اعتبرت منظمة “الوسيط من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان” أن “حرمة المسكن تكتسي أهمية خاصة نظرا لارتباطها الوثيق بالحريات الشخصية للأفراد”، وأن إجراء تشميع البيوت يمس “الحق في الملكية، باعتبارها حقا من الحقوق المدنية الأساسية.. ولا يمكن الحد من نطاقها وممارستها بموجب القانون”.

كما عدّت المنظمة الحقوقية أن “القرارات الآمرة بإغلاق بيوت نشطاء من جماعة العدل والإحسان، قرارات صادرة عن السلطات الأمنية بناء على تعليمات من النيابة العامة.. وليست صادرة عن أحكام قضائية، وهو ما يتعارض ومقتضيات الفصل 35 من الدستور المغربي، ومخالف للقاعدة القانونية التي تقول بأنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص“.

وناشدت “الوسيط” “السلطات العمومية وضع حد لهذه الوضعية التي سيستمر معها انتهاك حقوق أساسية لجماعة من المواطنين”، معتبرة أن استمرار هذا الوضع يتعارض كليا مع الدستور ومع “الالتزامات الدولية لبلادنا في مجال حماية حقوق الإنسان وسيادة القانون المبني على مبدأي العدل والإنصاف”.

ضمّن هذا في تقرير للمنظمة الحقوقية صادر في مارس 2018، تناول ضمن أحداث أخرى تمس بالحريات والحقوق المدنية والسياسية للأفراد والجماعات تشميع بيوت منتسبين لجماعة العدل والإحسان في 2006، ونظرا لما تكتسيه هذه الوثيقة من أهمية، خاصة وأن السلطات الإدارية المغربية ما تزال سادرة في غيها، حيث أعادت تكرار ذات الفعل مع القيادي في الجماعة الدكتور لطفي حساني في وجدة يوم الإثنين 3 دجنبر الحالي (2018)، بل وتجاوزته إلى قرار بهدم المسكن، نعيد نشر الفقرة، من التقرير، الخاصة بالتشميع كاملة.

“منذ 25 ماي 2006 تعرض منزل السيد محمد عبادي بوجدة لعملية مداهمة وتفتيش أعقبها إغلاق المنزل وتشميعه ومنع مالكه من دخوله إلى الآن، نفس الأمر سيتكرر مع السيد الحسن العطواني بمدينة بوعرفة 18 شتنبر 2006، ونفس السياق وبشكل متزامن قامت السلطات بإغلاق وتشميع 3 بيوت بكل من الناضور، زايو والعروي ضمنهم منزل السيد جمال بوطيبي بالناضور، واعتبرت السلطات أن السبب الموجب لإغلاق وتشميع هذه البيوت هو احتضانها لتجمعات “غير مصرح بها” لمواطنين ينتمون لجماعة العدل والإحسان”.

إن الوسيط من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان، يعتبر أن حرمة المسكن تكتسي أهمية خاصة نظرا لارتباطها الوثيق بالحريات الشخصية للأفراد، لذلك أحاط المشرع المغربي، إسوة بغيره من التشريعات المقارنة، مسكن الإنسان بمجموعة من الضمانات حفاظا على حرمته، بل إنه ارتقى بالقواعد المتعلقة بحرمة المسكن إلى مصاف القواعد الدستورية طبقا للمادة العاشرة من الدستور: “المنزل لا تنتهك حرمته، ولا تفتيش ولا تحقيق إلا طبق الشروط والإجراءات المنصوص عليها في القانون”.

كما يعتبر الوسيط أن هذا الإجراء يمس أيضا الحق في الملكية، باعتبارها حقا من الحقوق المدنية الأساسية، أفردها المشرع في فصل خاص حيث نص في الفصل 35 من الدستور على أن القانون يضمن الحق في الملكية، ولا يمكن الحد من نطاقها وممارستها بموجب القانون… ولا يمكن نزع الملكية إلا في الحالات ووفق الإجراءات التي ينص عليها القانون.

وإذا كان المعنيون بقرارات الإغلاق والتشميع قد توجهوا للقضاء لإنصافهم، فإن القرارات الصادرة بهذا الخصوص قد حملت توجهين متعارضين، فالحكم الصادر عن محكمة الاستئناف بوجدة بتاريخ 29 مارس 2007، والذي تم تأييده بقرار للمجلس الأعلى (محكمة النقض) بتاريخ 21 مارس 2017، قد كرس واقع إغلاق بيت السيد محمد عبادي بوجدة وبيت السيد الحسن العطواني ببوعرفة، فيما ذهبت محكمة الاستئناف بوجدة إلى تكريس عدم شرعية تشميع بيت السيد جمال بوطيبي بالناضور حيث جاء في قرارها رقم 271 بتاريخ 22 فبراير 2007 في الملف رقم 1/2007:

“حيث إن الشرطة القضائية قامت بإغلاق منزل المتهم وتشميع بابه بناء على تعليمات الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالناضور وأن المتهم قام بفتح المنزل بعد أن قام بكسر الختم، وحيث إن إغلاق المحل أو المؤسسة التي استغلت ارتكاب الجريمة يعتبر من التدابير الوقائية العينية طبقا للفصل 62 من القانون الجنائي، ويجب أن تقضي به المحكمة التي تصدر العقوبة الأصلية والحال أن إغلاق منزل المتهم كان بأمر من الوكيل العام للملك وقبل صدور الحكم من أجل الأفعال المتابع بها المتهم”.

“وحيث إنه بمراجعة ظهير 15/11/1958 المتعلق بالتجمعات العمومية يتضح أنه لا يتضمن كتدبير وقائي إغلاق المقرات أو المحلات التي تعقد فيها التجمعات العمومية بدون تصريح، وعليه يبقى أمر إغلاق منزل المتهم عمل غير مشروع. وبغض النظر عن قيام المتهم بكسر الختم الموضوع على منزله أو عدم قيامه بذلك، فإن الدخول إلى المنزل بعد كسر الختم من طرف المتهم يبقى مبررا مادام أن وضع الختم بداية كان من جهة غير مخولة قانونا للقيام بهذا التدبير وقبل صدور العقوبة الأصلية”.

“وحيث إنه استنادا إلى ما ذكر تكون جنحة كسر أختام موضوعة بأمر من السلطة العامة غير ثابتة في حق المتهم، وأن الحكم المستأنف عندما قضى بإدانته من أجلها كان مجانبا للصواب ويتعين إلغاؤه في هذا الجانب”.

وبالرجوع للفصل التاسع من الظهير الشريف رقم 1.58.377 بتاريخ 3 جمادى الأولى 1378 (15 نونبر 1958) بشأن الجمعيات العمومية كما تم تعديله وتتميمه، نجد أن العقوبات التي تترتب عن مخالفة التصريح بعقد التجمعات العمومية معاقب عليها “بغرامة تتراوح ما بين 2000 درهم و5000 درهم، وفي حالة العود يعاقب المخالف بالسجن لمدة تتراوح ما بين شهر واحد وشهرين وغرامة تتراوح بين 2000 و10.000 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط”، وبالتالي فإن علة عقد تجمع عمومي بدون سابق تصريح لا يمكن أن تكون مسوغا قانونيا لمصادرة حق دستوري وهو الحق في الملكية وحرمة المسكن.

وعلى المستوى التشريعي ليس هناك نص خاص يؤطر عملية تشميع البيوت، لذلك وجب على المشرع المغربي أن يتناول هذه الظاهرة بالتقنين على النحو الذي لا يدع مجالا للتأويل والتكييف التعسفي (كما هو الحال بالنسبة للفصل 62 من الكتاب الأول من الجزء الثاني من مجموعة القانون الجنائي)، الذي قد يكون سند السلطات المحلية في انتهاك حرية التجمع تحت ذريعة الحفاظ على الأمن والسلم الاجتماعيين، علما أن حق التجمع يندرج ضمن الحقوق الأساسية والمكرسة دستوريا، وفي المواثيق الدولية التي صادقت عليها بلادنا، وضمنها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي اعترف للأفراد بحق التجمع السلمي والحق في حرية المشاركة مع الآخرين بما في ذلك تشكيل النقابات.

وعموما فإن القرارات الآمرة بإغلاق بيوت نشطاء من جماعة العدل والإحسان، قرارات صادرة عن السلطات الأمنية بناء على تعليمات من النيابة العامة، وتشميعها بدعوى عقد اجتماعات عمومية بدون تصريح، وليست صادرة عن أحكام قضائية، وهو ما يتعارض ومقتضيات الفصل 35 من الدستور المغربي المشار إليه أعلاه، ومخالف للقاعدة القانونية التي تقول بأنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص حسب ما أكده الفصل 3  من القانون الجنائي الذي جاء فيه:

“لا يسوغ مؤاخذة أحد على فعل يعد جريمة بصريح القانون، ولا معاقبته بعقوبات لم يقررها القانون”.

وبناء عليه، فإن الوسيط من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان، يناشد السلطات العمومية وضع حد لهذه الوضعية التي سيستمر معها انتهاك حقوق أساسية لجماعة من المواطنين، وبصرف النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع توجهاتهم الفكرية والإيديولوجية، فإن استمرار هذا الوضع يتعارض كليا مع المكتسبات الجديدة التي كرسها دستور 2011، (كل الإجراءات التي اعتمدت كانت سابقة عن صدور الدستور)، كما يتعارض مع الالتزامات الدولية لبلادنا في مجال حماية حقوق الإنسان وسيادة القانون المبني على مبدأي العدل والإنصاف.

طالع أيضا  ذ. الحسناوي: إجراءات التضييق على المنتمين لجماعة العدل والإحسان تمييزية