وفاء لسنتها التي دأبت عليها منذ رحيل الإمام المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى، نظمت جماعة العدل والإحسان، يوم السبت 21 ربيع الثاني 1440 الموافق لـ29 دجنبر 2018، ندوة حوارية سياسية بمدينة الجديدة بمناسبة ذكرى رحيل الإمام السادسة، استدعت لها لفيفا من الفاعلين السياسيين والحقوقيين والمدنيين والنقابيين، خطوة تهدف منها الجماعة لم شمل مكونات المجتمع بهدف التعارف المباشر، وتبادل الآراء والخبرات، والبحث عن مساحات مشتركة للتعاون والعمل المشترك، وبناء جبهة مجتمعية قوية تدافع الفساد والاستبداد وتنشد الحرية والعدل والكرامة…

أدار الندوة، التي اتخذ لها عنوان “تنامي الحراك الاجتماعي ومساهمته في الانتقال الديمقراطي”، الأستاذ أحمد الكتاني، وشارك فيها كل من الأساتذة فؤاد عبد المومني وأحمد بوعشرين الأنصاري وحسن بناجح وخالد البكاري.

شكر الأستاذ محمد الصادق، القيادي في جماعة العدل والإحسان بالجديدة، في كلمته الافتتاحية، جميع من لبى الدعوة وشارك في الندوة، مذكرا بجعل الجماعة من مناسبة ذكرى رحيل الإمام “صلة وفاء نحيي فيها أواصر المحبة التي علمنا إياها قيد حياته وبثّ روحها ومعانيها فيما خلَّفه من إرث عظيم تنتفع به الأمة حالا ومستقبلا”، الأمر الذي آمن به الإمام المرشد ودعا إليه قيد حياته، فهو ظل “مؤمنا بالحوار، وخاطب كل الفضلاء وذوي المروءات خطابا هادئا هادفا، بحثا عن مساحات مشتركة، لأن تركة الاستبداد وحجم التضحيات المنتظرة لا يمكن أن يتصدى لها شخص أو حزب أو منظمة بمفرده مهما بلغ من قوة”. ليعيد التأكيد على حرص أبناء جماعة العدل والإحسان على التواصل والتعاون مع جميع العاملين الفضلاء، قائلا: “إننا اليوم وقبل اليوم وبعده نمد أيدينا ونفتح قلوبنا لكل شرفاء وفضلاء هذا الوطن الجريح من أجل تحقيق العدل والحرية والكرامة”.

في مداخلته، ساءل الدكتور خالد البكاري، الناشط السياسي والحقوقي، مفهوم الانتقال الديمقراطي ضمن السياق الدولي الحديث بما فيه التجربة الأوربية وتجربة جنوب إفريقيا والربيع العربي، حيث دحضت الأحداث التاريخية “اعتبار الأنظمة عصية على التغيير”، مؤكدا أن حراك 2011 وما بعده قد أثبت أن مطالب الحركات الاجتماعية لم يعد “خبزيا” فقط ولكنه ينشد “الكرامة”. وشدد على أن النظام المغربي لا يتيح الانتقال نحو الديمقراطية نظرا لواقع الاستبداد وتراكم السلطة في يد المخزن وهي سلطة فوق الدستور، لأنه يهدد صلاحياته ووجوده، فهو نظام سلطوي حيث “ليس هناك تناوب وليس هناك تداول سلمي على السلطة”. وعدد بكاري جملة من السمات التي تميز الحراكات الاجتماعية، أولها: غياب التنظيم، وثانيها: رفع هدف تغييري دون تفكير في الوصول إلى السلطة، وثالثها: حضور نسوي قوي، ورابعها: ضعف انخراط التنظيمات السياسية في الحركات الاجتماعية لأسباب مختلفة.

طالع أيضا  د. البكاري يستعرض تجارب الانتقال المقارنة ويحدد سمات الحركات الاحتجاجية المغربية

الحقوقي الأستاذ فؤاد عبد المومني أثنى، في مداخلته، على أهمية مثل هذه الندوات لتجسير الهوة بين الفرقاء، مؤكدا أن الحراكات التي يعرفها المغرب الآن “يغلب عليها الطابع القطاعي والفئوي، وقد كان لها دور كبير في رفع منسوب الوعي السياسي، وهو ما يقتضي من الهيئات السياسية إعطاءه معنى”، واعتبر أن الحراك الاجتماعي يلزمه “تأسيس لمناخ يضمن حرية التنافس بين مختلف الفرقاء”، داعيا إلى “الخروج من خطاب الإدانة إلى خطاب البناء خاصة وأن الانتظارات المجتمعية في تزايد مطرد”. وكاشفا أن العهد الجديد “الذي بنيت عليه آمال كثيرة عاد بسرعة لطبيعته المخزنية وأبدى شراسة أكثر في المزاوجة بين الثروة والسلطة مع انحباس سياسي أفظع”، وهو ما يستدعي “ضرورة التسريع بطرح بديل قوي” يكتسب القدرة على الإقناع والتطبيق، “ما دمنا قد حققنا الخطوة الأهم، وهي الانتصار في معركة نضج المجتمع ومنع استمرار القدسية والهالة المزيفة للنظام الحاكم”.

الدكتور أحمد بوعشرين الأنصاري أوضح، في مداخلته، أن الحراكات الاجتماعية الفئوية التي يعرفها المغرب منذ سنة 2011 “تفتل في حبل استمرار نَفَس 20 فبراير وتحطيم جدار الخوف مع استمرار المكاسب النضالية الجوهرية من أجل تحرر الشارع”، وأن هذه الحراكات كان لها “دور كبير جدا في إثارة القضايا وترتيب الأولويات أكبر مما تقوم به المؤسسات الرسمية للدولة”. واستدعى عينات لتجارب ناجحة في الانتقال الديمقراطي قسمها إلى صنفين؛ أحدهما تجارب نحت منحى إحداث تغيير في النظام القائم، والآخر نحى منحى تغيير النظام، ليستخلص منها مجموعة من الدروس؛ أبرزها أن “الحراك الشعبي لا يمكن نجاحه بدون دعم سياسي واضح من القوى التي لها مصلحة في التغيير”، مع حتمية التكتل بين هذه القوى “لتشكيل معارضة قوية مخاطبة للنظام”، مشدّدا ألّا بديل عن “تغيير سلمي نابذ للعنف، والتفكير في بديل يجيب عن الأسئلة العالقة تفاديا لأي سيناريو قد يكون مرعبا وتفاديا لأي تناقضات”. ويخلص في ختام مداخلته إلى “أهمية تبني نظرة سياسية شاملة في الحراكات الاجتماعية، وكذا الضرورة الوجودية بين مختلف الفرقاء”، والحاجة  إلى هيئة وطنية للوساطة من أجل التقارب بين القوى الممانعة تضم رموز وفضلاء”، وضرورة يفتح نقاش حول قضايا بعينها وإزالة مناطق الغموض في وجهة نظر كل ذي رأي ومشروع؛ كالنظام الدستوري والسياسي المنشودين، والحريات الفردية والعامة، والديمقراطية الداخلية في اتجاه تحويل الشأن الداخلي ليصبح شأنا عاما، وكذا مسار الإصلاح المنشود داخل النسق أم من خارجه”.

طالع أيضا  ذ. عبد المومني: الحراك الاجتماعي له دور كبير في رفع منسوب الوعي السياسي

آخر مداخلة، قسمها الأستاذ حسن بناجح عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية للعدل والإحسان،  إلى خمسة محاور؛ استهلها بـ”خلاصات حول الحراك الاجتماعي“، أجمعها في النقط التالية: من مخرجات الحراك أنه أثبت نهاية نظرية سادت لمدة وهي “موت الرهان على المجتمع”، وأكد أن الحراك فرض “مراجعة دور المجتمع المدني”، وكسر أطروحة تاريخية للمخزن تتلخص في “التنمية مقابل استدامة الاستبداد”، وأبطل مفعول “مقولة كان يرتكز عليها المخزن (الملك زوين واللي دايرين بيه هوما اللي خايبين)، إذ لاحظنا منذ حراك 20 فبراير أن الأصبع أصبح يوجه لمن له السلطة الحقيقية وهو الملك”، كما فضح “رشوة 2011 المتمثلة في الدستور والحكومة وما سمي بإصلاحات”. وأبرز في المحور الثاني “أفق الحراك”، أن الحراك المغربي منذ 2011 مر من موجتين، الأولى مع 20 فبراير التي كان أهم إنجازاتها “تكسير حاجز الخوف للخروج للاحتجاج لرفع مطالب مشروعة، وبنيت عليه الموجة الثانية من الحراك التي أخذت البعد الفئوي والجغرافي، وعززت المخرجات والإيجابيات وهي تمهد لما سيأتي من الموجات التي ستحسم مع الفساد والاستبداد “، ونبه في هذا السياق إلى أنه “لا يضغطنا سؤال الزمن أو الاستعجال، لأننا بصدد حركة تغييرية اجتماعية عميقة يلزمها عمل من أجل أن تنضج شروطها لتحقق كل ما يرجى منها وما تعد به”. وعدد بناجح في المحور الثالث  “منطلقات الانتقال”، في “إنتاج نظام حكم جديد بديل لحكم الاستبداد”، موضحا أن “صفة النظام لا تحميه بل ما يحميه هو مضمونه الذي ينبغي أن يكون ديموقراطيا“، ثم ضرورة “وضوح الأفق الذي ينبغي أن ننتقل إليه، والتركيز على مضامين الدولة التي نسعى إليها”. واقترح في محور “ضمانات الانتقال”، “تغليب التضحية على المكاسب، والوعي بحساسية المرحلة الانتقالية، والاشتغال بأدوات تدبير المرحلة الانتقالية، والقطع مع مُركّب الاستبداد، وعدم رهن التعاون والتنسيق والتآلف والالتقاء الموضوعي والميداني باستعجالية الجواب عن القضايا ذات الطبيعة الإيديولوجية والفكرية”. ليختم بمحور “الخيارات”، فـ”إما أن ينتقل النظام  بنفسه إلى الديمقراطية وأنا استبعدها وغير مقتنع بها في غياب الشروط، أو أن تتنازل السلطة عن بعض صلاحياتها، أو الثورة العنيفة التي تسيل الدماء وتجيء بأنظمة فاسدة أكثر من السابقة، أو الحروب الأهلية أعاذنا الله وإياكم من شرورها، أو انقلاب عسكري وهو شر مستطر ولا ينبغي أن يكون في وارد فكر أي أحد، أو حراك اجتماعي بمطالب اجتماعية وهو ما نحن بصدده“ يقول بناجح.

طالع أيضا  القضية الأمازيغية والتحولات المجتمعية.. ندوة تجمع لفيفا من الفاعلين في ضيافة العدل والإحسان بخنيفرة