وفق الله الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله إلى تقديم مشروع تجديدي كبير سماه “المنهاج النبوي” اعتبرَه ضروريا لإعادة بناء حركة التاريخ على خط النبوة والرسالة. هذا المشروع نذر له عمرا طويلا، وبنى جزئياته على أرض الواقع لبنة لبنة، اجتهادا علميا وجهادا عمليا بثه في كتبه وفي قلوب تلامذته، في أفق “غاية إحسانية” تعني مصير الفرد عند الله تعالى و“غاية استخلافية” تعني مصير الأمة التاريخي الإنساني. هذا العرض المتجدد للأصول والمقاصد النبوية هو عملية اجتهادية  كبرى أسست لحركة مشروع يعني الفرد والأمة والإنسانية…

ولن يتأتى هذا دون بناء جماعة بمعناها النبوي، بمعنى أن تتأسس عملية بنائها وحركتها على التربية الإيمانية الإحسانية التي يتلقاها رجالها ونساؤها، لتكون وعاء هذا المشروع التجديدي ومشتله ووسيلة نشره رحمة ورفقا وحكمة وقوة. يقول الإمام رحمه الله: (المنهاج النبوي تربية ثم تربية ثم تربية، التربية كما كانت على عهده صلى الله عليه وسلم) 1.

وقد تنوعت وسائل المنظومة التربوية عند الإمام ياسين عبر حبل ناظم يتيح لها التكامل والتداخل والجمع والانجماع، فهي تتعدد وتتجدد بحسب فاعليتها وثمرتها، حيث أوردها الإمام المرشد في العديد من كتبه وعلى رأسها كتاب الإحسان، وكانت له فيها رسائل وتذكير دائم وتوصيات، من قبيل: المسجد ومجلس النصيحة و لأوراد ويوم المؤمن وليلته والرباطات ودعاء الرابطة.

سنقتصر في هذا المقال على “الأوراد” بما هي شرط للسلوك الإحساني، ومفتاح من مفاتيح الأرزاق المعنوية والمادية، وبما هي أيضا ابتهال للأسرار والأنوار وحسن الأحوال، ومع هذا وفوقه فرح بالله تعالى عز وجل وطلب لرضاه، كما هي – في نفس الوقت والآن – إعداد للشهادة بالقسط، لأن العدل كما يقول الإمام المجدد هو أوثق عرى الإحسان..

من لا ورد له لا وارد له

إن إعادة بناء حركة التاريخ على خط القرآن والنبوة تبدأ من قلب المؤمن، حيث يصير متعلقا بالله تعالى عامرا بحب رسوله، عليه صلاة الله وسلامه، تائبا إلى الله وداعيا الناس إلى التوبة. ولا غرو، فالقلب يقول الإمام رحمه الله (هو مكمن الداء، فإن صح وسلم فهو مركز الإشعاع وهو العنصر الحاسم في معادلة وجود الأمة وانبعاثها) 2.

ولا تحيى القلوب إلا بذكر الله، ولا يردها ما يردها إلا بمداومة ذكر الله، لذلك اعتبر الإمام ياسين الذكر هو الشرط الثاني من شروط التربية بعد الصحبة والجماعة، لأنه برهان عملي للتأسي بخير الذاكرين لقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا 3، وشهادة ربانية على الرفعة والفضل: ولذكر الله أكبر 4، فذكر الله هو أكبر من كل شيء، ومن كل عمل، وأجره فوق كل أجر، وثمرته لا حد لها ولا حصر. وهو الأمر الأكبر والأعظم الذي من أجله شرعت العبادات، ومن صفات المؤمنين الاطمئنان للذكر والاطمئنان بالذكر، فمن لا طمأنينة له بذكر الله لا يستكمل صفات الإيمان، قال عز من قائل في سورة الرعد: الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله. ألا بذكر الله تطمئن القلوب.

الذكر الكثير هو المقصود والمطلوب، فهو باب الله الأعظم المفتوح بين العبد وربه ما لم يغلقه العبد بغفلته، وهو  ماء حياة القلب مصب الإيمان وملتقى شعبه ومصدر نوره، وما فتىء الإمام رحمه الله يوصي بأن يأخذ المرء لنفسه من طب الكتاب والسنة، ويتخذ له وردا يتواصى وإخوته به ويتنافسون فيه يقول (يكون لجند الله أوراد أي أعمال دائمة من كل شعب هذه الخصلة – يقصد خصلة الذكر -. فمقل ومكثر بالتدرج، فمن لا ورد له لا وارد له) 5، ومازال ينبه وينذر ويحبب في الأوراد وينصح حتى توفاه الله (فما يقول جليس فينا ليس له ورد من الذكر، ولا جلسة للاستغفار بالأسحار؟ كيف يُنتظر ممن لا زمام يمسكه عن التسيب في الأوقات من ورد لازم، وجلوس للذكر عازم أن يرقى إلى مقام دوام الذكر ودوام التضرع ودوام الطلب؟ يفتر الطلب، وتتفتت العزيمة، وينقطع الحبل إن لم يكن الورد دواما ومداومة وصبرا ومصابرة. بعد ذلك فقط نتحدث عن الصبر في الغد الجهادي لا قبله) 6.

طالع أيضا  ذكر الله اتصال قلبي بالله عز وجل.. مع فضيلة الأستاذ محمد عبادي

والذكر يجمع أنواعا من العبادات، بها (يتقدس الكيان القلبي للمؤمن، ويكون التقديس أعظم إن كان ذكر الله أدومَ) 7. وأولها ذكر الكلمة الطيبة “لا إله إلا الله”، يقول عنها الإمام عبد السلام ياسين (في لفظها المقدس سرٌّ وكيمياء بهما ينفذ الإيمان إلى القلب) 8، ثم الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ هي (من أعظم الأذكار فضلا، وأجلّها قدراً، وأوفاها بمقصود المريدين المحبين المتقربين (…) هي شيخ من لا شيخ له) 9.

ومن الذكر الدعاء بآدابه، وهو “مخ العبادة” كما جاء في الحديث، ومنه أيضا التفكّر وذكر الموت والدار الآخرة، ومن جملة الذكر، بل أعظم الذكر، القرآن؛ يقول رحمه الله (ولكل من عظّم كتاب الله وخدمه حفظا وتلاوة، وعمل بأمره ونهيه نصيب من ولاية الله) 10.

الأوراد أوتاد

داوم الرسول صلى الله عليه وسلم على أوراده ولم يتركها حتى فارق الدنيا، فقد روى عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه حين يمسي وحين يصبح لم يدعه حتى فارق الدنيا أو حتى مات: “اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي، وآمن روعاتي، اللهم احفظني من بين يدي، ومن خلفي، وعن يميني، وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي” 11.

وكانت أمنا عائشة رضي الله عنها قد تعلمت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد قال القاسم بن محمد: “وكانت عائشة رضي الله عنها إذا عملت العمل لزمته” 12.

وداوم صحابته على الأوراد حتى في أشد حالاتهم، فـ“عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن فاطمة عليها السلام أتت النبي صلى الله عليه وسلم تسأله خادما فقال: ألا أخبرك ما هو خير لك منه؟ تسبحين الله عند منامك ثلاثا وثلاثين، وتحمدين الله ثلاثا وثلاثين، وتكبرين الله أربعا وثلاثين”، ثم قال سفيان: إحداهن أربع وثلاثون، فما تركتها بعد. قيل: ولا ليلة صفين؟ قال: ولا ليلة صفين” 13.

روى مسلم في صحيحه: “من نام عن حزبه، أو عن شيء منه، فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كُتِب له كأنما قرأه من الليل” 14. وهذا حديث عظيم في الباب أفرده العلماء بالشرح والتفسير، قـال صاحب “الـنـهـايـة”: (الحزب ما يجعله الرجل على نفسه من قراءة أو صلاة كـالـوِرد) 15.

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحث على المداومة على الأعمال، يفعل ذلك ويأمر به أصحابه حتى وإن كان العمل يسيرا قليلا، إذ العبرة باستدامة العمل وتثبيته؛ فقد روى البخاري في صحيحه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أحب الأعمال إلى الله الذي يدوم عليه صاحبه” 16. وروى مسلم عن أمنا عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أحب الأعمال إلى الله أدومها ولو قل”. وفي رواية لأبي داود عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم: “اكلفوا من الأعمال ما تطيقون. فإن الله لا يملُّ حتى تملّوا. وإن أحب العمل إلى الله أدومُه ولو قل”.

في فقرة عجيبة تحت عنوان “الأوراد وخصائص الأذكار” من كتاب الإحسان يعرفنا الإمام المجدد بحقيقة الأوراد فيقول رحمه الله: (المداومة في أوقات معينة على أذكار معينة هي ما يسمى في اصطلاح القوم بالأوراد. والأوراد أوتادٌ راسية عليها يبني المؤمن خيمة الذكر في أرجاء وقته وعامة نشاطه وسُوَيْدَاءِ قلبه. الأوراد هي الطريق إلى الله عز وجل لا يستغني عنها مبتدئٌ ولا يزهد فيها واصل (…) الأوراد والمداومة عليها سنة. وهي بمثابة نَذْر يقطعه العبد الصادق على نفسه يجب عليه الوفاء به. لذلك حذر العلماء من الدخول في الأوراد بخِفَّة مخافة أن لا يفي العبد بما عاهد الله عليه منها (…) للذكر مَراقٍ، يترقى المريد من ذكر اللسان إلى ذكر القلب واللسان، ومن الوفاء بأوراد محدودة إلى الاستغراق ثم الاستهتار إن وفقه الله) 17.

طالع أيضا  الإمام المجدد عبد السلام ياسين: عمر من العطاء

لا يتسع المقال لذكر جميع ما قاله الإمام المرشد في موضوع الأوراد والأذكار، لكن ما ينبغي فهمه  هو أن الانسان متى أدرك أن الدين إسلام فإيمان فإحسان وارتفعت همته إلى اقتحام العقبة، أقبل على الأوراد وثبتها، والمحسنون الذاكرون لله عز وجل يحنون إلى ذكر مولاهم عز وجل كما تحن الطيور إلى أوكارها.

رجال ذاكرون رجال مجاهدون، قوم غافلون قوم قاعدون

قاعدة منهاجية سطرها الإمام في كتاب المنهاج النبوي نعنون بها هذه الفقرة “رجال ذاكرون رجال مجاهدون، قوم غافلون قوم قاعدون”. إن السلوك  الإحساني عند الإمام ليس تربية على الفكر المجرد ولا على الحركة الجوفاء ولا على السكون المتدروش، بل هو صحبة تحتضنك وتؤهلك برحمتها للاندماج في الجماعة من خلال خصلتي الصدق والذكر، وبذلك يُفتح لك باب التوبة الشاملة ثم لذة العبادة لمّا تتخلص من قبضة العادة الجارفة والأنانية المستعلية والذهنية الرعوية.  

يقول الإمام رحمه الله: “ليكون ذكرنا ذكر مجاهدين نقرأ البرنامج الجهادي كله، ومن أهم مداخله دوام الذكر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم لأصحابه وهم في حركة جهادية، في سفر جهادي في طريق مكة: “سبق المفردون” قالوا وما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيرا والذاكرات” 18.

ويضيف في إشارة منهاجية مجددة للسلوك الإحساني: “ومن المسبوقين قطعا من عقد الأصابع بعد الصلاة وهو آمن قاعد في مسجده يحسب عليها ذكر الله، خير وافر، لكنه خير غير كامل، لم يزكه الجهاد19.

الذاكرون الله كثيرا  في التصور المنهاجي هم مناط التجديد فعليهم يتوقف انبعاثُ الأُمّة من غُثائِيَتِها. وليس المقصود بالذاكرين أولئك المتبتلين المنزوين في الزوايا المنقطعين عن العالم في البيوت، بل المستهترين بذكر الله وهم في ساحة الجهاد بمعناه الواسع، أي الذي يشمل سائر ميادين التدافع الأرضي (ذكر الله باللسان والقلب (…) بناء على غير أساس إن لم يصن ذلك الذكر الكثير ذكر الله عند الأمر والنهي، ذكره عند حق كل ذي حق، ذكره في الدرهم والدينار، ذكره في الأمة التي تنتظر مجاهدين لإقامة دين الله في الأرض) 20.

طالع أيضا  نظرية المنهاج النبويّ وبناء الإنسان

إن المنظومة التربوية عند الإمام تعتبر في الفقه المنهاجي هي الأساس واللباب والجوهر ومفتاح الباب. فهي الحبل الناظم لمشروع إحياء الأمة، والمفتاح الفاصل لنهضتها العمرانية. يذكرنا الإمام رحمه الله في كتاب مقدمات في المنهاج “لا نفتأ نذكر بأن سلوك العبد إلى اللّه عز وجل، وما يطلبه السلوك الإيماني الإحساني من تربية، من ذكر، من ترقيق القلب بالمداومة على الذكر، هو معنى المنهاج واتجاهه وغايته. ونؤكد على أهمية طلب العبد في صفوفنا للرقي من إسلام لإيمان لإحسان، نعلمه ذلك الطلب، ونساعده عليه، ونماشي عليه خطاه، ونخصص لإحيائه في قلبه وقتا وبرامج ونشاطات، بل نجعل ذلك الطلب عبير جو العمل، وريحانة رياضه، وحادي سيره، ونجي خلواته، وشعار جلواته” 21.

خاتمة نسأل الله حسنها

حدثنا يوما الأستاذ عبد الهادي بلخيلية 22، حفظه الله، أنه سمع المرشد يقول (الفرق بيننا وبين العاملين أننا ذاكرون، إن كنا ذاكرين، والفرق بيننا وبين الذاكرين أن أذكارنا سنية وفي هذا نجاة لنا)، وفي هذه الكلمة تذكير لكل من عرف الرجل وعاهده، ولكل أجيال العدل والإحسان، حتى لا تحجبنا الظروف عن استكناه معنى  الجماعة ومبناها.

كان الإمام المجدد رحمه الله رحمة واسعة دائمة إذا أراد التعبير عن أمر تجديدي عظيم فإنه يلتجئ إلى عرضه عبر الدعاء؛ قال في دعاء ضمن وصية العهد: “أوصي أن العدل قرين الإحسان في كتاب ربِّنا وفي اسم جماعتنا، فلا يُلهنا الجهاد المتواصل لإقامة دولة العدل في أمتنا عن الجهاد الحثيث لِبلوغ مراتب الإحسان. الإحسان أن تعبد الله كأنك تراهُ، ولا مدخل لك في هذا يا أخي، ولا مدخل لكِ يا أختي في هذا المضمار إلا بصحبة تفتح أمامك وأمامكِ المغالق وتحدو بركبك إلى عالم النور والرقائق. لذا أوصي بالصحبة والجماعة، بالصحبة في الجماعة”، أعادها ثلاثا … ثم أوصى بدعاء وتضرع إلى الله وهو مودع للدنيا إلى دار البقاء (أن يدعوَ أحبابي إخواني ربنا عز وجل أن يمسك وحدة الصحبة والجماعة كما يمسك السماوات والأرض أن تزولا).

فاللهم أمسك وحدة الصحبة والجماعة كما تمسك السماوات والأرض أن تزولا. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وحزبه.


[1] الإسلام أو الطوفان، رسالة مفتوحة إلى ملك المغرب، 1974م، ص: 134.
[2] الإحسان، ج1، ص 24.
[3] الأحزاب، الآية 21.
[4] العنكبوت: 45.
[5] المنهاج النبوي، ص: 149.
[6] رسالة النصيحة.
[7] الإحسان، الجزء الأول، ص: 260.
[8] ن. م. 267.
[9] ن. م. 300.
[10] ن. م. 329.
[11] أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان في “صحيحه”، والحاكم في “المستدرك”، وأحمد في “مسنده”.
[12] أخرجه مسلم في صحيحه (783).
[13] الدعاء للطبراني (224). ورواه البخاري (5362) واللفظ لـه، ومسلم (2727)، وأبي داود (5062).
[14] أخرجه مسلم في الصحيح، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، دار ابن حزم، ص 376، أخرجه كذلك: أبو داود.
[15] ابن الأثير، النهاية، المكتبة العلمية، بيروت، 1979م، (1/376).
[16] رواه البخاري ومالك عن عائشة رضي الله عنها.
[17] الإحسان، ج1، ص: 297-298.
[18] ص 275، ن. م.
[19] ص 276، المرجع نفسه.
[20] ن. م. 302.
[21] مقدمات في المنهاج، ص 49-51.
[22] عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان.