أجرى موقع الجماعة نت حوارا مع الدكتور مصطفى شـــكٌري حول كتابه الذي صدر مؤخرا عن “مؤسسة الإمام عبد السلام ياسين” تحت عنوان: “من أجل تعليم يحررنا -التربية والتعليم في المشروع المجتمعي للإمام عبد السلام ياسين”. وفي ما يلي نص الحوار الكامل تعميما للفائدة.

1. ما هي الدوافع التي حفزتك لتأليف كتابك وتسليط الضوء على التربية والتعليم في المشروع المجتمعي للإمام عبد السلام ياسين؟

يسرني بدءا أن أشكر لكم هذه الاستضافة، وأنتهز الفرصة للترحم على الإمام السيد عبد السلام ياسين؛ فرحمه الله رحمة واسعة شاملة بما ربى وبما علم وبما بذل من جهد العمر والعلم في سبيل تبليغ دعوة الله ودعوة المعلم الأعظم سيدنا محمد صلى ربنا عليه وسلم.

بالنسبة لسؤالكم عن دوافع تأليف هذا الكتاب، فعلاقتي بالتعليم علاقة قوية بحكم الانشغالات المهنية والعلمية، وعلاقتي بالتعليم عند الإمام عبد السلام ياسين أقوى. والكتاب كان فكرة قديمة شيئا ما؛ ابتدأت بمقالة تناولت رسالة التعليم بين الواقع والممكن، ثم تطورت في سياق اهتمامي بفكر الإمام عبد السلام ياسين، حتى إذا جاء المؤتمر الثاني الذي أشرفت عليه مؤسسة الإمام عبد السلام ياسين في 16 و17 من يناير سنة 2016 بتركيا، والذي عرض لموضوع التغيير في نظرية المنهاج النبوي شاركت بدراسة تناولت قضية التربية والتعليم في المشروع التغييري عند الإمام. وقد اقترحت المؤسسة المنظمة إعادة نشر الدراسة في شكل كتاب بعد تنقيحه، وهو ما يسر الله الاستجابة له، فأعدت النظر في البحث بما جعله صالحا أن يستوي على سوقه كتابا مستوفي الشروط العلمية والمنهجية. وقد شرفتني المؤسسة فتفضلت بنشر الكتاب ضمن عملها البحثي الأكاديمي. ولعل هذا ما شكل السياق العام الذي أطر تأليف الكتاب وطبعه. وتبقى الدوافع العميقة المحفزة للكتابة عن التعليم عند الإمام كثيرة تجد مشروعيتها وراهنيتها في اعتبارات جمة: بعضها مرتبط بأهمية قضية التعليم في حياة الأمم، وبعضها في شخصية الإمام عبد السلام ياسين رجل التربية والتعليم الخبير المتقن بامتياز، وبعضها متعلق بالتصور العام الذي يقترحه الإمام للتغيير المجتمعي والمكانة المعتبرة التي تحتلها القضية التعليمية التربوية في نسق وسياق هذا المشروع رصدا تاريخيا، وتحليلا واقعيا واقتراحا مستقبليا.

2. لعل كتابك كان فرصة للاطلاع على أدبيات الإمام رحمه الله وعلى قضية التربية والتعليم بالذات، من خلال هذا الاطلاع ما هو حظ التآليف التربوية في أدبيات الأستاذ المرشد رحمه الله؟

الإمام عبد السلام ياسين موسوعي التفكير، غزيز التآليف، وهو رجل التربية والتعليم الذي خبر القطاع على مدى سنوات طويلة، وهو رجل دعوة كانت حياته كلها تعليما وتوجيها وتربية ونصحا وإرشادا، فلا غرو أن تحتل قضية التعليم في فكره ومكتوباته مساحة واسعة من التفكير والتحليل والنقد والاقتراح. وبحكم وظيفته التي ترقى خلالها في مختلف مسالك التدريس والتدبير في المجال خص المجال التربوي الصرف بجملة من التآليف التي كانت متميزة في زمنها وحتى بعد زمانها، بحكم أنها كانت مدعومة بخلفية معرفية مطلعة على النظريات التربوية في مظانها الأصيلة وسياقاتها المنتجة لها وبلغاتها الأجنبية الأصلية، وبالنظر إلى معالجتها لقضايا تربوية وديداكتكية بنفس يستحضر النسق التربوي المغربي، وكذا بولوجها لمجال التطبيق العملي من خلال الدروس التطبيقية وعبر الـتأليف المدرسي. وهو ما مكن من تقديم مادة نظرية وعملية شكلت المضمون الذي متح منه رجال التربية والتعليم، وتلاميذ المدرسة المغربية لعقود كثيرة تلت فترة ما بعد استقلال المغرب. ولولا الحصار الظالم الذي ضرب على الرجل بحكم مواقفه الدعوية والسياسية لوجدت تصوراته ومقترحاته مجالها في توجيه سيرورة إصلاح التعليم بالمغرب. يكفي هنا أن نمثل لهذه التآليف التربوية بما كتبه في المجال البيداغوجي والتأطيري والتوجيهي على النحو الذي نجده في المؤلفات التالية: “كيف أكتب إنشاءا بيداغوجيا” (1962)، و“مذكرات في التربية” (1963)، و“النصوص التربوية” (1963). وبما أنشأه من كتب مدرسية ك“المطالعة الجديدة” للمدارس الثانوية، وك“الحساب الجديد” وهو كتاب في الرياضيات الجزء 4 ويخص القسم الثاني وذلك سنة 1966. دون أن ننسى الإبداعات الأدبية التي أودعها القصص المدرسية بالاشتراك مع آخرين وذلك في الستينيات من قبيل (مؤتمر الوحوش) و(الهراوة السحرية) و(الفلاح الساحر).

3. تحدثت في مقدمة الكتاب عما راكمه الإمام المجدد من معارف في علم النفس وفي الفكر التربوي وخبرات في المجال التعليمي ودراية بتحدياته الكبرى، جعل تطرقه إلى الموضوع في سياق مشروعه التغييري حديثا ذا صدقية وواقعية وأفق رحب وواضح. ولا شك كذلك أن ما حصله من علم ومعرفة وخبرة في مجال التربية الروحية زوده بالمعرفة اللازمة بهذا الإنسان الذي يراد تغييره إلى الحسنى. وقد أسهبت في كتابك في هذا الموضوع خاصة في الفصل الأول منه وبالذات في فقرة “التربية والتعليم: توازن القلب والعقل والإرادة”، إلى أي حد استطاع الإمام التوفيق بين القضيتين؟

من المهم الانتباه إلى أن الخلفية المعرفية الرصينة للفكر التربوي عند الإمام عبد السلام ياسين، هي مدعومة بالممارسة التطبيقية للعملية التعليمية التعلمية الصفية تدريسا وإشرافا وتأطيرا وتدبيرا وكتابة وتأليفا. بيد أنه تلزم الإشارة وينبغي التأكيد أن تمازج هذه الخلفية المعرفية وتلكم الممارسة الميدانية وإن كان له أثره وتأثيره الكبيران في بناء الشخصية الشامخة السامقة للإمام عبد السلام ياسين فإن ذلك التمازج ليس الحاسم في نظري في التركيبة التربوية النفسية لشخصية الإمام. ذلكم أن الحسم إنما يعود بعد سابقة ألطاف الله الخفية ووهبه اللدني إلى التجربة الشخصية للإمام في سعيه الدؤوب إلى معرفة الله، وهي التجربة التي مكنت الإمام من خبرة في إمكانات النفس البشرية وسبل تنقيتها وترقيتها صعدا إلى ذرى الإحسان متى تحققت ثلاثية المعادلة التربوية التي تشكل بلغة الإمام في كتابه شعب الإيمان الشروط المخبرية الثلاثة اللازمة لتغيير ما بالإنسان ليتغير ما حوله: صدق الداعي وتصديق المدعو وترديد الكلمة الطيبة. هذه التجربة الشخصية، وذلكم الاطلاع العلمي والعملي العميق مكن الإمام من طرح تصور تربوي متكامل لتغيير الإنسان، يقوم على التأسيس لمعنى متجدد لمفهوم التربية يقوم، كما تبدى لنا في مكتوبنا هذا، على كون التربية مجموع العمليات القلبية التغييرية للإنسان قلبا وعقلا وإرادة عبر تجديد الإيمان في القلوب من خلال صحبة دالة على الله وجماعة مجاهدة في سبيل الله، وذكر لله وصدق مع الله، وهو معنى جعل التربية تتميز بخصائص أساسية تجعلها تربية نبوية أصيلة، شاملة متكاملة، جهادية متدرجة، متوازنة وسطية، مستقبلية، علمية عملية، تغييرية جمالية. ومن هذا المعنى نستفيد دلالة أخرى للتربية في مجالها التعليمي التلقيني يستقي من المعنى الروحي القائم على العلاقات القلبية بين المربى والمربي، أي بين المصحوب والصاحب بما يشع من قلب المصحوب المعلم الدليل من نورانية الإيمان، وحكمة العقل، ومثال القدوة من معان يكون لها أثرها البالغ في التلميذ المربي الصاحب محبة وتوجيها وتعليما ونصحا. يجمع الإمام بين التربية والتعليم بين التهذيب النفسي والمعارف العلمية والكفايات، بين مقتضى القلب والوجدان ومتطلبات العقل والتفكير وحاجيات الجسم والحركة. لقد حل الإمام معضلة كبرى في تاريخ الفكر الإسلامي هي معضلة سبيل تحقيق التوازن بين العقل والقلب والإرادة.

طالع أيضا  د. أمكاسو: التربية الإيمانية الإحسانية قضيتنا الأساس

4. تستهدف التربية والتعليم الإنسان لتأهيله التأهيل اللازم لعمارة الأرض، كيف تناول طرح الإمام لهما -أقصد التربية والتعليم-في سياق مشروعه المجتمعي الكبير؟

 كتبنا في بحثنا هذا أن الأصل في معنى التغيير عند الإمام قائم على تغيير ما بالنفس ليتغير ما حول النفس، فمداره قائم على استهداف الإنسان تحريرا له ليكون عبدا مخلصا في العبودية لله، وتأتي التغيرات الأخرى في المجتمع والسياسة والاقتصاد لتكون تبعا لهذا المعنى الأول. وعليه فالتغيير المنشود عند الإمام كما يقول في إمامة الأمة ص86: “تغيير يدور حول الإنسان، ويخدُم غاية تحرير الإنسان من كل عبودية، ليدخل في العبودية لله عز وجل”. وهذا هو التغيير الجذري الذي هو الحاسم في العملية التغييرية لما تكون العمدة فيه، والمدار فيه على تهمم الإنسان “بقضية القضايا، المنسية المكبوتة في الزوايا، قضية مصير العبد إلى ربه”. كما يورد الإمام في تنوير المومنات ج1 ص4، وعليه فلا معنى لتغيير: “لا يتناول جوهر الإنسان ولا يصله بروحانيته ولا يصله بالغيب ليطمئن قلبه بذكر الله” إذ لن يصل إلى غاية”. كما جاء في الإسلام غدا ص 212.

في هذا الصدد أكدنا في بحثنا هذا أنه عن هذا المعنى العام للتغيير ينبثق معنى خاص يرى أن إصلاح التعليم وتغييره التغيير الجذري يجب أن يجعل وكده تربية المتعلم أولا وأخيرا، إذ التغيير عند الإمام في عمقه يحتاج إلى تربية والتربية تحتاج إلى أجيال، التربية أولا ووسطا وأخيرا، وبينا أنه لما كان من أهداف وغايات المشروع المجتمعي التغييري للإمام تربية الإنسان وتشييد العمران الأخوي، ولما كان من “مهام التربية والتعليم في الغايات الكبرى المقصودة المرسومة في مختلف الأنظمة التربوية التعليمية إعداد المواطن الإنسان الصالح للمجتمع، والقادر على الحياة في هذا المجتمع من خلال اكتساب الكفايات والقيم الضامنة الخادمة لهذه الحياة، يكون مجال التعليم أداة رئيسية في تأسيس المشروع المجتمعي المختار وركيزة كبرى من ركائز دعم بنيانه ورفع أعمدته لتحقيق المطلوب فلا غرو أن يوليه الإمام عبد السلام ياسين مكانة الصدارة، و أن يجعله من أولى أولويات التغيير للنهضة المجتمعية الشاملة”.

5. تؤكد في كتابك، خاصة في الفصل الثالث “مداخل التغيير وآفاق التحرير”، أن التعليم عند الإمام هو السبيل الموصل للسؤدد وللعزة وللحضور في الصراع العالمي، كيف ذلك؟

التعليم عنصر حاسم في أي تقدم علمي وازدهار تنموي، ولم يعد أحد بل لم يحصل أن شكك العقلاء في دور العلم والتعلم في بناء المستقبل للبلاد والعباد، ولعل الأمر يزداد ترسخا مع التطور العلومي الهائل الذي جعل من إبداعات المادة الرمادية جوهر الصراع العالمي الآني والمستقبلي، ومن المعرفة المجال الكبير لتصريف صراع الكبار نحو قوة تطويع الطبيعة والسيطرة على مقدراتها خاصة في سياقات العولمة والقرية الكونية الصغيرة. يقول الإمام معبرا عن هذه الأفكار في كتاب العدل – الإسلاميون والحكم: “وأعظم ميدان للمواجهة ميدان التربية والتعليم، ذلك الذي فيه يتقرر المستقبل، وعلى نتائج غرسه يتوقف مصير الأمة”. امتلاك المستقبل مستقبل القوة والكفاية اللازمتان للعيش في العالم الآتي رهين كما قلنا ذلك في ثنايا الكتاب بتربية تحفظ للإنسان كيانه، وبتعليم جيد يضمن للجماعة فرص الارتقاء العلمي والرقي الاقتصادي على أرضية مبنية على إرادة تحرر سياسي ورؤية مجتمعية واضحة المنطلقات والمآلات. في سياقنا المغربي لن يمكن تحقق هذا إلا بشروط أربعة: أولها: تحقيق تحول مجتمعي عام جذري لا يعزل التعليم عن فضاء المجتمع وإشكالاته؛ يقول عبد السلام ياسين في كتاب الإسلام غدا: “ولسنا نرجو تحسنا لجهاز التعليم ولا رفعا لإنتاجيته بغير التحويل الجذري الذي يقلع البلاء من أصله، فليس التعليم دولة وحده مستقلة، ولا يمكن أن يختص التعليم بوظيفة التغير عن العوامل الشمولية”، وثانيها: فك رقبة التعليم من قبضة الاستبداد السياسي ليعود إلى كنف الأمة، وثالثها فك الارتهان بالتغريب وبالمؤسسات الدولية المانحة قصد تحقيق استقلال القرار التربوي، ورابعها ابتكار نموذجنا التعليمي الخاص المؤسس ل“مذهب تعليمي يجسد صورة لنفسه لا مسخا لغيره“، ويؤدي وظيفة “التحرير” لا “التسخير”.

طالع أيضا  العدل والإحسان تخلد الذكرى السادسة لرحيل الإمام عبد السلام ياسين.. البلاغ والبرنامج

6. تعتبر التكوين والبحث العلمي من أهم ما يستند عليه أي مشروع تربوي تعليمي في أي أمة قوية، ما هي الحظوة التي حظيت بها هذه العلوم في مشروع الإمام التغييري؟

 يرى الإمام عبد السلام ياسين أن “مفتاح التنمية بكل معانيها ومجالاتها وعلى كافة الأصعدة رهين بتوطين العلوم والتدرب على العمل. وباكتساب الخبرات وتشجيع الإنتاج”، ويرفع هذه الأهمية ليجعلها في مستوى المعركة الحاسمة، يقول في كتاب الاقتصاد الإسلامي: و“إنها معركة حاسمة، معركة انتزاع العلوم والخبرة من مخالب قوم شحيحين بها، غيورين عليها، ولن يمكننا بناء حضارة إسلامية ولو بلغ كم المواد الخام وعدد الأيدي العاملة والمال الموفور ما بلغ بدون المواهب العلمية والمهارات العلمية والتدبير الإداري والتنظيم المتخصص، وإنه إخفاق فظيع للقومة بدون صناعة، وإنه حلم تافه أن ترفع أبراجا معدنية مستوردة على ركام من بلادة الأدمغة وبداوة الحس”. والمجال الاساس باكتساب هذه المعركة وربحها هو مجال البحث العلمي، وعليه يرى عبد السلام ياسين في هذا الصدد أن علوم الكون عند الإمام المجدد “قوة”. و“التربية العلومية جهاد كبير”. ويتحدث هنا عن مستويات ثلاثة في التعامل مع هذه العلوم: الاكتساب، الترويض، التوطين. ومن أجل ذلك يركز على قواعد كبرى في مجال البحث العلمي تشمل تأصيل مقتضيات الجدية مكان اللامبالاة، المسؤولية عوض العبث، النجاعة، والجدوى العلمية، كما تضم ضرورة الجمع بين المعارف النظرية والتطبيقية المراعية لسوق الشغل، إلى جانب استحضار ترابط وتكامل وانسجام معايير الفاعلية الإنتاجية، ومعايير المقتضيات الإيمانية الروحية التي توجه العمل البحث العلومي لخدمة الإنسان لا لتدمير العالم. لا ينسى الإمام هنا التأكيد على أهمية الإنفاق السخي على البحث العلمي وعلى ترتيب جهود كبرى لاسترجاع الأدمغة المهاجرة وعلى احتضان الطاقات وتوفير الأجواء القمينة لاشتغالها، وعلى تطويع التكنولوجيا المعاصرة لتحقق أهداف التنمية العمرانية.

7. تحدثت في الفصل الرابع من الكتاب عن مضمون التعليم ومنهاجه، والعنوان يحيل على الحديث عن القيم، فما هي في نظرك أهم القيم التي اعتمدها الإمام رحمه الله في طرحه لقضايا التربية والتعليم؟

في المجال القيمي يقف الإمام في أطروحاته التربوية كثيرا عند التردي الكبير للقطاع التعليمي وعند تفشي مظاهر الفساد الخلقي من رشوة وزبونية وبيروقراطية. كما يقف عند التدهور العام للعلاقات التربوية بين رجل التعليم وبين المتعلمين. ولقد تحدث بأسى كبير عن قصة فساد التعليم بنية ومضمونا حتى لقد قال في كتاب الإسلام غدا أي منذ السبعينيات: “ولا تسع الأوراق قصة فساد جهازنا التعليمي، وهو جزء ضئيل جدا من الداء العياء الذي ينخر جسمنا… جهاز التعليم في بلادنا جسم غريب مستورد، وآلة لتفقير البلاد ومسخ العباد… ويزيد الطين بلة أن المدرسة منعزلة بشكلها ومحتواها عن الأمة، ومنعزلة أيضا عن الأجهزة الإعلامية“. لذا يرى أن إحدى الأولويات المستعجلة في المجال إعادة بناء هذا القطاع من جديد على أسس صلبة تقوم بتطهيره من جراثيم التغريب وفلسفات الإلحاد، ولعل من المطالب التي جعلها على رأس ما ينبغي التعجيل به إعادة الجدية للمؤسسة التربوية لتكتسب حرمتها وقدسيتها، وإعادة ربط فضاء المدرسة بالتحول القيمي الشامل للمؤسسات الإعلامية ولمؤسسات الدعوة والدولة جميعا لينشأ الاتساق والانسجام بين مختلف مجالات المجتمع ولتؤدي المدرسة وظائفها التربوية والقيمية والثقيفية في نسق واحد مع مؤسسات التنشئة الاجتماعية الأخرى. في هذا الصدد يدعو الإمام إلى إعادة ترتيب العلاقات التربوية بين المعلم والمتعلم على قواعد المحبة والرحمة والتوقير والتبجيل، وإلى اختيار المعلمين وفق معايير صارمة تراعي الجانب الإيماني الخلقي، وتتجنب عقلية الأجير صاحب الحوالة المغيب للرسالة.

8.  في الفصل الرابع نفسه تحدثت عن أهمية المضمون القرآني وعن اللغة العربية، فما هي الأسس التي يبني عليها الإمام تبنيه للقرآن الكريم واللغة العربية عنصرين حاسمين في أي مشروع تربوي تعليمي مستقبلي؟

من الغايات التي يرسمها النظام التعليمي الذي يقترحه الإمام عبد السلام ياسين بناء شخصية ممتلكة لمواصفات إيمانية متكاملة رتبها الإمام على عشر خصال عشر تشكل مبادئ كبرى موجهة هي الإيمان والاندماج في الجماعة، والصدق، والمسؤولية، والعلم والعمل، والسمت الحسن والتؤدة والاقتصاد والجهاد بمعانيه المتعددة. ومن أجل إعادة تكوين وصياغة الشخصية الجديدة للمتعلم ومسح آثار ما تركته سنوات التغريب الفلسفي المادي الشكي لا بد من الاستناد إلى ما يسميه الإمام بالبيداغوجيا القرآنية التي يقترح عبرها أن يكون المنهاج التعليمي المنظم للبرامج والمقررات والمحتويات مستمدا من القرآن الكريم ومن السنة النبوية المكرمة ليكون الوحي مصدر المضامين وروحها وريحانها. بذلك يكون القرآن أول شيء يتلقاه المتعلم ليدخل جوفه ويستقر في سويداء قلبه لتسلم فطرته فلا ينشطر العلم في وعيه، ولنؤسس جيلا قرآنيا يكون أول ما يقرع سمع الصبي الناشئ والمتعلم كلام الله الدال عليه فيباشر الإيمان قلبه فنؤسس للبناء القلبي والفكري للشخصية الإسلامية ينعكس عليها “فضل القرآن ونوره” على حياتها فتستقيم وترشدكما جاء في كتاب المنهاج النبوي ص 156. في مستوى آخر يولي الأستاذ ياسين المسألة اللغوية مكانة خاصة لما يتحدث عن كون اللغة مؤسسة سياسية كبرى تشكل الفكر والوجدان وتبني العلاقات والروابط، ولما ركز على أن أم الرغائب والمطالب إعادة العزة للغة العربية وجعلها أساس النظام التعليمي تعليما وتعلما في كل مراحل وأسلاك وأنماط التعليم وخاصة في السنوات التسع الأولى من عمر الطفل حيث تبدأ تتشكل شخصية الطفل وتنمو. ولقد قلنا في هذا الصدد ضمن هذا المكتوب «إن اللغة عند الإمام “أساس الوجود المعنوي “، و”منبع العزة”، و”مستشرف المستقبل”. وهي الباب لمعرفة الدين وتبليغ دعوة لله، وأداة “توطين العلوم”، وهي بعد “أساس الاجتهاد”. وواجب الأمة إعادة السيادة لها لتعود القوة ويعود المجد وتعود السيادة نفسها لهذ الأمة ذاتها. وسبيل ذلك كله أن تكون هذه اللغة “واحدة” “قوية” “فصيحة”. الوحدة والقوة والفصاحة في كل الميادين هي العناوين الكبرى التي بها تعتز اللغة العربية وتثبت وجودها وفاعليتها.”

طالع أيضا  أين تفرد المشروع التربوي التغييري للإمام عبد السلام ياسين؟

9. لا يمكن تصور تحقيق أي مشروع تربوي تعليمي لأهداف في غياب الاهتمام بركنه الأساسي وهو رجل التعليم، أي أهمية يوليها الإمام لرجل التعليم؟

رجل التربية والتعليم عند الإمام واسطة “عقد المنظومة” والفاعل الأساسي فيه، ولقد انتقد انتقادا شديدا الوضع العام الذي يحط من مكانة رجل التعليم، وعقلية الأجير التي انحصر فيها المعلم. وكان يرى أن “لو استقام الوضع أن يكونوا -يقصد رجال التعليم-هم نخاع الأمة” و”طليعتها” و”بعثها” لتعليم الناس ميراث النبوة والخير وتجديد الايمان. من هنا ركز الإمام على ضرورة أن يكون رجل التربية والتعليم من خيار الخيار، وأن تعتمد مواصفات صارمة في الاختيار جامعة بين الشرط الأخلاقي الإيماني والشرط العلمي المعرفي المهاري دون أن ينسى التأكيد على أهمية الشرط الاجتماعي الذي يضمن للمعلم العيش الكريم في توفير ظروف الاستواء النفسي والاجتماعي لممارسة المهمة النبيلة مهمة الدلالة على الخير. ضمن هذا الإطار يدعو الإمام إلى القطع مع التسيب الأخلاقي الذي يحكم العلاقات التربوية في المدرسة نحو علاقات الجدية والاحترام، لتكن مدارسنا يقول الأستاذ ياسين في كتاب إمامة الأمة ص 188: “مجالسا للعلم والحلم بسكينتها، المعلم فيها حامل قائد بالقرآن وأخلاق القرآن متواضع غير متعجرف. والمتعلم مؤدب متجاوز للصدام والعنف، ولا يكون ذلك بالزجر والإكراه وإنما بسيادة “الخلق القرآني لما تسود الربانية الإيمانية“.

10. التعليم باب عظيم من أبواب البناء والجهاد في دولة القرآن، ولكن كيف يكون التعليم بابا من أبواب البناء والجهاد في مراحل التربية والتنظيم والزحف؟

إن الذي يؤكده تاريخ الإصلاحات التعليمية بالمغرب الكثيرة والمتتالية والمتناقضة والمتردية، هو أن الدولة لم تكن لديها يوما الإرادة الحازمة الحقيقية في تعليم الشعب وتربيته إلا في الحدود التي تمكنها من تخريج المواطن الصالح لها ولاء لنظامها المستبد، وخدمة لأنظمتها الاقتصادية المحتوشة للمال. وعليه على القوى المجتمعية الممانعة أن تعي وعيا جيدا أن بوابة التعليم بمعناه التحريري التنويري هي المفتاح الأساسي لمجابهة دولة الاستبداد والفساد، وأن الإسهام العملي في نقض أركان الاستبداد يجب أن يتخذ من التعليم سلاحه القوي في التربية والنهوض المجتمعي القوي. هنا نستحضر أن رسالة التعليم عند الإمام عبد السلام ياسين يريدها رسالة تحريرية، تحريرا للتعليم من قبضة القرار السياسي ومن التبعية للإملاءات الأجنبية ومن الارتهان للتغريب الفلسفي الذي يقصي الهوية الإسلامية للمجتمع، ثم تحريرا للعقل وللقلب وللإرادة لينشأ جيل حر كريم قادر على ابتكار مستقبله وفق هويته وحاجياته. وبعد ذلك يأتي جهاد البناء بعد التحرير تعميما للتعليم، ومحو الأميات واستصفاء النوابغ والنابغين، وتعبئة الكفاءات والطاقات واستقلال التعليم بالإنفاق عليه وتشجيع البحث العلمي والتوطين له والاستثمارا فيه.

11. في عناوين سريعة، ما هي الخلاصات التي توصلت إليها من خلال كتابك “من أجل تعليم يحررنا -التربية والتعليم في المشروع المجتمعي للإمام عبد السلام ياسين”؟

 أجمع الخلاصات العامة التي توصلت إليها في هذا المكتوب وأسوقها كما وردت في خاتمة البحث كما يلي، وهي خلاصات تعكس تصور الإمام للتربية والتعليم غايات وأهدافا ومضامين ومناهج ولغة:

–  غاية التربية والتعليم معرفة الله عز وجل وتحقيق العبودية له؛

–  أهداف التربية والتعليم إعداد الشخصية الإسلامية ذات القوة والأمانة جوهرا المتمثلة للخصال المنهاجية صفات وسمات سلوكا وعملا؛

–  لا تربية ولا وتعليم بدون مرب، أي بدون صحبة ربانية حانية أي مركزية حامل مشروع التربية وأداتها قدوة ومثالا؛

– التربية والتعليم عملية دائمة مستمرة لا تتكفل بها جهة واحدة، بل يتداخل فيها شركاء متعددون متكاملون مكتملون (المدرسة النظامية، مؤسسات الدعوة، المسجد، الإعلام، من هنا الحديث عن مدارس لا مدرسة)؛

– مضمون التعليم ومحتواه يجب أن يستمد من الوحي القرآن والسنة لتصطبغ كل البرامج والمحتويات والمناهج بصبغة الله، ومن أحسن من الله صبغة؛

– لابد من تعليم مهني تدريبي مرتبط بالحياة العامة؛

– لابد من تعليم مستقل ماليا عن الدولة؛

– لابد من إدارة غير مكتبية ولا مترفة ولا بيروقراطية؛

– لابد من بحث علمي منتج؛

– إن واجهة اللغة واجهة من واجهات بناء التربية والتعليم من هنا وجب إتقانها لأنها أساس فهم الدين وتبليغ دعوة رب العالمين، وتقويتها بإخراجها من كهنوتها ورطانتها وهجنتها. وجعلها لغة التعلم ولغة العلوم والتخصصات العالية.