هذا نص كلمة الأخ كاتب عام القطاع النقابي لجماعة العدل والإحسان د. مجمد بن مسعود في افتتاح المجلس الوطني للقطاع النقابي يوم 15 دجنبر 2018.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام الأكملين الأجملين على رسول الله وآله وصحبه وإخوانه وحزبه.

أخواتي، إخواني أعضاء المجلس الوطني للقطاع النقابي لجماعة العدل والإحسان.

 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ومرحبا بكم، وجزاكم الله خيرا على ما تكبدتموه من تعب السفر للحضور والمشاركة، وجعل الله هذه الخطوات والجهود تقربا إليه، وتوددا إليه، وتحببا إليه، وتعبدا له بعبادة الدفاع عن المستضعفين والمقهورين والمحكورين، وعبادة الحض والحث على طعام المساكين، ودخل العمال والموظفين والفلاحين، وحماية عرقهم وعملهم وجهودهم حتى لا تكون الثروة دولة وحكرا على أيد دون غيرها. ذلك أن إقامة العدالة الاجتماعية جزء من إقامة العدل الذي أمر الله تعالى بإقامته بقوله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان.

أحبتي الأكارم،

نعقد مجلسنا الوطني هذه السنة تزامنا مع إحياء الجماعة للذكرى السادسة للوفاء، وهو موعد سنوي نجدد فيه العزم والنية على الثبات في درب السلوك الإيماني اقتحاما للعقبة طلبا لوجه الله تعالى ونيل رضاه، وتحصيل المراتب الإيمانية الإحسانية السنية في ظلال الصحبة والجماعة والذكر والصدق، وباقي الخصال العشر الملخصة للمنهاج النبوي. ونجدد النية والعزم أيضا على حمل مشعل التدافع مع الظلم والقهر والاستبداد والفساد اقتحاما للعقبة السياسية والتاريخية للأمة تحريرا لإرادتها ومبادرتها لتقيم النموذج الناجح للبشرية جمعاء. قال ربنا تعالى: كنتم خير أمة أخرجت للناس الآية.

ومجلسنا الوطني تأكيدا هو حلقة في سلسلة المسار التغييري المنشود.

إخواني، أخواتي،

إن العمل النقابي هو ثمرة اجتهاد بشري حاول الإجابة عن سؤال حارق طرح نفسه يوم أصبح العمل جماعيا ومنظما، هو كيف يمكن للشغل أن يصبح سلطة تحقق التوازن العادل بين السلطتين؟

– سلطة الرأسمال التي تميل إلى الاستفراد بالربح والثروة إلى أقصى الحدود، مما يؤدي إلى استعباد الأدمغة والأيدي العاملة، وهضمها حقوقها؛

– وسلطة الحكم التي غالبا ما تتحالف مع السلطة الأولى، فتمكنها من رقاب الشغيلة من خلال ما تسنه من قوانين وسياسات عمومية، وعبر ما تملكه من آليات للاحتواء والضبط والقمع، ثم باعتبارها مشغلا أيضا.

طالع أيضا  القطاع النقابي للجماعة يعقد مجلسه الوطني 18

لقد تطور العمل النقابي في الدول الديموقراطية بفضل تضحيات عظيمة بذلت، فأمسى العمل النقابي حقا واجب على الدولة حمايته، لا منحة تمن بها السلطة على من يتزلف إليها وتمنعه عن المعارضين لها. واستطاع العمل النقابي أن يرصد مكتسبات مهنية واجتماعية كبيرة حققت قدرا مهما من العدالة الاجتماعية والأمن الاجتماعي.

لكن في ظل تعميم النموذج العولمي الواحد، وتوحش اللبرالية الجديدة المنتشية بإدارتها لعالم وحيد القطب، وفي ظل تحكم المؤسسات المالية الدولية في القرار الاقتصادي وعبره السياسي للدول من خلال توصياتها، وحمايتها للشركات الاقتصادية الكبرى العابرة للقارات على حساب الطبقات الاجتماعية المتوسطة والهشة، وعلى حساب البيئة وشروطها، وعبر دفع الدول إلى مزيد من التقشف في الإنفاق الاجتماعي، والتخلي التدريجي عن واجباتها الاجتماعية (كالتقاعد والحماية الاجتماعية، والصحة والتعليم العموميين، والسكن…)، وفي ظل تعدد أنماط الشغل، وتراجع الخلفية الإيديولوجية المؤسسة للعمل النقابي بعد سقوط النموذج الشرقي… كل هذه السياقات وغيرها رسمت ملامح أزمة العمل النقابي الراهن، فأمسى يعيش فترة صعبة جدا؛ لاسيما ضعف النقابات في تأطير الشغيلة وتراجع قدرتها على الدفاع عنهم في وجه الهجوم النيوليبرالي المتوحش والمحمي من الأنظمة السياسية.

إن الحاجة إلى العمل النقابي هي اليوم أشد من ذي قبل! لاسيما في الدول السلطوية حيث غياب الديموقراطية، ثم إن الظلم والإقصاء الاجتماعيين محركان قويان ومتجددان للاحتجاج والمطالبة والنضال التحرري، ولا يمكنه إلا أن يكون كذلك.

إن حالة العمل النقابي في بلدنا لا تخرج عن هذا التوصيف العام، ويمكن سرد بعض تجليات أزمته في خمسة عناصر:

1- ضعف التبطيق والتأطير النقابي، وتراجع عدد المنخرطين؛

2 – تشتت الصف النقابي؛ حيث عشرات النقابات يضيع الكثير من جهودها في الصراعات الهامشية وشراء الولاءات؛

3 – غياب الديموقراطية الداخلية سواء على مستوى اتخاذ القرارات أو اختيار القيادات؛

4 – فقدان النقابات المبادرة النضالية، وعجزها منفردة ومنسقة- في وضعها الحالي ونستحضر هنا تجربة تدبير ملف التقاعد- عن قيادة فعل نقابي قوي؛ هذا في الوقت الذي تعرف فيه المكتسبات والحقوق المهنية والاجتماعية والنقابية هجوما كاسحا غير مسبوق. 

طالع أيضا  ربورطاج المسيرة الوطنية للكونفدرالية نحو مدينة طنجة (فيديو)

5 – تغول يد المخزن في تدجين العمل النقابي وشراء ذمم البعض، والتضييق وتسليط القمع على البعض الآخر؛

وأكتفي في هذا السياق، بإثارة انتباهكم إلى ثلاثة أمثلة باقتضاب: أولا الإضراب العام لم يعد يشكل آلة ضغط قوية كما كان، والمسيرات الوطنية للمركزيات النقابية لا يحضرها غير مئات فقط في مدينة عمالية كالدار البيضاء، وثالثا تدني نسب المشاركة في الانتخابات المهنية بشكل فضيع، إن هذه الأمثلة وغيرها مؤشرات خطيرة صارخة!

في هذا السياق، نطرح السؤال المتجدد: ما العمل؟

إن هذا السؤال المحوري من الأسئلة التي ينبغي استعراضها في جلسات الحوار مع الفاعلين النقابيين والسياسيين، بحثا عن إجابات جمعية جامعة، وسأحاول أن استعرض فيما يلي بعض المداخل الرئيسة للنهوض بالعمل النقابي ليقوم بأدواره:

1- إن مطالب إرساء الديموقراطية الداخلية، والتشبث بجماهيرية المنظمات النقابية، ونبذ الانفراد والإقصاء على أساس إيديولوجي ومصلحي وسياسي، والتحصن خلف استقلالية المنظمات في تنظيمها وقرارها مطالب لا مستقبل للنقابة بدونها، وهي بالنسبة لها مسألة حياة أو موت؛

2- إن مقترح “الجبهة النقابية”، الذي ما فتئنا نذكر به في كل مناسبة، ما زلنا نراه صالحا ومناسبا، ومن شأنه أن يجمع الشتات ويقوي الصف النقابي المناضل، ومن شأنه متى صدق القصد أن يحقق التعبئة الجماهيرية القوية التي هي شرط وجود لأي عمل وفعل نضاليين؛

3 – إن طبيعة الأشياء كما خلق الله تعالى الكون عليها تكره الفراغ، وإذا لم تقم النقابات بأدوارها التأطيرية النضالية التدافعية فإن الشارع لا ريب يستعيد مبادرته النضالية. ولقد عشنا خلال العشرية الأخيرة نموذج حراك الربيع العربي، وارتداداته في المغرب كحراكات الريف وجرادة وغيرها، ونتابعها اليوم عن كثب تجربة السترات الصفر في فرنسا، وحراك الشارع البلجيكي، وحراك “قانون العبودية” بالمجر وغيرها.

 إن الحراك الاجتماعي الميداني لا ينبغي أن ينصب نفسه خصما للعمل النقابي وباقي مؤسسات المجتمع المنهكة، فيضيع جهوده وينحرف عن قصده، بل ينبغي أن يسهم في تحريره وتقويته واحتضانه في جبهة اجتماعية موسعة، لعله يستعيد وهجه الجماهيري النضالي التحرري مستقبلا، وتلك خدمة سياسية اجتماعية مهمة للمستقبل؛

طالع أيضا  ذ. لحرش: المجلس الوطني كان فرصة لمناقشة المستجدات بهدف رسم أفق نضالي يستجيب لمطالب الشغيلة

4- إذا كانت المركزيات النقابية تراجعت نضاليا، فإنه بالمقابل تصاعد بشكل ملموس عمل التنسيقيات القطاعية والفئوية ومعاركها الموحدة، ونذكر على سبيل المثال لا الحصر: تنسيقيات ضحايا الزنزانة 9، والأطباء، والممرضين وتقنيو الصحة، والتقنيين، والأساتذة المتعاقدين، وتنسقية الدكاترة، وحملة الشواهد في مختلف القطاعات، وبالموازة الأساتذة المتدربون، والأطباء الداخليون والمقيمون واللائحة طويلة…

إن هذا النضال القطاعي والفئوي ينبغي أن يقوى ويتجذر وينفتح على بعضه بعضا في إطار التشبيك والتنسيق النضالي، بما يفرض على القيادات النقابية الاستجابة للخط النضالي الصاعد، وبما يسهل عملية إعادة صياغة الحركة النقابية الموحدة من جديد؛

5 – إن حملة مشعل التغيير الحقيقي مطالبون بالحضور النقابي الفعال في التعبيرات النقابية المختلفة التي تحتضن الممارسة النقابية والمهنية، وفي المعارك النضالية، وفي المبادرات النقابية الجادة دعما ومشاركة واقتراحا دون انفراد ولا أثرة ولا إقصاء، وانفتاحا على الجميع محليا وجهويا ووطنيا، بما يسهم الى جانب المناضلين الشرفاء في تقوية العمل النقابي للقيام بالأدوار المنوطة به.

وكما تلاحظون، فإننا اخترنا لهذه الدورة شعار الحضور الفعال والانفتاح والمبادرة للتأكيد على أهمية هذه الواجهة. وفقنا الله تعالى لكل خير.

أخواتي وإخواني،

إلى جانب هذه المداخل الرئيسة والمسارات المهمة، أختم كلمتي بخمس خطوات أراها مستعجلة:

1- ضرورة تشبيب القاعدة والقيادة إعدادا لمن يحمل المشعل؛

2- الاهتمام بالمرأة العاملة، وحسن تأطيرها بما يتوافق وخصوصياتها؛ وهي التي تحتل نسبة مهمة من اليد والأدمغة العاملة؛

3- الاهتمام بالتكوين النقابي الرصين للرواحل من المناضلات والمناضلين، فهم حملة المشعل وقادة الفعل؛ سواء بشكل مباشر أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي أمست أداة للتعبئة والتواصل والتثقيف…

4- ترشيد الجهود وتثمين المجهودات التي تبذل حتى لا تضيع أدراج الرياح؛

5- ترسيخ اليقين، المصحوب بالإيجابية العملية، بأن الله ناصر المستضعفين وهالك المستكبرين، وأن غدا لناظره قريب وهو للساعي إليه أقرب، وأن الله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

السبت 15 دجنبر 2018، سلا.