1. مفارقة وخلل
مفارقة غريبة تلك التي نجدها في جل ما كتبه المسلمون ابتداء من لحظة جمال الدين الأفغاني إلى يوم الناس هذا، فجزء يصف الواقع الكالح، بل ويتمادى في فضحه وتعريته، والجزء الآخر يتفنن  – قدر جهده – في رسم صورة مشرقة للإسلام المعياري كما يتصوره ويفهمه. أما كيف نعمل على تنزيل هذا على ذاك فقِلّة من مُفكرينا من انشغل بذلك وتَهَمّم. وكانت أغلبُ إجابات من حاول منهم مُنصبّةً على إيجاد الجواب السياسي والاقتصادي والاجتماعي لسؤال النهضة: “لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟”. وقد أجمع أولوا الألباب منهم بأن مردّ ذلك – في كلمة واحدة – إلى الاستبداد. إلا أنهم أغفلوا -أثناء ذلك – التّطرّق إلى أسئلة “الذات الفردية”، المرتبطة بالتربية والتزكية، ربما لارتباط هذه الأسئلة بما يُسمّيه التاريخ تَصوُّفا، في حين كانت الوطنية العربية وكذا السلفية الإسلامية ترفضان رفضا تاما كل ما له علاقة بهذا الاتجاه، إما بسبب تأثرهما بالفكر التيمي الوهابي، أو لما كان من تعاون بعض الطرقيين مع الاستعمار وتبعيتهم له. 

2. “الرّبّانية” في معقل “الوهابية”
من القلة الذين تشبّتوا بالإجابة الشاملة والمتوازنة على تلك الإشكالات والمعضلات نجد الشيخ أبا الحسن الندوي الذي كانت له علاقات طيبة مع علماء ومؤسسات وجامعات ترفع – بشكل عنيف – شعار الدفاع عن العقيدة انطلاقا من “المذهبية العقلانية التيمية الوهابية”، إلا أن له التفاتات تربوية عميقة يضع من خلالها يده على جوهر الداء ولبه. نجد له تشخيصا -نعتبره موفّقا- في مجموعة من محاضراته ومقالاته وكتبه، وانظر  كتاب “إلى الإسلام من جديد” بمقالاته البديعة خاصة: معقل الإنسانية وبين الصورة والحقيقة وثورة في التفكير ودعوتان متنافستان ومصرع الجاهلية، وكذا كتابه “ربانية لا رهبانية”. وهو من عرّف القرّاء العرب بمن يُعدُّ مجدّدا للألفية الثانية، الشيخ المربي المجاهد أحمد السرهندي، وكذا المجاهد أحمد بن عرفان، دون أن ننسى كتاباته عن الشيخين عبد القادر الجيلاني وجلال الدين الرومي، وكذا تبشيره بالقيمة الحقيقية للشاعر محمد إقبال، حيث يشير إلى أن المترجمين العرب لم  يكونوا موفّقين في نقل روحه إلى العربية كما ينبغي.

طالع أيضا  أين تفرد المشروع التربوي التغييري للإمام عبد السلام ياسين؟

وفي كتابه “ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين”، يلحُّ على أن المسلمين – على علاّتهم – هم موئل الإنسانية، وأمة المستقبل، لكن عليهم باستعداد ثلاثي الأبعاد: التنظيم العلمي الجديد و الاستعداد الصناعي والحربي و الأهم هو الاستعداد الروحي الفردي.  فالعالم الإسلامي لن يؤدي رسالته في المستقبل – باعتباره الملاذ السياسي والأخلاقي للعالمين – بالمظاهر المدنية والمادية التي تتْقنُها الحداثة، فروح العفريت الجاهلي – كما يعبّر – هو الإخلاد إلى الأرض، والرضى بالحياة الدنيا، والاطمئنان بها وإليها، وعبادة المال والمادة.  بل ستكون إماما للعالمين بالروح القلبية والقوة المعنوية. وستنتصر بالإيمان أولا والاستهانة بالحياة (كأنك تعيش أبدا، وكأنك تموت غدا)، والعزوف عن الشهوات، والشوق إلى ما عند الله تعالى.

وكما يظهر من كل كتاباته كان – رحمه الله – يتحاشى أن يذكر الكلمة/ الحرب: الصوفية، لكنه ركز على جوهرها، وهو ما سماه القرآن تزكية، حتى لا يؤلب عليه “المذهبية الوهابية” الجائلة الصائلة حينها. 

تابع تتمة المقال على موقع ياسين نت.