أجرى موقع الجماعة نت حوارا مع الأستاذ حسن قبيبش، عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان، سلط الضوء على ما يعرف في أدبيات الإمام المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله وسير الجماعة ب”النواظم الثلاث”. وفيما يلي النص الكامل لهذا الحوار.

1. وضع الإمام المجدد رحمه الله معادلة ثلاثية سماها: “النواظم الثلاث”، (الحب في الله – النصيحة والشورى – الطاعة)؛ ما السر في وصفها بالنواظم؟ وما المقصود بها؟

بسم الله الرحمان الرحيم ، والصلاة والسلام على رسول الله الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.

حياكم الله وجزاكم كل خير على ما تقومون به من مجهودات مشكورة مأجورة إن شاء الله تعالى.

لا أدعي أنني أعلم كل ما يرمي إليه الإمام في هذه التسمية، ولكنني سأحاول عرض ما يعن لي أو ما وصل إليه فهمي المتواضع في هذا الأمر.

فمن المعلوم أن الإمام رحمه الله قد أورد “النواظم الثلاث” في فصل التنظيم؛ وبعدما تحدث عن التنظيم، في مختلف جوانبه، من هياكل وسلم ومجالس وأجهزة… اعتبر ذلك جسما، والجسم قد يعتريه ما يعتريه من تغيير وزيادة أو نقصان، أو غير ذلك، واعتبر رحمه الله النواظم هي بمثابة الروح التي تسري في هذا الجسم (التنظيم) “والتي تحقق الوئام الكامل والوحدة الوجدانية العقدية”. وفي اللغة انتظم الشيء:  تألف واتسق. وانتظم اللؤلؤ في السلك، عندما يجمع في خيط واحد، يقول رحمه الله تعالى: “المومنون جواهر نفيسة، كل منهم على حدة، فإنهم إن انتظموا في عقد ازدادوا نفاسة”. فهذه النواظم تحيل على معان كبيرة وجليلة، منها، النفاسة، الجمال، التآلف، التناغم، الإحساس، المحبة والنصرة… لذلك اعتمد رحمه الله، على الحديث الشريف ليبين هذه المعاني وغيرها: “مثل المومنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”. رواه الإمام أحمد ومسلم عن النعمان بن بشير.

2. ما هي أهمية هذه النواظم الثلاث في العمل الجماعي عموما وفي عمل جماعة العدل والإحسان خصوصا؟

أهميتها هي أهمية الروح للجسد، فبدون هذه النواظم تصبح الجماعات مجرد تجمع بشري ينقصه دفئ المحبة، وغطاء النصيحة، وبركة الشورى. لذا نوليها في العدل والإحسان أهمية كبيرة، بالنظر إلى أن ما يجمع الإخوة والأخوات في الجماعة يتعدى ما هو دنيوي فان إلى التطلع إلى ما عند الله عز وجل، لنيل كرمه ورضاه. فهي إذن ليست مجرد ترتيبات تنظيمية مساعدة، بل هو تدخل فيما يتقرب إلى الله به.

3. ألا يمكن أن يحصل على أرض الواقع تصادم أو تنافر بين هذه النواظم عند أجرأتها في الواقع بدل تكاملها وتناغمها؟

التصادم والتنافي يحصل نتيجة اختلاف الأفهام والإدراك لهذه النواظم، نحن لا ندعي أننا مجموعة من الملائكة لا نخطئ ولا نختلف في التقدير والتحليل والآراء، فالعوامل المؤثرة في بني الإنسان هي نفسها، ولكن ليس كمن يحاول الرجوع إلى الأصول التي تعلمناها من الإمام رحمه الله كمن لا يرجع، (ولأمر ما تحدث عن “أمراض التنظيم”).

وأقصد بذلك الاحتراس من الغفلة التي تقسي القلوب، وتزرع الأحقاد، وتذكي الخلافات والنعرات، وقد قال رحمه الله: “إن شر ما يفرق جماعات المسلمين، غفلتهم عن الله”.

4. ما هي وظيفة كل ناظمة من هذه النواظم على حدة؟

ناظمة الحب في الله، باختصار، تعطيك طعما خاصا للحياة الآمنة، وتخرج الإنسان من أنانيته وانكماشه على نفسه، وتحمله إلى مجال من المحبة أرحب، ونشدان الخير للناس والرغبة في الإصلاح وألا يكتفي بهمومه وحدها.

والنصيحة والشورى لها معان تحمل المسؤولية والمضي على بينة، وتعلم الصدق في القول والفعل، بقصد الجمع والتأليف لا التنفير والتفريق؛ يقال في اللغة: “نصح الجلد إذا خاطه”، ويقول الإمام: “فنحن، مع غياب النبوة والعصمة، أحوج أن يفهم كل منا داخل التنظيم لم وكيف ومتى وماذا عن تشاور وتراض لئلا يكون إمعة تابعا”.

5. تحمل الناظمة الثانية (النصيحة والشورى) مضمونا مزدوجا متفاعلا بين معنيين، معنى النصيحة بآدابها وشروطها، ومعنى الشورى بقواعدها وشروطها، فهل أسس الإمام المرشد رحمه الله هذه العلاقة داخل الصف بين المعنيين على العفوية والتلقائية أم نظمها وجعل لها مؤسسات؟

لقد عمد الإمام المرشد في أول الأمر، حيث كانت الجماعة في بداياتها، وكان مستوى التنظيم بسيطا نسبيا، عمد إلى إحكام الأساس الذي تقوم عليه الشورى (كما بينا سابقا) وغيرها من العناصر المساهمة في بناء سليم معافى، وذلك بالتركيز على الأمر التربوي الذي يعد الركيزة الأساس في إنجاح كل أمر بتوفيق من الله سبحانه، لأنه من شأن التقرب إليه سبحانه، قدر المستطاع، بالوسائل التي أوصانا بها رحمه الله، أن تحد (حتى لا أقول تقطع أو تلغي) من غلواء النفس وتكبرها وتجبرها؛ يقول رحمه الله: “التناصح والتشاور بلا محبة تغطي العيب وتتجاوز عن الهفوة قعقعةُ آراء وأنانيات، وتأجيج خلاف”.

ومع تطور الجماعة وهياكلها، كان لا بد من تطوير المؤسسات ووضع قواعد وضوابط، وفق الظروف الصعبة التي تعيشها الجماعة في ظل التضييق والحصار.

6. ألا يُخشى ألا تتحمل الجماعة كل درجات النصح وألا تشمل الشورى كل الأعضاء؟

ليس هناك خطوط حمراء في الجماعة دون الثوابث التربوية والشرعية، مع الالتزام بالضوابط الشرعية والنبوية للشورى، والشورى تهم الجميع كل حسب مجال اختصاصه، ولا أعرف تنظيما بشريا يستشير الجميع في كل شيء.

7. يعرف عن أعضاء الجماعة، على سبيل المثال في المسيرات وفي التظاهرات وفي نزولهم إلى الشارع – وحراك 20 فبراير خير مثال – انضباطهم الشديد… هل يرجع هذا إلى ناظمة الطاعة أم إلى أسباب أخرى غيرها؟

طاعة الإخوة والأخوات وانضباطهم في رأيي ترجع إلى أمرين أساسين؛ الأول يتمثل في الثقة التي تسود بين المومنين جميعا ومحبتهم، لأن الإخوة والأخوات لم يجربوا على من ابتلاهم الله بالتكليف خيانة أو غدرا أو استغلالا لخدمة مصالحهم الخاصة. والأمر الثاني هو الوعي الكبير الذي يتمتع به الأعضاء وما رُبوا عليه من الرحمة والحدب على الناس والخوف على البلاد من انزلاق غير محسوب العواقب لا قدر الله، وكل هذا نتيجة التشرب القلبي والتربية الأيمانية التي أثلها الإمام رحمة الله عليه.

8. ما هي المناهل التي تنهل منها الجماعة كل هذا الحب في الله والتي تمثل عاملا حاسما فيما تمثله الجماعة من انضباط في السير وتماسك في البناء والتحام في الصف؟

لا بد أن أشير أن الإمام المرشد رحمه الله، لما جاء في بداية دعوته للناس بالرفق والمحبة، والثبات على الحق، والوضوح وعدم السرية… اعتبره كثيرون أنه خرج على “القواعد المعروفة” في عمل الحركات الإسلامية، آنذاك، قبل أن يدور الزمان دورته، وتحمل في ذلك صنوف الشتائم والانتقادات. فقد نهل رحمه الله من مشكاة النبوة، وأعاد قراءة السيرة النبوية، ليس على أساس تدبري عقلاني فقط، بل تعدى ذلك إلى السلوك الروحي القلبي والجوارحي، وهذا أمر غير خاف على أحد، ففتح الله له سبل الفهم والإفهام، ومن ذلك ننهل على قدر المستطاع، وفقنا الله لذلك، ورحم الله الإمام المرشد، وأخلفه خيرا في أبنائه وبناته، وأحبابه وإخوانه آمين.