إن مما يغيب عن الكثير من الناس بخصوص دعوة وفكر واجتهاد الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله، أنه يعد من الدعاة القلائل الذين استطاعوا، على مستوى النظر والممارسة، أن يرجعوا بالتربية الإيمانية، وبأصول السلوك الإحساني، إلى مخالطة واقع الناس ومعاناة أعباء الجهاد، وفق تصور منهاجي متكامل الأجزاء، يقترن فيه السعي الدنيوي بالسعي الأخروي لا ينفك أحدهما عن الآخر.

لقد وجد رحمة الله عليه، من خلال نظرية المنهاج النبوي، السبيل إلى تعايش الهم الإحساني (التزكية) والذي هو مطلب فردي بالأساس، بمطلب العدل والشورى والجهاد، الذي قوامه الجماعة والتنظيم، أي قرن طلب التزكية ولوازمها من مداومة على الذكر ومراقبة وتعظيم للخالق وأمره، بشؤون الواقع وتحدياته في الاقتصاد والسياسة والعلوم وغيرها.

قال قدس الله سره، تعليقا على الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن نبي الرحمة عليه الصلاة والسلام، “الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان”، قال: “هذا هو لب التجديد، يبدأ بذكر الكلمة الطيبة (لا إله إلا الله)، مثمرا الحياء، مؤهلا للمشاركة الفعلية في الحياة العامة الجماعية: إماطة الأذى عن الطريق” (المنهاج النبوي ص: 36).

إنه مشروع يهدف إلى تعريف الإنسان بخالقه عز وجل ويدله على السبيل الموصلة لرضاه، ويضع الإنسان أمام سؤال مصيري يسبق هم الدنيا كلها بل ويسبق إقامة الدولة الإسلامية، وهو كيف ألقى ربي؟

لكن الجواب عن هذا السؤال المصيري لا يعني بحال الانكفاء والانشغال بالذات عن هموم الأمة، فهذا مخالف لما رواه الحاكم في المستدرك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من أصبح وهمه غير الله فليس من الله. ومن أصبح لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، ومن أعطى الدنية من نفسه طائعا غير مكره فليس مني”.

من هنا أيضا يمكن فهم قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الإمام أحمد بسنده الحسن عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لينقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها. وأولهن نقضا الحكم، وآخرهن الصلاة”.

الملك كما الصلاة من عرى الإسلام

طالع أيضا  د. حرور يدقّق النظر في معوّقات التربية الإيمانية الإحسانية وسبل تجاوزها

قال رحمة الله عليه وهو يتحدث عن التربية “أما التربية الإسلامية، تربية الغد الإسلامي، فلن تكون مستحقة لاسمها إلا إذا تناولت الإنسان فأودعت قلبه إيمانا وعقله حكمة وجسمه صلابة”. (كتاب الإسلام غدا).

إنه تغيير لمنهجية التفكير بحيث تصبح التربية الإيمانية لازمة حاضرة في كل باب، موجهة له؛ قال وهو يفكك إحدى معضلات العصر: “من المعضلات المقيمة في أذهان مفكري المسلمين منذ قرن أو يزيد قضية الأصالة والمعاصرة. كيف نربط الحاضر العصري بالماضي الأصيل. ولكل تصوره عن الأصالة مفردة وعن المعاصرة، وعنهما مجتمعين بمقدار، أو بتمازج، أو بتناقض وتنافر”. ثم يقدم لنا الإجابة فيقول “الطرح الإسلامي يسألك عن إيمانك بربك وبمصيرك إليه. ينسبك إلى خالقك، فذاك أصلُك. ويسألك عن دار الامتحان والبلاء هذه الدنيا هل عملت فيها صالحا. ولا تستطيع أن تعمل صالحا بتجاوز نطاقك الضيق إن لم تعرف سنة الله في الكون، وآياته في الخلق، وما أخرج للناس في العصر من منتجات الفكر والصنائع، وما بث فيه من قوى متنافسة، وما أخر فيه وما قدم. هو المقدِّم وهو المؤخر لا إله إلا هو”. (كتاب العدل ص: 36-38)

لقد كان حريصا رحمة الله عليه على التتلمذ على كتاب الله، وعلى نبيه صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام من بعده؛ قال وهو يقدم لكتابه “سنة الله”: “إننا نبحث عن الإحسان والإيمان والسلوك إلى الله سبحانه وتعالى ونَيل مقامات الكمال. لم نحِدْ عن المطلب الإحساني بالدخول في سنة الله. بل يكون طلبنا لهذه المقامات أشبه بطريق الرسل وألصق بنموذج الرسل وأليق بواجبات الجهاد إن قبلنا إيمانا وتصديقا بسنة الله، واتبعنا عملا وجهادا وصبرا ومكايدة ومدافعة سنة رسل الله. عليهم صلاة الله وسلام الله… قبول إيماني واحترام عملي هما ضمان النجاح. علمنا القرآن ذلك بالتقرير والقصص ومثلات الذين خلوا من قبلنا وأنباء الرسل. القبول الإيماني يصل دنيانا بآخرتنا ويربط مصيرنا في الآخرة بأعمالنا هنا”.

 ف“المسلمون بحاجة اليوم إلى اكتشاف المنهاج النبوي كي يسلكوا طريق الإيمان والجهاد إلى الغاية الإحسانية التي تعني مصيرهم الفردي عند الله في الدار الآخرة، وإلى الغاية الاستخلافية التي ندبوا إليها ووعدوا بها متى سلكوا على المنهاج النبوي واستكملوا الشروط”. (المنهاج النبوي ص: 3).

طالع أيضا  موضوع التربية في فكر الإمام المجدد

حيث إن “التطوع الإيماني المنبعث من أعماق إرادة كل مسلم ومسلمة، حبا لله واحتسابا ورحمة بالخلق، لهو الوسيلة المؤسسة للعمران الأخوي. المؤسسة لا المكملة.” (العدل ص: 199).

وما هذا التطوع الإيماني إلا ثمرة من ثمرات التربية الإيمانية التي هي إرادة وجه الله بما أمر ونهى، التي هي تجديد دائم لهذا الإيمان المهدد بالبلاء إن لم يغش اللسان والقلب ذكر الله الدائم.

هذا المشروع يحيلنا مباشرة على سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم في شمولها متبعين أدق تفاصيلها، بل والنظر بعينها. وهو بالضبط ما غاب عن كثير من رواد الدعوة الإسلامية بل وحتى أئمتها الأفذاذ.