نظمت الهيئة الوطنية للثقافة والفنون التابعة للدائرة السياسة لجماعة العدل والإحسان، يوم الأحد 30 دجنبر 2018 بمدينة سلا، ندوة فكرية بعنوان: “الثقافة والفنون بين أسئلة التصور وإكراهات الممارسة”. ترأس إدارتها لهذه السنة الأستاذ سعيد مولاي التاج، وشارك فيها أساتذةٌ باحثون، وفاعلون مختصون، هم: الأستاذ لحسن شعيب، والدكتور مصطفى شكري، والأستاذ نورالدين الملاخ، والأستاذ عبد الرحيم مشروحي، ونسّق مجمل فقرات فعالياتها الأستاذة إيمان زاكور.

وبعد افتتاح فعاليات الندوة بتلاوة قرآنية شجيّة، ألقى الأستاذ عبد القادر الدحمني، منسق الهيئة الوطنية للثقافة والفنون بجماعة العدل والإحسان كلمة ترحيبية مبيّنا سياق الندوة السنوية التي توافق شهر دجنبر من كل سنة، إحياء لذكرى رحيل الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، واستلهاما لروحه ومنهاجه، ثمّ بسط الفلسفة العامة للندوة ودورها في تحيين الأسئلة وتوسيع الأفق وتحقيق التراكم المرجوّ في تأثيل المرجعية التصورية الناظمة للفعل الثقافي والفني وإخراج المشروع الثقافي إلى الوجود، وبعدها عرضت مسيرة الندوة الأستاذة هاجر كيلاني الإطار العام للندوة، وأشارت في كلمتها الافتتاحية، إلى دأب الهيئة الوطنية للثقافة والفنون على تنظيم فعاليات فكرية، وثقافية، وفنية دورية وسنوية، تدعو المثقفين والفنانين والمهتمين والفاعلين إلى مائدة الحوار والمناقشة، وبسط وجهات النظر في موضوع دقيق هو الثقافة والفن، بما يحمله من أبعاد حضارية ووطنية، واستراتيجية بنائية. 

استُهِلَّتْ الندوة بمداخلة للأستاذ الباحث لحسن شعيب، بعنوان “الثقافة من التوصيف إلى التوظيف”، وخلالها أثار أسئلة جوهرية منها ما الثقافة؟ وما مكوناتها؟ وما وظائفها؟ وماذا يَقْصِد -في مداخلته- بمصطلح التوظيف؟ وكيف تُوظَّفُ الثقافةُ إيجابا وسَلبا؟ ومقاربةً لهذه الأسئلة، أشار الباحث إلى أن الثقافة هي جزءٌ من كيان المجتمع، وأداةٌ من أدوات التدافع والهيمنة أحيانا. كما أنها قد تكون في أصلها منتوجا فطريا سليما، لكن الأيادي الخفية قد تعبث فيه، وتستثمره لغايات قد لا تكون حميدة. وأن الخروج بالثقافة عن غير ما وُضعت له هو ما يمكن أن نسميه -يقول ذ. شعيب- توظيفا، مضيفا أنه حين نتحدث عن التوظيف، فإنه غالبا ما يكون سياسيا: تطويعا وتركيعا وتمييعا، وتلميعا أيضا، ك”الهرّ يحكي انتفاخاً صَوْلةَ الأسد”.

طالع أيضا  انطلاق ندوة "تنامي الحراك الاجتماعي ومساهمته في الانتقال الديمقراطي" التي تنظمها العدل والإحسان بالجديدة

أما الباحث الدكتور مصطفى شكري فقد ألمع -بعد إشارته إلى أهمية الثقافة في حياة الإنسان والشعوب- في مداخلةٍ عنوانها “السياسة الثقافية بين التصور والتدبير: المغرب نموذجا”، إلى الحاجة إلى مواجهة معمعان التمييع والإسفاف بالأذواق والعقول في إطار مشروع ثقافي وفني مسؤول. وفي سياق ذلك أيضا، أشار إلى ضرورة فتح نقاش حول السياسة الثقافية، ومصادرها، وكيفية تشكيل ملامحها. ليعرج بعد ذلك، على مفهومها بما هي خططٌ وأفعالٌ وممارسات تهدف إلى سد الحاجات الثقافية لبلد أو مجتمع ما. كاشفا على هذا الضوء عن أهم الاختلالات التي يعرفها المشهد الثقافي المغربي تصورا وتدبيرا، متسائلا، بنظرة نقدية، عن صعوبة الحديث عن وجود سياسة ثقافية بالمغرب، كما هو متعارف عليه في علم الاجتماع السياسي، ومتعاهدٌ عليه في الأنظمة المتطورة؟

وفي محور ثالث انطلق الأستاذ الباحث نور الدين الملاخ في مداخلةٍ بعنوان “نحو نواظم منهاجية لعملنا الثقافي والفني” مما سماها مسلَّمةً منهاجية فحواها أنه “لا يفيد برنامجُ مؤسسة، تضع أسئلة الحال، وهي سائرة مع المد العالمي الهائم الجارف”، واضعا في أثناء تدخله أسئلة هي من صميم البحث في الإشكال الثقافي الفني، من قبيل التساؤل عن كيفية اكتساب صلابة الإيمان، وتهييئ الناشئة للوعي بمأساة البشرية الشاردة. وكيف يصبح منادي الإيمان، عند النشء، أقوى من ضجيج هوس العالم؟ وكيف ننهض لإنتاج ثقافةٍ جامعة، وفنٍّ هادف؟ ليؤكّد في سياق مقاربته لهذه الأسئلة على أن النواظم المنهاجية لعملنا الثقافي والفني، هي نسيج واصل بين أعضاء جسم متعدد الوظائف ومتناسق الأدوار، ومذكرا في ختام كلمته بحاجة عملنا الثقافي والفني، إلى خيط ناظم يرتبط فيه المبتدأ بالخبر، والغاية بالمنطلق، في أفقٍ من معالمه أن يصبح هذا العمل فضاءً معقما من التفاهات. 

طالع أيضا  منظومة التربية عند الإمام ياسين: قومة فرد وأمة

 

وفي ورقة رابعة بعنوان “معالم ومرتكزات في فعلنا الثقافي” أشار الأستاذ عبد الرحيم مشروحي إلى أن أهم التحديات والإشكالات التي تواجهنا تقع وتُحسم في الحقل الثقافي. وأن التحدي اليوم وغدا، يتمثل في مكون التأهيل بوضع حدود علمية وعملية إجرائية وفلسفية، تتبنى المراكمة والاستمرارية، عوض القطع مع الماضي العلمي والعملي لجيل المؤسسين في المجال. وفي سياق مداخلته أيضا، أشار مشروحي إلى أنه على الرغم من ضبابية مفردة الثقافة وغموضها، وتنوعها المفهومي، إلا أن ذلك لا ينبغي أن يكون عائقا في طريق توحيد مطلبنا الأساسي من الثقافة والمثقفين. ليختم مداخلته بمحددات توضح -بتعبيره- بشكل منهجي وواضح ما نتشوّف إليه من تطلعات لبناء المشترك، وفق رؤية منهاجية متجددة متفائلة بيقينٍ في موعود الله، وتمكينه للمستضعفين في الأرض.

وفي الأخير، أثارت هذه الندوة في فترتي المناقشة والردود، استفساراتٍ وتساؤلات وأفكارا حول قضايا “الثقافة والفنون”، اتصلت بمصطلح الثقافة بين التأصيل والتحديث، وموقع الثقافات الفرعية والثانوية أو الخاصة والمضادة من الموضوع. فضلا عن تحديات تدبير الشأن الثقافي، وإكراهات الممارسة الثقافية الميدانية، في واقع يتسم بسيطرة الثقافات الغالبة والمهيمنة إسفافا، واحتواءً، وتمييعا، للمشهد الثقافي، وقيمه، وعناصره، ومكوناته.

وقد عرفت فعاليات الندوة تكريم الأستاذ مصطفى شقرون، خبير التسيير والتدبير المالي، ومعد ومخرج لوثائقيات في مقارنة المعتقدات “بساطة الحق” (The truth is simple)”، ومعد لبرامج تلفزية أخرى أهمها “كتب قيمة” و”فقه الريادة” و “علوم أساطير”، نظرا لجهوده القيمة في مجال الإبداع والتواصل الفكري الحضاري.

كما تمّ الإعلان عن انطلاق جائزة الإمام عبد السلام ياسين للإبداع، وعرض الدكتور عبد الغني العجّان، مدير الجائزة، أهدافها العامة، وخصوصياتها، مفصحا عن مجالات المشاركة لهذه السنة، والتي همّت مجالات: الشعر والقصة والرواية، واعدا بأن تكون الجائزة محطة تنافسية فاعلة في تطوير الإبداع وصقل المواهب وتشجيع الكتاب والفنانين، والارتقاء بالمنتوج الفني والثقافي.

طالع أيضا  أين تفرد المشروع التربوي التغييري للإمام عبد السلام ياسين؟

وقد تميّزت الندوة بحضور عدد من مسؤولي المؤسسات المركزية للجماعة، على رأسهم فضيلة الأمين العام للجماعة الأستاذ محمد عبّادي، كما حضر عن الأمانة العامة للدائرة السياسية كل من الأستاذة أمان جرعود مسؤولة القطاع النسائي بالجماعة، والأستاذ منير الجوري، والذي ألقى بالمناسبة كلمة باسم الأمانة العامة، بيّن فيها حجم الرهانات المنتظرة من هيئة الثقافة والفنون، وخصوصيات واجهات عملها. وبعدها، كان الحضور على موعد مع مشاركة زجلية ألقاها الزجّال خالد الضاوي، ثم قصيدة شعرية ألقاها الأستاذ الحسن شعيب، قبل أن يشنّف أسماعَ الحاضرين، الفنّان الحبيب السلاسي بقطعة موسيقية صاحب فيها عزفَه صوت شجيٌّ تغنّى بالجمال النبوي الشريف وهدايته الراشدة.

وفي الختام، ألقى فضيلة الأستاذ محمد عبّادي كلمة ثمّن فيها تنظيم الندوة، ودعا إلى تكثيف العمل على هذه الواجهة، مبيّنا أن الأمر يحتاج رجالا ونساءً واعين برسالة الفن السّامية، التي يجب أن ترقى إلى مخاطبة روح الإنسان عوض أهوائه وغرائزه الهابطة، مؤكدا أن أهل الفنّ هم أقرب النّاس إلى الله تعالى، لشفافيتهم، واستعدادهم للخطاب الروحي أكثر من غيرهم، ما ارتقوا بمواجيدهم وأشواقهم، إلى طلب الكمال، والفوز بمعرفة الله تعالى، فالفنون جميلة في حد ذاتها ولا تحتاج إلى وصف إضافي يبيّن خاصيتها، والفن الحق ما ارتقى بالناس إلى “سماع الكُمّل”، وكان مطيّة ليكتشف الإنسان نفسه وخالقه، ويرجع إلى فطرته ويسمو إلى ذرى القرآن، إذ هو التجلّي الأبدع للجمال الكامل، والفن الكامل، وما حاكاه شكلا ومضمونا، لا بد أن يكون أقرب إلى الرشد وإلى الإحسان.

وفي الختام، رُفعت أكفّ الدعاء بتجديد الرحمة على صاحب الذكرى الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله ورفع مقامه.