يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه في فقرة “التربية الإحسانية والمعضلة الاقتصادية” من كتاب “حوار الماضي والمستقبل”، ص 227-228:

الزهدُ في الدنيا ومتاعها فضيلة إحسانية عالية، والقناعةُ بالقليل الكافي من مقومات المعاش حِكمةٌ إيمانية، وضرورة إنسانيةٌ تفْرض نفسها على ساكني المعمور يومَ ترتطم الرأسمالية الجامحة بجِدار محدوديةِ مواردِ البَرّ والبَحْر. تعلِّق الرأسمالية آمالها على مدَدِ البحار في القرن المقبلِ، وهي مجتهدة في تلويثه بصناعاتها الكيماوية وسمومها النووية لا تني. وما يفعل الله بعباده من قبضٍ وبَسْطٍ بلاءٌ لن تستطيعَ النجاح في امتحاناته الإنسانيةُ في القرون المقبلة بفلسفة جدلية كانت اقتصادياتها وتكنولوجياتها أشَدَّ على البَرّ والبحر من غريمتها. لا، ولن تستطيع الجاهلية الأخرى أن تجيب عن أسئلته.

تستحيل فضيلتا الزهدِ والقناعةِ علَّةً تشدُّ حركَةَ جوْدةِ الإنتاجِ وتُبْطِلُ دواعي حسن القسمة، وتُسْقط كلَّ معاني العدل الاجتماعي إن هما تجاوزتَا الخلُقَ الفرديَّ وبات كل الناس زُهّادا قانعين. ينكمش الاقتصاد في دروشة شلاَّء ضعيفةٍ هزيلَة عَزْلاءَ إن انقَلَبَ الإعراضُ، الإيمانيُّ الإحسانيُّ الفرديُّ المحمودُ، عن زُخْرُف الدنيا وزينتها إلى سلوكٍ اجتماعي.

تربية الجشع الغريزي والهلَع الإنساني المتأصِّل في البِنية النفسية والتطلعِ العقليِّ تنقلب ترديَةً إنْ لم يعمل المسلمون على إعداد القوة التي أمر الله بإعدادها. والقوةُ مادَّتُها وعضَلها وقِوامها اقتصادٌ قويٌّ في دنيا المنافسة العالمية المحمومة، دنيا السباق التكنولوجي، دنيا المسلمون خلّفهم في حواشيها وهوامشها ركْبُ التصنيع، وركب توطين العلوم، ورَكب تقويم نظام الحكم أوَّلَ شَيءٍ.

تربية الجشعِ والهلَع مطلَبٌ محورِيٌّ في الموضوع. وهي هي التربيةُ الإيمانية الإحسانيةُ الكفيلةُ وحْدَها -دون المذهبيات المستورَدَةِ، بل الزاحفَةِ المغيرَةِ- بلَمِّ شَعَثِ الأمة، ورَأْبِ صَدْعِ الطبقية المفرِّقةِ شَمْلَ المجتمعات المسلـمَةِ.

طالع أيضا  ذة. بلغازي تذكر بأسس مشروع جماعة العدل والإحسان سيرا على منهاج النبوة