استضافت قناة الشاهد الإلكترونية، في برنامج “لقاء خاص”، الأستاذ منير الجوري، عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، قصد بسط قراءته لسنة 2018 على مجموعة من المستويات؛ السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

خصصت منشطة البرنامج هاجر الكيلاني أول محاور اللقاء للمستوى السياسي، حيث أوضح الجوري أن أبرز “ما طبع المشهد السياسي خلال هذه السنة هو إسدال الستار على العرض السياسي الذي قدمه النظام المغربي إبان حراك 2011، طبعا اتضح في ما بعد أن العرض لم يكن إلا التفافا على المطالب الشعبية، وقد نبه إلى هذا الكثير من المتابعين والمحللين، وهو ما اتضح خلال هذه السنة بشكل كبير. الوضع السياسي في المغرب عاد ليبرز بشكل جلي بأنه يتمثل في نظام سلطوي يمارس استبداده على مختلف الواجهات؛ نرى هذا من خلال الاستفراد بالحكم وإضعاف موقع الحكومة، يؤكده ما حدث هذه السنة من إعفاء وزيرين من طرف الملك بعد أن أعفى أربعة وزراء خلال الموسم الماضي، دون أن يوضح للرأي العام سبب هذا الإعفاء ودون أن يترتب عنه أي محاسبة”.

وأضاف الفاعل السياسي مفصلا في الواجهات التي تبرز سلطوية النظام “هناك أيضا التدبير الدبلوماسي الذي تستفرد به المؤسسة الملكية، وأيضا الجانب التشريعي… هذا الضعف الذي تعاني منه الحكومة ويعاني منه البرلمان باعتبار هذين المؤسستين يمثلان الشعب، يظهر بأن هناك إضعاف لصوت الشعب ولممثليه مقابل وجود فئة قليلة من الفاعلين هم الذين يتحكمون في كل دواليب التسيير السياسي داخل البلاد”.

أما على المستوى القضائي، فقد أبرز الجوري أن “المحكمة الدستورية أقرت هذه السنة بشكل واضح بأن رئاسة النيابة العامة أصبحت تابعة للملك، لأنه هو الذي يعينها، وبالتالي أصبح هناك حديث عن نوع من الاستقلالية”.. ليستطرد موضحا “هي في الحقيقة استقلالية عن وزارة العدل لكن النيابة العامة أصبحت تابعة لفاعل آخر سياسي، وبالتالي فموضوع الاستقلالية هنا نضعه بين قوسين”.

وعلى المستوى الحقوقي، أقر الجوري بأن هناك نوعا من التردي الحقوقي تدل عليه “المحاكمات والمتابعات والقضايا التي يتم مقاربتها بشكل أمني”.

طالع أيضا  ذ. عبد المومني: يجب أن نؤسس جبهة واسعة لمواجهة المخزن

ليعيد التأكيد في ختام هذا المحور على أن “كل هذه المظاهر أكدت لنا بأننا نعيش حالة من السلطوية داخل البلاد”.

في محور ثان، تحدث الجوري عن نحي الخطابات الملكية نحو التملص من المسؤولية، والتبني الدائم لخطاب “الحكم لي والمسؤولية عليكم”، حيث أكد أن “كل خطاب سياسي تكون لديه استراتيجيته الخاصة في بناء صورة له لدى الرأي العام، والصورة التي تحاول السلطوية دائما بناءها هي أن تبعد المسؤولية عن نفسها وتحملها مسؤولين آخرين، ونعتقد أن هذا الخطاب هو دليل على محاولة اللعب في مربع المعارضة والتموقع إلى جانب الفئات الشعبية، لأنه لم يعد بإمكان أحد أن يعبر على أن هناك فشل في مختلف المجالات، وبالتالي فإن أي خطاب ضد خطاب الإعلان عن الفشل سيكون فيه نوع من التناقض بين ما يعيشه الناس وما يتابعونه في معيشهم اليومي وبين خطاب آخر، وهذا ربما سيخلق نوعا من التباعد بين نظام سياسي يريد أن يكون دائما قريبا من الشعب.. أعتقد أن النظام ينهج في هذا أساليب كثيرة، تتجاوز ما يرد في الخطابات الملكية، فهناك احتكار الإعلام العمومي واستفراده بنوع من الخطاب كله رسمي يرسخ هذه الفكرة لدى فئات عريضة من الناس، ولا نجد الرأي الآخر، حيث يتم حرمان المعارضة من الاستفادة من حقها في الإعلام العمومي. هناك أيضا احتكار الدين كوسيلة من وسائل تثبيت مثل هذه الآراء، رأينا كيف يتم توظيف خطب الجمعة وعزل أئمة.. كل هذه الوسائل تصب في إطار حديث عن دعاية و”بروباكندا” لبناء صورة، يتم اعتماد أكثر من آلية لتحقيق ذلك”.

بشأن المجال الاقتصادي، وإقرار أعلى سلطة هذه السنة بفشل النموذج التنموي، كشف عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان أن “فشل النموذج التنموي كان متوقعا بالنظر إلى أن هذا النموذج بني على منطق الريع الاقتصادي الذي كان محميا من طرف السلطة السياسية، وبالتالي أي نموذج بني على مثل هذه الأسس لا يمكن إلا أن يفشل لأن نتائجه وكوارثه محققة لا محالة، هذا الدعم الذي تحظى به شركات كبرى داخل البلاد، وهذا التمييز الذي يفسد التنافسية الاقتصادية ويؤثر على الاستثمار العمومي بالتأكيد هو أحد الأسس التي تبني لفشل محقق”. ولتأكيد رأيه ساق مثال المقاطعة الاقتصادية التي عرفتها السنة المنصرمة (2018) قائلا: “نعتقد بأن هذا التجاوب الذي عرفه المجتمع المغربي مع هذا الوضع من خلال المقاطعة الاقتصادية دليل قاطع على أن الشعب أصبح يعي مداخل المشاكل التي يعيشها الوضع الاقتصادي في بلادنا، مقاطعة لشركات كبرى وتعاطي الدولة مع هذه المقاطعة يرسخ طبيعة النموذج الاقتصادي الذي تتبناه الدولة، حيث كان هناك نوع من اللامبالاة، وعندما تدخلت الحكومة في الوضع كان تدخلها فيه نوع من الاصطفاف إلى جانب الشركات ودعمها، رغم أنه اتضح ارتكازها على الكثير من الامتيازات التي تخوَّل لها، مع إبعاد تام لاستحضار الأبعاد الاجتماعية والمجالية والتراجع في القوة الشرائية للمواطن وارتفاع الأسعار وغيرها من الأمور التي يكتوي بها المواطن، فاختارت الحكومة أن تقدم للشركات نوعا من الدعم السياسي الذي يبرز أن  النموذج الاقتصادي في المغرب تؤطره خلفيات سياسية وجهات تقدم له الدعم وتساعد على استمراره”.

طالع أيضا  برنامج "أسرار تحت الأرض.. الأقصى في خطر" يكشف خطورة حفريات الاحتلال

ولتجاوز هذا الفشل أكد الجوري “أن أي مبادرة لبناء نموذج تنموي جديد ينبغي أن تنطلق من فصل الثروة عن السياسة أو فصل الثروة عن السلطة، لأن هذا الجمع بينهما هو الذي يؤدي دائما إلى الكوارث، هذا الفصل سيخلق بشكل مباشر نوعا من التنافسية الحقيقية الحرة، وهذه التنافسية هي التي تبني دينامية اقتصادية حقيقية، لذلك فإن لم يكن هناك هذه المبادرة إلى اتخاذ قرارات من هذا النوع، والتي تستحضر أيضا البعد الاجتماعي في أي قرار اقتصادي.. فأعتقد أننا سنبني نموذجا شبيها بالذي وسم بالفشل”، معلنا أن مدخل “هذا الانتقال سياسي؛ فلا يمكن أن نتحدث عن تنمية في غياب ديمقراطية، فقرار الفصل بين السلطة والثروة قرار سياسي، وقرار الانتباه لما هو اجتماعي وأخذه بعين الاعتبار السياسات العمومية قرار سياسي، وبالتالي فأعتقد بأنه لابد من مدخل سياسي هو الذي يمكن أن يؤطر أي نموذج تنموي جديد”.

وبخصوص المجال الاجتماعي؛ فالتردي الذي يعرفه “تعبر عنه الأصوات الشعبية بشكل مستمر في احتجاجات مجالية وفئوية طبعت سنة 2018 بشكل واضح وكبير” يقول الجوري، ويضيف مفصلا “وأعتقد أنه نتيجة حتمية، فعندما نتحدث عن سلطوية سياسية وعن فشل اقتصادي فبالضرورة لا يمكن إلا أن نكون أمام تردٍّ اجتماعي يكتوي بناره كل مواطن ومواطنة. وهو تردي نجد له الكثير من التجليات لعل من أهمها الصحة والتعليم.. في التعليم مثلا، ونحن نتحدث عن قطاع حيوي يؤطر أكثر من 10 ملايين من ساكنة المغرب لكن تعاطي الدولة مع هذا القطاع لا تزال تطبعه الكثير من الارتجالية والتردد والفشل المتراكم الذي يسحب الثقة في أي تغيير ممكن، بما في ذلك الرؤية الاستراتيجية المطروحة، حيث الموارد البشرية التي يفترض فيها أن تحمل هذه الرؤية وتنخرط في تنزيلها وتحقيقها نجد أنها تخوض إضرابات بالجملة: المدرسين، أساتذة التعاقد، المفتشين، أطر التوجيه، المديرين، الحراس العامين.. كلهم يخوضون احتجاجات لأنهم يحملون مطالب. فأنا أتساءل كيف يمكن لوزارة أن تعتزم تنزيل رؤية بحجم كبير وضخم ولها رهانات كبيرة في حين أنها تتعامل مع أطرها ومع مواردها البشرية ومع عاملها الحاسم في إنجاح هذه الرؤية بهذه الطريقة وبهذا الأسلوب، وهذا للأسف دليل على أن ما نراه في المستقبل لا يبشر بالخير”.

طالع أيضا  أطلقوا سراح المعتقلين.. ربورتاج شامل لمسيرة الأحد 15 يوليوز

وحول نتائج هذا التردي في المجال الاجتماعي، قال الجوري إنه “يولد الكثير من المظاهر الأخرى؛ الفقر والهشاشة والبطالة المنتشرة بشكل كبير في أوساط الشباب، وهذا أظهر الكثير من التجليات حيث حج آلاف الشباب إلى المدن الشمالية بحثا عن الهجرة إلى جنة مفقودة ولم يؤخذوا بعين الاعتبار المخاطر التي تحفهم، أو ما حدث مؤخرا من تنامي الجريمة؛ مقتل سائحتين في منطقة إمليل وشابة أخرى في منطقة إفران.. كل هذا لا يمكن أن تكون أسبابه إلا هذا التردي الاجتماعي”.