افتتحت الندوة التي نظمتها جماعة العدل والإحسان بالدار البيضاء، اليوم السبت 22 دجنبر 2018، تحت عنوان: “المغرب: عمق الأزمة وسؤال المستقبل”، بكلمة للجماعة ألقتها الأستاذة أمان جرعود، عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية للجماعة، هذا نصها:

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد طه الأمين وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه.

السيدات والسادة الأفاضل، ضيوفنا الكرام، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

أحب أن أستهل حديثي هذا بتقديم عبارات الشكر الوفير لكم جميعا فردا فردا على تلبية دعوتنا ومشاركتنا أشغال هذه الندوة التي اختير لها عنوان “المغرب: عمق الأزمة وسؤال المستقبل”، هذه الندوة التي تعقد اليوم في سياق فعاليات الذكرى السادسة لرحيل الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمة الله عليه، مناسبة آثرنا أن نجعلها عنوان وفاء متجدد؛ نجدد فيها أواصر المحبة والصلة القلبية وقد تعلمنا معه أن الصلة لا تقطعها برازخ الموت، ونجدد فيها الصلة مع ما خلفه الرجل من أعمال عظام استوت على سوقها مشروعا متكاملا، جمع بين الفكرة والهمة، وزاوج بين غزارة القلم وبناء الأثر فجعل من علمه إماما للعمل.

أيتها السيدات والسادة:

تطل علينا الذكرى السادسة ولا صوت يعلو فوق صوت العنف والكراهية، وتتسارع الأحداث من حولنا وشعوب المنطقة، ونحن منها، لا تزال تنزف بين مطرقة استبداد يزداد تغوله يوما بعد يوم، وسنداد استكبار محكوم بمصالحه ولو أحرق لأجلها الأخضر واليابس.

هموم كبرى تؤرق كل ذي ضمير حي، كما أرقت الإمام من قبل، فسكن همّ الإنسان كل جوارحه، هذا الإنسان الكادح المقهور المعذب في الأرض، كيف السبيل لحفظ كرامته؟ كيف السبيل لصون آدميته وإنسانيته؟ كيف السبيل لرعاية حقوقه؟

واصل الرجل جهد الليل والنهار تفكيرا وتنظيرا وتأطيرا. فكتب في مجالات شتى: كتب في التربية والدعوة والسياسة والفقه والاقتصاد و… وكتب لأصناف شتى، فخاطب الدعاة، والسياسيين، والعلماء، والملوك…

طالع أيضا  منهاج التربية عند الإمام المجدد على المستويين العلمي والعملي

اعترف لذوي الفضل بفضلهم ولو خالف بعضهم في القراءة والتقدير، وظلت يده مبسوطة للجميع، وفكره منفتحا على الجميع دون مركب نقص ولا أستاذية متعالية.

وبقدر إيمانه بأفكاره ودفاعه عنها مصارحة ومكاشفة ووضوحا ظل رحمه الله مؤمنا بالحوار داعيا له؛ اعترافا بالآخر، وبحثا عن سبل الالتقاء ومساحات المشترك وإمكانات التوافق. ومؤمنا أيضا بأن الإقصاء والتعصب والتطرف لا يصنع إلا الخراب، فالصفحات المشرقة من التاريخ صنعها الحكماء المعتدلون وكذلك المستقبل المشرق بإذن الله لن يصنعه إلا الحكماء المتزنون المعتدلون.

ولمح الإمام وصرح في غير ما مرة أن حجم الإفلاس الحاصل لن يقوى عليه إلا الهم الجماعي والجهد الجماعي، به يُرصّ صف الممانعة ويقوى على مجابهة الفساد والاستبداد والانتصار لمطالب العدل والحرية والكرامة، معتبرا هذه المطالب التي يرفعها الفضلاء الديمقراطيون هي في أصلها مطالب قرآنية وجوهر الرسالة المحمدية، فأعلنها واضحة صريحة أن “في أذن الجائع لا يسلك إلا صوت يبشر بالخبز، وفي وعي المقهور المحقور لا يتضح إلا برهان الحرية”.

نفس قوي ذاك الذي صاغ به أفكاره في وضوحها ونصاعتها وشجاعتها، لكنها قط لم تحد عن منهج الرفق ونفس الرحمة رغم كيد الليل والنهار، فما كان منه إلا أن نادى بعمران أخوي يُبنى على قيم المحبة والرحمة والرفق بالإنسان ومحيط الإنسان، قيم تجبُّ علائق القهر والعنف والاضطهاد التي ترسبت في مجتمعات الكراهية، بها وحدها نحصن إنسانية الإنسان أن تعدو عليها عوائد الأنانيات والنفسيات المنحرفة عن الفطرة التي فطر الله الناس عليها.

حضورنا الكريم:

لا تسعفنا هذه الدقائق القليلة في إنصاف الرجل وإماطة اللثام عن مشروعه التجديدي، وحسبنا هذه الإشارات والشذرات نذكر بها بعضا مما أجراه الله على يديه، وإلا فمشروع الرجل متاع لكل مهتم ليفيد ويستفيد، فما كان الإمام ملكا لجماعة العدل والإحسان وحكرا عليها بل نحسبه ملكا لهذه الأمة وللإنسانية جمعاء.

طالع أيضا  الأساس التربوي في فكر الأستاذ عبد السلام - مكوناته ومقاصده

أيتها السيدات الفاضلات والسادة الأفاضل:

أجدد الشكر للجميع؛ لكل من حضر ولبى الدعوة وأوجد لها حيزا وسط انشغالاته والتزاماته، نكبر فيكم هذا الحرص على بناء جسور الصلة وتمتين أواصر التعارف، وكلنا أمل أن تكون هذه الندوة ومثيلاتها لبنة من لبنات البحث عن المشترك وبنائه.

وستظل أبوابنا مفتوحة لكم ولكل غيور من بنات وأبناء هذا الوطن، وستظل قلوبنا مفتوحة قبل أبوابنا ترد التحية بمثلها أو بأحسن منها.

رحم الله الإمام عبد السلام ياسين، ورحم كل من بذل جهده ووقته وعمره نصرة للمظلومين ودفاعا عن المستضعفين وانتصارا لكل قضية عادلة وحق مشروع.

وخير ما أختم به كلمات أقتبسها من كلام الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله يقول فيها: “نمدّ لكم اليد أيتها النفوس المتآخية في الإنسانية مهما كانت اعتقاداتكم، ما دامت الرحمة الإنسانية والمحبة لبني البشر تنعش قلوبكم وأعمالكم، إننا وسنبقى دائما على استعداد، وكلنا عزم وثقة في رحمة الله عز وجل، لمد اليد إلى الرجال والنساء ذوي الإرادة الطيبة والاستعداد النبيل، سنبقى كذلك حتى نعقد ميثاق عدم الاعتداء على الإنسان وعلى كرامة الإنسان، ميثاق رفق شامل بالإنسان وبأمن الإنسان، ميثاق رفق فعال ونشيط وباذل.

إننا كذلك حتى نقضي على الإقصاء والحقد العنصري واحتقار خلق الله عز وجل والعنف على الإنسان والوسط الحيوي للإنسان..

رحم الله الإمام والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.