بعد قرون من فصل الدعوة عن الدولة من البديهي أن وجه هذه الدعوة سيتغير وأن خطابها سيشوبه ويعلق به ما ليس منه، وبقدر البعد عن النبع الذي كانت تستقي منه الدعوة خطابها على عهد النبوة والخلافة الراشدة بقدر ما يتكدر الصفاء ويخلق الخطاب وتذهب جدته، مما أنتج خطابا قاصرا لا يواكب عصره ولا يصمد أمام المدافعة في زمن الانفجار الإعلامي.

والحال هذه فالواجب تجديد خطابنا الدعوي بشكل يجعله أصيلا في مصادره معاصرا في وسائله مؤثرا في عالم انتفت فيه الحدود، وغدا الإعلام يصنع قناعات الإنسان ويتدخل في بلورة خصائصه النفسية والاجتماعية.

1- تعريف الخطاب الدعوي

أ- الخطاب: لغة “مادة خطب” تدل على الكلام، قال ابن فارس “الخاء والطاء والباء: أصلان أحدهما الكلام بين اثنين”.

واصطلاحا عرفه الجرجاني: “هو قياس مركب من مقدمات مقبولة أو مظنونة من شخص معتقد فيه، والغرض منها ترغيب الناس فيما ينفعهم من أمور معاشهم ومعادهم”.

ب- الدعوة: قال بن منظور: دعا الرجل دعوا ودعاء ناداه والاسم الدعوة.

فالخطاب الدعوي إذن هو البيان الهادف إلى دعوة الناس إلى منافعهم معاشا ومعادا، المساير لمتغيرات العصر ومستجداته، المراعي لظروف المخاطبين وواقعهم.

2- عناصر الخطاب الدعوي

أ‌- المخاطِب (الداعية): هو المبلغ للخطاب، ويشترط فيه أن يكون مستوعبا لمعنى الدعوة إلى الله وهي غير الدعوة إلى الإسلام وشرائعه وحلوله الاقتصادية والاجتماعية… وإن كان كل ذلك بعض الدعوة إلى الله. كما ينبغي للداعية أن يكون مؤمنا بما يدعو إليه، أهلا له، عالما به.

ب‌- المُخاطَب (المدعو): هو المتلقي للخطاب الدعوي وهم عموم الناس بلا تمييز، وهذا المتلقي تتوزعه الهموم والدعوات ولا مطمع لنا في إسماعه ما لم يصغ لنا فؤاده وما لم يجد في كلامنا ما يستهويه ويجيب عن تساؤلاته ويلامس همومه، ففي أذن الجائع لا يسلك إلا خبر يبشره بالخبز.

طالع أيضا  بعض أصول الدعوة من خلال وصايا لقمان لابنه

ت‌- الخطاب (المحتوى): ينبغي أن يكون واضحا، قاصدا، بسيط اللغة عميقها، مؤصلا، رفيقا، مرتبطا بالواقع غير منفصل عنه، جامعا لمنافع الدين والدنيا.

ث‌- الوسيلة: أداة تبليغ الخطاب، وهي لا تقل أهمية عن العناصر الأخرى، إن لم تكن أهمها، ولا مناص للدعوة من اقتحام عالم التقانة والرقمنة والاستفادة من تكنولوجيا التواصل، دون إغفال الوسائل القديمة التي درج عليها الناس واستساغوها كالخطبة والكتاب و…

3- الخطاب الدعوي بين الفردي والجماعي

أ‌- الخطاب الدعوي الفردي: يتسم بالمرونة والسهولة والعفوية بين المتخاطبين، ويعتمد وسائل بسيطة بعيدة عن التعقيد، ونتائجه على مستوى النوع أعمق وأكثر تأثيرا غير أنه محدود في نتائجه من حيث الكم.

ب‌- الخطاب الدعوي الجماعي: هو عمل مؤسساتي تلزمه الدراسة والتخطيط، يتسم بالصعوبة والتعقيد لتنوع المخاطَبين، وهو معرض للمنافسة والنقد أكثر من الفردي، وميزته تنوع وسائله وفعاليته من حيث سرعة الانتشار زمانا ومكانا، ونتائجه من حيث الكم أعلى.

4- ملامح الخطاب الدعوي المأزوم

أ‌- الرداءة اللغوية: نقصد به الاستعاضة عن المفردات القرآنية والنبوية بمفردات دخيلة تحمل في جوهرها ثقافة وفكر واضعيها، متأثرة بظروف الزمان والمكان الذي صيغت فيه، وكم للمصطلحات من جنايات.

ب‌- خطاب التراث: خطاب صيغ في أزمنة بعيدة اجتهد أصحابها لظروف الزمان والمكان فاستحالت اجتهاداتهم نصوصا يقطع بها البعض وصارت ركاما يحول بيننا وبين الأصل. ومثل هذا الخطاب يسبب قطيعة مع شرائح واسعة من الشباب بالخصوص.

ت‌- خطاب الاستعلاء والاستعداء: خطاب الفرقة الناجية التي تزعم امتلاك الحقيقة، فهو يصنف الناس ويمنحهم صكوك البراءة من الشرك وفساد العقيدة، وهو خطاب إقصائي للمرأة شديد على المخالفين عنيف.

ث‌- خطاب التبرير والاستجداء: خطاب انهزامي جبري يسيطر عليه وهم المؤامرة، يبرر كل نقيصة بدعوى الحفاظ على البيضة، يأخذ تارة شكل الروحانية المخدرة وتارة أخرى شكل الفكرية الحالمة أو الحركية المستجدية.

طالع أيضا  ثلاثية في الدعوة المؤثّرة المُغيِّرة

ج‌- الخطاب “الخنفشاري”: ونقصد به الخطاب الذي يتكلم في كل شيء دون مراعاة للتخصص ودون الرجوع إلى أهل الاختصاص، فصاحبه ليس في قاموسه “الله أعلم”، ومثل هذا الخطاب كله ضرر، وفي سبب تسميته قيل إن جماعة من الأدباء زارهم رجل محتال فصيح اللسان وادعى أنه من أهل العلم فما سألوه عن مسألة إلا أفاض في جوابها ارتجالا. فقال أحدهم: نمتحنه لنعلم صدقه من كذبه، وكانوا ستة، فقالوا: ليكتب كل واحد منا حرفا ثم نجمعها فتصير كلمة فنسأله عن معناها. فكتب كل واحد منهم حرفا ثم جمعوا الأحرف فتألفت منها كلمة (خنفشار) فقالوا: أيها الأديب هل تعرف “الخنفشار”؟ فقال: نعم، هو نبات يطول إلى مقدار ذراع وله أوراق مستديرة، وفيه لبن وهو صالح يوضع في اللبن الحليب فيحسن طعمه، وتطيب رائحته. قال الشاعر: لقد حلت محبتكم بقلبي *** كما نفع الحليب الخنفشار . وله خواص طبية ونقل عن الأطباء اليونانيين منافع كثيرة لهذا النبات، ثم قال، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوضع أحدهم يده على فمه وقال: حسبك من البهتان فقد كذبت على علماء اللغة والشعراء والأطباء وتريد أن تكذب على النبي صلى الله عليه وسلم. 

5- ملامح الخطاب المتجدد

أ‌- خطاب أصيل: يستند إلى مصادر أصيلة هي الكتاب والسنة والتجربة الإنسانية.

ب‌- خطاب يستشرف المستقبل: خطاب يخرج الناس من التقوقع على الماضي ويسير بهم نحو المستقبل، مواكبا سرعة التطور التقني وحركة المجتمعات الإنسانية.

ت‌- خطاب شامل: يغطي كافة مناحي الحياة الروحية والاجتماعية والسياسية.

ث‌- خطاب لين: يعتمد الرفق والرحمة للتأثير في القلوب قبل العقول.

ج‌- خطاب واقعي: يراعي ظروف الزمان والمكان وأحوال الناس وطبائعهم.