أجرى موقع الجماعة.نت حوارا مع الكاتب الفلسطيني الدكتور مجدي محمد قويدر  حول كتابه الجديد “التغيير الاجتماعي عند الإمام عبد السلام ياسين”، تناول جملة من القضايا التي أثارها الكاتب في مؤلفه، استكناها للمنطلقات والأسس التي بنى عليها الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى مشروعه، وصياغة لهذا المشروع في منهاج مكتوب، كما تطرق إلى وسائل التغيير الاجتماعي واستراتيجياته، وغيرها من المحاور، تتعرفون عليها من خلال الحوار الآتي:

جاء في مقدمة الكتاب أن الإمام عبد السلام ياسين “خبر من فقه سنة التغيير في الأنفس والمجتمعات، وأدرك سرها، وسبر أغوارها، فأسس مشروعه التغييري منطلقا منها، حيث ركز على التغيير الجوهري للإنسان الفرد بوصفه أساس عملية التغيير، وصانع التغيير، وما المجتمع إلا السقف العلوي لهذا المجتمع، وأحاط مشروع الإمام التغييري الإنسان من جميع جوانبه العقدية، والفكرية، والسلوكية، والاجتماعية، والسياسية وغيرها، مما جعل نظريته للتغيير تتميز بالشمولية وتجمع بين الأصالة والمعاصرة برؤية تجديدية جامعة بين الغايتين الإحسانية والاستخلافية”. أولا: ما الذي دفعك إلى تقرير جملة الأحكام السابقة، وعلى أي شيء استندت في ذلك؟ وإلى أي درجة أحاط المشروع التغييري بما ذكرت؟

إن المراجع للموروث الفكري للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله يقف عند حقيقة مفادها أن الإمام ياسين بنى مشروعه التغييري على أساس من السنن الربانية في الأنفس والمجتمعات، هذا ما دفعنا لقول أنه (خبر من فقه سنة التغيير في الأنفس والمجتمعات، وأدرك سرها، وسبر أغوارها) واستندت في تقرير ذلك على ابتناء الإمام لمشروعه على أساس من سنة التغيير المشار إليها في قوله تعالى (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)، وسنة التدرج في التغيير، وقدرته على استحضار النموذج التطبيقي النبوي للتغيير. والتغيير الذي عناه الإمام تغيير لجوهر الإنسان وهو النفس، مركّزاً على التغيير الفردي بحيث ينتقل الإنسان من الغفلة إلى اليقظة بتوبة انقلابية تجعله يتجافى عن دار الغرور ويستعد لملاقاة الله، هذه التوبة تحرره من كل عبودية ليدخل في عبودية الله وحده، باعتبار الإنسان موضوع التغيير وهدفه ووسيلته للوصول إلى التغيير المجتمعي الشامل لكافة مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، لذلك اتسمت فكرته بالشمولية التي تحيط بالإنسان من داخله بتغيير جذري في فكره، ونفسيته، وتصوره، وعقيدته، وإرادته، ومن خارجه بتغيير أخلاقه، وسلوكه، وحركته كلها على وجه الأرض؛ لتكون مرتبطة بتحقيق الغاية الإحسانية والاستخلافية من وجوده.

هذا الطرح الشمولي الذي تميز به الإمام، والذي يجمع بين ما هو ذاتي وجماعي ويلتحم فيه الاجتماعي بالاقتصادي والسياسي مع إعطاء كل جانب وزنه وأهميته في عملية التغيير، يُعد محاولة تجديدية فريدة مستلهمة للسنن الربانية، والنموذج النبوي، ودروس التاريخ، والتجارب المعاصرة، مستدركة على من سبق، متنبهة للعوائق والمنزلقات، جامعة لعوامل البناء والنهوض الحضاري للأمة.

صدّرتم كتابكم بعد المقدمة بكلام للإمام عبد السلام ياسين حول ضرورة المنهاج النبوي لتغيير التاريخ والواقع، ولرسم الخطة الإسلامية دعوة ودولة، ولمعالجة مشاكل الأمة الحالية قصد إعادة بنائها. هل لكم أن تجلوا للقارئ الكريم بعض معالم هذه الخطة الشاملة والمؤطرة للدعوة والدولة؟

طالع أيضا  د. الزاوي: التربية الإحسانية قوام التغيير المنشود

استراتيجية الإمام ياسين تنظيماً وفكراً وجهاداً، عنوانها الكبير ورؤيتها وأفقها “خلافة على منهاج النبوة”، وهي تمر عبر مراحل متدرجة وخطة معلومة، ملامحها كالتالي:

– تأسيس جماعة المسلمين: أول خطوة يقترحها هي تأسيس جماعة مجاهدة، والهدف هو الدفع بالعجلة نحو مستقبل وحدة الجماعة والإمامة على صعيد الأمة، وهذه الجماعة تكون على درجة عالية من القوة والفاعلية والتماسك، تربطها نواظم ثلاث: أ- الحبُّ في الله والبغض فيه. هذا هو المعنى القلبيُّ للوَلاية. ب- الشورى وإجماع الرأي والاتفاق على الخطة العامة. وهذا معناها العقلي. ولا يقدح الخلاف في الفروع والأسلوب بين تنظيمات العاملين في الإجماع المطلوب على الخطة العامة. ج- الطاعة للقيادة. وهذا معناها وشرطها العملي التنفيذي الجهادي.

– تحرير الدويلات القطرية تدريجياً: ويكون من خلال تأليف الموجة الجماهيرية العارمة من المؤمنين ونزولها إلى الشارع للتظاهر، والإضراب العام، وإيقاف الفساد بالعصيان الشامل، حتى يخزي الله المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون.

– توحيد الأقطار الإسلامية: بعد التحرير التدريجي للأقطار من الحكم الجبري، تنخرط جميعها في برنامج الوحدة.

– الخلافة الوارثة: بعد إقامة الدولة القطرية المتحررة، وتوحيد الأقطار بتوفيق الله تكون الخطوة الأهم، وهي قيام الخلافة الراشدة.

تحدثتم في الفصل الأول عن وسائل التغيير الاجتماعي عند الإمام عبد السلام ياسين بدءا من الأسرة، والمسجد، والتعليم، والإعلام، وذكرتم أنها تؤثر بشكل مباشر، “ضمن خطة متدرجة الخطوات”، يشكل فيها عامل الزمن عاملا رئيسا لإنضاج عملية التغيير. ألا يمكن أن يكون هذا القول ذريعة للبعض للتقاعس والتقصير بداعي أن “التغيير يتطلب وقتا كافيا حتى يكتمل، ويؤتي ثماره اليانعة” كما ذكرتم؟

لا يستطيع أحد أن ينكر أن الزمن جزء من العلاج، وأن التغيير لا يحدث بضربة لازب، ولا أحد أياً كان فرداً أو جماعة يملك حلولاً سحرية لمعضلات المجتمع، وأن يعيد الأمور إلى نصابها بين عشية أو ضحاها، ما تم تخريبه وإفساده في سنين متطاولة لا يمكن إصلاحه وتعميره في شهور قليلة، خاصة عندما نتكلم عن إفساد فطرة جيل بأكلمه، لذلك الذي يتجاوز التدرج في التغيير، ويقفز على عامل الزمن، ويلغيه من حسابه سيصطدم بواقع فتنوي يستعصي على الاقتلاع، وحتى لا يكون معيار الزمن مدعاة للكسل والتقاعس كان لابد لأي خطة من مراحل متدرجة محدودة بزمن، كل مرحلة تسلم للتي بعدها تقرب من الهدف المنشود، وأقول: خطة بلا زمن ضرب من العبث، وهدر للجهود، وتبديد للطاقات.

ربطتم بين دور المسجد في نهضة المجتمع، باعتباره مؤسسة دينية واجتماعية وتربوية وثقافية وسياسية، إعدادا للأجيال، وبين دور التعليم باعتباره أحد أهم وسائل التغيير في حياة الأمم والشعوب. واتضح هذا الربط جليا في تفصيل مضمون التعليم، ومواصفات المعلم، وفي تحديد معالم ومواصفات الشخصية الإسلامية المطلوب من المدرسة الإسلامية صياغتها. هلا أوضحت للقراء هذه الأركان؟

يتكامل دور المسجد والمؤسسة التعليمية في بناء الإنسان وتربيته وتأهيله وإعداده، اجتماعياً وثقافياً وسياسياً، لكن هذا الدور يتوقف على نوعية المادة العلمية التي يقدمها المسجد والمؤسسة التعليمية، وكفاءة القائم على هذه الرسالة سواء كان الإمام وخطيب المسجد أو المعلم في المدرسة أو الجامعة؛ وبناء عليه لابد أن يتلقى المسلم منذ نعومة أظافره علوم القرآن تلاوة وتجويداً وحفظاً، يتقاطع في هذا الدور المسجد مع المؤسسة التعليمية التي ينبغي أن يكون القرآن محور وجوهر العملية التعليمية فيها لصياغة الجيل القرآني من جديد، وأن يكون دور المسجد هو غرس الإيمان والعقيدة الصحيحة في نفوس المسلمين، وتأتي المدرسة لربط العلم بالإيمان لتتحقق في الفرد المسلم كفاءة القلب والعقل، والمقصد الأساسي من العملية التعليمية صياغة الشخصية المسلمة الممتلئة بالإيمان، المتميزة روحاً وقلباً وعقلاً، المتشبعة بالعلوم والمعارف النافعة، الواعية بمسؤولياتها، المندمجة في الجماعة، الصادقة في شجاعتها، الصامدة في وجه أعاصير الفتن، القادرة على تحقيق غاية وجودها الاستخلافي، المضحية بالوقت والمال والروح في سبيل الله تعالى.

طالع أيضا  الإمام عبد السلام ياسين: أي تربية نريد (1)

أوليتم الإعلام عناية خاصة ضمن الحديث عن وسائل التغيير. ما المطلوب اليوم من المؤسسات والأفراد العاملين في مجال الإعلام والتربية والتعليم خصوصا في ظل تنامي الإقبال واستعمال وسائل الإعلام؟

الإعلام من أهم وسائل وأدوات التغيير، وسلاح يكاد يكون أخطر من البنادق، فخطر الإعلام يمس العقول والقلوب، ويفسد الفطرة الربانية، وخاصة الإعلام الجديد الذي أصبح ملاصقاً للإنسان طوال يومه بعد ثورة الاتصالات والهواتف الذكية، والواجب على مؤسسات الإعلام والعاملين فيها أن يستثمروا هذه الوسائل من خلال الاهتمام بالرسالة الإعلامية من حيث الشكل والمضمون؛ لتكون أكثر جاذبية وذات تأثير في الأفكار والسلوك، فالمتلقي اليوم تصله آلاف من الرسائل الإعلامية عبر مواقع التواصل الاجتماعي تحمل مضامين مختلفة وأفكار متنوعة، وتخدم فكرة معينة، كيف يمكن أن نستدعي اهتمامه ونشد انتباهه إن لم تكن رسائلنا الإعلامية متقنة جذابة صوتاً وصورة وفكرة في هذا الموج المتلاطم من المشاهد المبثوثة على مدار اليوم.

تطرقتم في المبحث الثاني من الفصل الثاني إلى استراتيجية التخطيط للتغيير الاجتماعي، وانتهيتم إلى تحذير الإمام من آفات التخطيط وفي مقدمتها: الوقوع في تقديس الخطة، داعيا إلى ضرورة المرونة في الخطة. وأكدتم في المبحث الثاني على ضرورة اعتبار الواقع وخصوصيات كل مرحلة استنادا لسنة التدرج، حتى لا يكون هناك تعسف في تنزيل الشريعة على الواقع ينفر الناس من الدين. ألا يمكن اعتبار الدعوة إلى مراعاة الواقع تطبيعا وخضوعا له يتعارض مع التخطيط لتغييره؟

إن تغير الأوضاع جملة واحدة غير ممكن مهما بلغت قوة وإمكانيات الجماعة المتصدية للتغيير، لأن ذلك يتنافى مع السنن الاجتماعية التي تحكم المجتمعات، وما دام الأمر كذلك لابد من خطة تحدد نقطة البداية، وترتب الأولويات، وتعطي أوزان دقيقة للقضايا المهمة، فالسكوت عن ظاهرة أو منكر في سبيل دفع ما هو أخطر وأضر بالمجتمع لا يعني أبداً الخضوع للواقع والتسليم به، بل هو عين الحكمة في أن تسير عملية التغيير وفق رؤية واضحة، وخطة معلومة، تعرف أين تقف، وما موضع الخطوة الثانية، وبأي المنكرات تبدأ، وأي الأعداء تهادن، وأيهم تقاتل.

طالع أيضا  عبد السلام ياسين مُربيا وبيداغوجيا

من المسلمات المعروفة عند الإمام الدعوة إلى الرفق تحقيقا لرسالة الرحمة، والتأكيد على نبذ العنف في التغيير الاجتماعي. كيف تجدون هذا الطرح خصوصا بعد الأحداث التي عرفتها بعض البلدان العربية التي عرفت أحداث عنف ومشاهد دامية، ما زالت قائمة إلى يومنا هذا؟

الرفق ونبذ العنف منهج قرآني وهدي نبوي لا يحيد عنه إلا جاهل بمنهجية التغيير وأصوله، فالنفوس بجبلتها تنفر من الغليظ القاسي، وتميل إلى الرحيم الحاني، والقلوب تفتح أبوابها لمن يطرقها بلطف، ويغمرها بعطف، وانتهاج الرفق أسلوباً في الدعوة والتغيير يستميل العقول ويؤلف القلوب ويستثمر الطاقات، وتستجيب له الجماهير، ويقهر الطغيان، ويلين سورة المعاند، فجمالية خلق الرفق آسرة للقلوب والأرواح، لذلك كانت السلمية ونبذ العنف وما زالت الطريقة الأمثل في التغيير والإصلاح ومراغمة قوى الاستبداد، وأفضل تجربة تغيير عرفتها البشرية، هذا ما يؤكده واقع الجماعات التي استبدلت الرفق بالعنف، والتغيير السلمي باللجوء للسلاح، فأعطت الأنظمة المستبدة فرصة تجريمها وإخراجها عن القانون، وتبرير سحقها، وضربها بكل وسائل الفتك الحديثة دون رحمة، فما جنت إلا مزيداً من سفك الدماء، وإزهاق الأرواح، وتمزيق الأوطان، وتدخل الغرباء في شؤونهم الداخلية.

يؤكد الإمام على ضرورة المشاركة العامة في التغيير الاجتماعي، باعتباره مشروع أمة لا يمكن أن تقوم به حكومة، أو جماعة، أو نخبة، أو حزب، أو مؤسسة لوحدها. إلى أي حد يمكن التعويل على “الجماهير” لتحقيق التغيير المنشود؟

الجمهور الكبير، والحشد العارم، والزحف الهادر الذي يعرف الغاية التي تحرك من أجلها لا تستطيع أي قوة أن توقفه، أو تصد مسيرته، أو تحول بينه وبين الوصول لمبتغاه، والتجربة تفيد أن التحرك الموحد المنطلق من قناعة راسخة بضرورة التغيير، والجامع لمكونات المجتمع المتنوعة، والمستثمر للطاقات المختلفة من شرائح المجتمع ينجح في تحقيق التغيير المنشود؛ لأن الشعوب أقوى من حكامها إذا تسلحت بالإرادة، أما أن تقوم فئة من الناس بالدعوة للتغيير دون سند أو ظهير أو نصير، فيسهل محاصرتها وسحقها من الأنظمة التي تحرسها الأجهزة الأمنية والجيوش.

ختمتم مباحث الكتاب بالحديث عن العقبات التي تعترض طريق التغيير وتنوعها وتداخلها وتكاملها من ناحية الوظائف والعلاقات. فما السبيل أو السبل إلى تجاوز هذه العقبات التي تحول بين الناس والتغيير المنشود؟

برأيي أن العقبات المتنوعة والمتداخلة من حيث تكامل وظائفها في عرقلة التغيير يمكن تجاوزها من خلال:

أولاً: إعادة تشكيل العقل المسلم، وإثارة الوعي، وإخراجه من حالة العطالة والسلبية التي يعاني منها، لأن السلوك نتاج التفكير.

ثانياً: تحرير إرادة الإنسان من العبودية (عادات، وتقاليد، وانقياد أعمى) لغير الله، وتحريره من الخوف على رزقه وأجله الذي يجعله قانعاً وقابعاً مستسلماً لأسباب الذل، متدثراً بلحاف الخضوع، وتحريره من شهوات نفسه المذلة، وأنانيته المستعلية.

ثالثاً: تربية الإنسان على أداء الواجب قبل المطالبة بالحقوق، فالتربية السليمة الأساس المتين الراسخ في مواجهة العقبات وتحمي الإنسان من الانكسار أمام المغريات واللذات، والانزلاق في الشبهات والشهوات.