فلم يتغير، فلما أُخْبِر أنها حية مات، لأنه حين أُخبر انفتحت مسامُّه، فوصل السمُّ إلى القلب.

يا أُطروشَ الهوى! صاحِبْ من يسمع. يا عميَّ البصيرة امشِ مع من يُبْصر، تشبّه بالصالحين تُعَدُّ في الجملة، هذا الطاووس يحبُّ البساتين، فهو يوافِقُ الأشجار، إذا أَلقت ورقها ألقى ريشه، فإذا اكتست اكتسى، لو سِرْتَ في حزب المتقين خطواتٍ، لعرفوا لك حقَّ الصحبةِ، يا مَنْ كَانَ لهم رفيقاً فأصبح لا يعرف لهم طريقا، اُطلبِ اليومَ أخبارهم، واتبع في السلوك آثارهم، فإن وقعت ببعضهم حملك إلى أرضهم.

للمصنِّف:

بي شغلٌ عن الرقاد شاغلُ ** مَنْ هَاجَه البرق بسفحٍ عاقلِ

يا صاحبي هذي رياحُ أرضهم ** قد أَخْبَرَت شمائلَ الشَّمائل

نسيمُهم سُحَيْرِيُّ الريح ما ** تشبه روائِحَ الأصائلِ

ما للصَّبا مولعةٌ بذي الصِّبا ** أو الصَّبا فوق الغرامِ القاتلِ

ما للهوى العذريِّ في ديارنا ** أين العَذِيبُ1 من قصور بابل

لا تطلبوا ثارا بنا يا قومنا ** دماؤنا في أذرع الرواحل

لله در العيش في ظلالهم ** وَلّى وكم أسار في المفاصل

واطربي إذا رأيتُ أرضهم ** هذا وفيها دَمِيَتْ مقاتلي

يا طُرةَ الشيحِ سُقِيت أدمعي ** ولا ابتليتِ في الهوى بما بُلي

ميلُك عن زهو وميلي عن أسا ** ما طرب المخمور مثل الثاكل 27

يا من قد كثر ترددهُ إلى المجلس، ولم تَزُلْ قسوةُ قلبه، لا تضجرْ فللدوام أثر، جالس البكائين يتعدَّ إليك حزنُهم، فتأثير الصحبة لا يخفى، أما ترى دُودَ البقل أخضر؟ يا من يشاهد ما يجري على الخائفين ولا ينزعج، أقلُّ الأقسام 28 أن يبكي رحمةً لهم، إذا رأيتَ الثكلى تتقلقل فلا بد من رحمةِ الجنس.

لمهيار 29:

ولما وقفنا بالديار تشابهت ** جسومٌ براهُنَّ البِلى وطلولُ

فباكٍ بداءٍ بين جنبيه عارفٌ ** وباكٍ بما جرَّ الفِراقُ جَهُولُ

كان العاصمي قتيلَ عشق الدنيا، فكُشِفَ له بالمُخَوِّفَات نقابُ المحبوبة فسلا، ثم جُلِيت عليه بالمشوقات محاسنُ الآخرة، فمال الجيدُ إلى الجِيد.

ألفيْتُها وللحمام تغريد ** برامَةٍ إن ذُكِرَت زَرودُ

ولاحَ برقٌ بثنيّات الحِمَى ** تُشِيمُه للأعينِ الرعودُ

فمالت الأعناقُ منها طرباً ** كما يُميلُ الناشدَ المنشودُ

هيهاتَ يَخْفي ما به متيّمٌ ** دموعُه بوَجْدِه شهودُ

أتدرون ما أوجبَ اصفرارَ هذا التائب؟ ومن أيِّ شرابٍ أسكرَ هذا الشارب؟ وأيَّ كتاب أَقْدَم هذا الغائب؟

كلما زاد كربُهُ ** في هوى من يحبُّه

طارَ نحو الحبيبِ مِنْ ** شِدةِ الشوق قلبُه

دَنِفٌ كاد ينقضي ** بيد البَيْن نحبُه

خبِّرونا عن العقيقِ ** متى سار ركبُه

من كتاب المدهش لأبي الفرج ابن الجوزي رحمه الله.


[1] بلى: فناء.
[2] القعقعة: حكاية صوت السلاح.
[3] الصُّلب: فقار الظهر.
[4] الصَّلب: الشديد القوي.
[5] المؤامر: المتردد المضطرب.
[6] واصبا: دائما.
[7] تطرُقُ طريقَهم: تسير سيرهم، وتقتدي بهم.
[8] طروق الطوارق: طروق المنايا.
[9] ريا: أي رياء.
[10] رقى: من الرقية.
[11] ربا: نما.
[12] النمارق: جمع نمرقة: الوسادة الصغيرة.
[13] التوى: الهلاك.
[14] دهت: أصابت.
[15] حلّت عنده حلت، حلت الأولى بمعنى: نزلت عنده، وحلت الثانية: نقضت العهد وذهبت.
[16] قمر: قمرت فلانة قلبه، أي شغفته حبا.
[17] قلب قمر: أي رمق، وهي البقية القليلة، وهذا مقلوب عن كلمة قمر.
[18] انظر الديوان 2/471.
[19] أعلاقه: جمع عِلْق؛ وهو الشيء النفيس.\
[20] البلغة: ما يتبلغ به من العيش.
[21] زنبيل: وعاء يصنع من الخوص يسع خمسة عشر صاعاً كالسلة والقفة.
[22] تحش: تجمع على النار وقودا.
[23] أتون: موقد.
[24] برابخ: جمع بربخ، وهو منفذ الماء ومجراه، والمقصود به الجوارح، لأنها منافذ القلب.
[25] غلام الحبال: كناية عن بطء الحركة وقلة النتاج.
[26] الشفنين: اليمام، ومفردها يمامة، وهي الحمامة الوحشية.
[27] 1- العذيب: واد في شمال المدينة.\
[28] الأقسام: الأنصبة.
[29] انظر ديوان شعره: 3/188-193.