بعد شكره للعدل والإحسان على الدعوة وعلى هذا التقليد السنوي منذ وفاة الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، بالحرص على “جعل الذكرى مناسبة لمد اليد للحوار مع كل المعنيين بالتغيير”، داعيا إياها “ألا تيأس أو تتوقف عن هذه المبادرة المهمة”؛ تحدث الدكتور أحمد بوعشرين الأنصاري في مداخلته عن الحراكات الاجتماعية الفئوية التي عرفها المغرب منذ سنة 2011 وتنوعها بين الفئوي والمجالي، وبين السياسي والحقوقي، وكلها “تفتل في حبل استمرار نَفَس 20 فبراير وتحطيم جدار الخوف مع استمرار المكاسب النضالية الجوهرية من أجل تحرر الشارع”.

وأبرز الأنصاري، في ندوة “تنامي الحراك الاجتماعي ومساهمته في الانتقال الديمقراطي” التي نظمتها الجماعة بمدينة الجديدة اليوم السبت، أن قوة هذه الحراكات كان لها “دور كبير جدا في إثارة القضايا وترتيب الأولويات أكبر مما تقوم به المؤسسات الرسمية للدولة”، وطرح في الآن نفسه أسئلة اعتبرها نقدية لآفاق هذه الحراكات و“قدرتها على الإسهام في تحقيق التغيير وتشكيل تحول ديموقراطي في علاقتها بكل الفاعلين والمعنيين دون تشتت، مع الاستفادة من كل التجارب في بقية البلدان التي عرفت تجارب مماثلة”.

وتحدث عن عينات لتجارب ناجحة في الانتقال الديمقراطي في صنفين؛ أحدها تجارب نحت منحى إحداث تغيير في النظام القائم كما الحال في إسبانيا مع الحراك وقابلية القوى السياسية للتجاوب مع مبادرة الملك، والأرجنتين من خلال مبادرة العسكر لتسليم السلطة سنة 1985، وجنوب إفريقيا من خلال التوافق ونبذ العنف في التغيير، والصنف الآخر نحى منحى تغيير النظام كما وقع في الشيلي من خلال تحالف 1997 ضد نظام بينوشي، وتونس بعد ثورة الياسمين واستثمار النقاش السابق لما قبل الثورة، وأندونيسيا من خلال استقالة الرئيس بعد حراك طلابي والتحول سنة 1999.

وخلص الفاعل السياسي إلى دروس من هذه التجارب التي تحدث عنها؛ أبرزها أن “الحراك الشعبي لا يمكن نجاحه بدون دعم سياسي واضح من القوى التي لها مصلحة في التغيير”، مع حتمية التكتل بين هذه القوى “لتشكيل معارضة قوية مخاطبة للنظام، إلا إذا جاءت مبادرة الإصلاح الذاتية للنظام تشترط إرادة سياسية واضحة لتحقيق الإصلاح، مشدّدا ألّا بديل عن تغيير سلمي نابذ للعنف، والتفكير في بديل يجيب عن الأسئلة العالقة تفاديا لأي سيناريو قد يكون مرعبا وتفاديا لأي تناقضات”.

عضو اللجنة التحضيرية لحزب الأمة تحدث أيضا عن دور القوى المعنية بالإصلاح المنشود في المغرب، واصفا وضعها بـ“المتشتت والمتناثر”، والتي يمنع “وضعها النرجسي من أي تقارب”، مع أخذها “لوضعية الدفاع بدل الهجوم، واكتفائها بالتضامن بدل الانخراط الفعلي، خصوصا بعد الوضع المتأزم في البلاد على كل المستويات، الاجتماعية والسياسية والحقوقية والتنموية، في ظل نظام هجين يميل إلى الأنظمة التسلطية”.

وختم بوعشرين مداخلته بخلاصات تقويمية أكد من خلالها “أهمية تبني نظرة سياسية شاملة في الحراكات الاجتماعية، وكذا الضرورة الوجودية بين مختلف الفرقاء”، وأضاف أننا “بحاجة إلى هيئة وطنية للوساطة من أجل التقارب بين القوى الممانعة تضم رموز وفضلاء”، كما أصبح من الضروري في نظره أن “يفتح النقاش حول قضايا بعينها وإزالة مناطق الغموض في وجهة نظر كل ذي رأي ومشروع؛ كالنظام الدستوري والسياسي المنشودين، والحريات الفردية والعامة، والديمقراطية الداخلية في اتجاه تحويل الشأن الداخلي ليصبح شأنا عاما، وكذا مسار الإصلاح المنشود داخل النسق أم من خارجه”.