تقديم

من خصائص هذه الأمة المرحومة أن لا يخلو عصر أو مصر من أولياء لله ومشايخ تربية وعارفين بالله، نذروا حياتهم للدلالة على الله وتربية المؤمنين على السلوك إلى الله عز وجل والتقرب إليه ومحبته.

فلله الحمد والمنة، ولأولياء الله أخلص الدعاء والامتنان.

ولا شك أن الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله واحد من أكابر هذه السلسلة النورانية المباركة، هكذا  ظهرت نورانيته وفضله وتأثيره، وكذلك نحسبه ولا نزكي على الله أحدا…

وإننا لا نجانب الصواب ولا نبالغ إن قلنا بكونه إضافة نوعية، وأنه رحمه الله تفرد بشكل كبير على طول تاريخ هذه المسيرة النورانية المباركة المظفرة.

فأين تفرد الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله؟

منذ انفصام العروة الأولى الرئيسية من عرى الإسلام وهي الحكم كما أخبرنا الصادق المصدوق سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم، وكما أكدت إخبارَه الأحداثُ التاريخيةُ المتلاحقة، فعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: “لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، وأولهن نقضاً الحكم وآخرهن الصلاة”. الحديث عند الإمام أحمد وابن حبان والطبراني.

ومع ازدياد سطوة السيف وتضييق هامش الحرية على أخيار الأمة، انفصلت التربية الإيمانية الإحسانية عن الشأن العام وعن التهمم بشؤون الناس اليومية المعاشية وكل ما يتعلق بها من قضايا الحكم والحاكمين، وانزوى أصحابها والمهتمون بها في انقطاع كامل أو شبه كامل عن الاهتمام “بالدنيا” أي الشأن العام بلغة العصر . ومع مرور الزمن ترسخ هذا الانزواء عن الدنيا وهذا الانقطاع عن أصحاب الدنيا حتى أصبح أصلا، بل شرطا من شروط التربية.

ومع القرون توالى نقض ما تبقى من عرى الإسلام تحت وطأة الملك العاض والجبرى حتى أصبحت الأمة في أبشع حالات التشرذم والضعف والضياع، فظهرت أفكار وتيارات وتشكيلات تقترح على الأمة الخروج من هذا المستنقع والصعود من هذه الهاوية. غير أن كل هذه الطروحات لا تضع في حسبانها غير الاهتمام بالشأن العام للناس (الدنيا في عرف من اهتموا بالتربية وسموا صوفية)…

وهكذا أصبحت الشخصية المسلمة بين انفصامين نكدين وطريقين متضادين، إما الاهتمام بالشأن العام – الدنيا – مع طرح كلي أو جزئي للاهتمام بالآخرة والمصير بعد الموت، وإما الانزواء عن كل كدر والانعزال عن الأغيار.

 وما زادت هذه الوصفةُ الانشطارية هذا الجسمَ المريض إلا إنهاكا ووهنا وضياعا…

هنا يكمن تجديد الإمام عبد السلام ياسين، بأن ربط الهمين معا وجعلهما مفتولين في حبل واحد، وضم طريق الدنيا إلى طريق الآخرة وجعل للسالك عليهما مسارا واحدا، وسماه مختصرا: السلوك الجهادي. (ذلك السلوك الذي حَافظ الصوفية على جوهره، وحافظ المحدثون على خبره وأثره، واشتق منه الفقهاء اشتقاقا، وعانده حُكَّام الجور شقاقا ونفاقا).

طالع أيضا  كلمة الأستاذ محمد عبادي في ختام فعاليات الذكرى السادسة (فيديو)

وقد كان موفقا توفيقا عجيبا في اختيار المصطلحين القرآنيين “العدل والإحسان” للدلالة على هذا الجمع المبارك وهذا التوليف الضروري، لا، بل كان وصفا دقيقا للأمور وتلخيصا وفيا للمشروع.

وهكذا لم يعد عند طالب وجه الله والدار الآخرة تعارض مع طلبه للعيش الكريم والعزة لأمته. بل على العكس من ذلك، فقد أصبح الشرطان متلازمان متعاضدان متكاملان في المشروع التربوي التغييري الذي نظر له الإمام عبد السلام ياسين وربى عليه ونظم له…

قال ملخصا الأمر: “ليس همنا ولا طلبنا من الله الملك الوهاب أن نقبل هروبَ الصوفية من قدر الله الجهادي إلى قدر الله في ظل البيوت وهاجرةِ الصحارِي، ولا أن نقتدي بأهل الجدل، ولا أن نُهادن السلطان المخاصمَ للقرآن بوجه”.

فما هي أبرز معالم هذا الجمع الفريد بين العدل والإحسان؟

يأتي مفتاح “المنهاج النبوي” على رأس هذه الصوى والعلامات الضابطة للسير والمحددة لميدان العمل وكيفيته. ويمكن تلخيص المقصود من ذلك وهو اكتشاف المنهاج النبوي والسير عليه في عصر التجديد من طرف “الإخوان” – إخوان رسول الله ﷺ – كما اكتشفه وسار عليه الصحب الكرام في زمن التنزيل.

والمنهاج النبوي في كلياته له أبعاد ثلاثة:

– التربية الإيمانية الإحسانية، وضابطها التحلي بشعب الإيمان البضع والسبعين تمثلا وتشربا وممارسة.

– التنظيم الذي لا يتحقق الواجب إلا به، وهو ضمانة للخروج من الإسلام الوراثي الفردي التجزيئي إلى الإسلام المحيي، إسلام التجديد والشمولية، إسلام العزة والرحمة…

– الزحف التربوي الدعوي والتغلغل الرفيق والرحيم في كل الميادين وبكل الوسائل المشروعة.

ومن يطلع على مشروع الإمام تلفت انتباهه ثلاثيات هامة نذكر منها:

* ثلاثية تربوية هامة وهي لب الأمر وفصه، وقد سماها الإمام شروطا للتربية:

– الصحبة والجماعة بالصحبة في الجماعة، الصحبة المنوِّرة الحاملة والجماعة الحاضنة المعينة، فكما يقال: طعام الصحبة لا يؤكل إلا في إناء الجماعة. ومن آخر وصايا الإمام الوصية التي جعلها على شكل دعاء مبارك للدلالة على أهميتها وخطورة إهمالها، فقد جاء في رسالة “وصيتي”:

“الرجاء من الملك الوهاب أن تكون الصحبة والجماعة متلازمين تلازم العدل والإحسان، نرجو من الله عز وجل الملك الوهاب أن تكون الصحبة والجماعة متلازمين في جماعة العدل والإحسان تلازم العدل والإحسان في كتاب الله عز وجل وفي شعارنا، لا تطغ جذبة سابح في الأنوار على شريعة قول الله عز وجل: وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ.

أوصي أن يدعوَ أحبابي إخواني ربّنا عز وجل أن يمسك وحدة الصحبة والجماعة كما يمسك السماوات والأرض أن تزولا” ـ كررها ثلاثا رحمه الله.

طالع أيضا  من جمال الدين الأفغاني إلى عبد السلام ياسين: المعيارية وهواجس التّنزيل

ويبين الإمام عبد السلام ياسين أهمية تلازم الصحبة والجماعة قائلا: “الصحبة في الله محبة في الله وتآخٍ وتراحم يرتفع بها الوافد علينا في درجات حب الله وحب رسول الله. والجماعة تنظيم. لا يمكن أن تجابه قوى الكفر والظلم وأنت شتات ورفات. ويختصم التنظيم وضوابطه ومسؤولياته مع ليونة تأليف القلوب فلا يثبت في الميدان إلا كل قوي الإيمان، يمنعه من التساقط الثقة بالله، وحسن الظن بعباد الله، والصبر على أذى الإخوة والأعداء في ذات الله”.

– الذكر: “كل حركات المؤمنين والمؤمنات عبادة تقرب إلى الله إن كان لها الصدق حادياً، والصواب ضامناً، والتقوى شافـعاً، إنما يتقبل الله من المتقين. فمن زعم أنه ينال من الله رضى وقبولاً بالتجمعات والمجادلات في ساحة العرض، والعبادة متروكة، والذكر نغماتٌ تردد الشعارات الإسلامية في زعمها. فإنما هو بلاءٌ وخسران”.

هكذا قرر رحمه الله في “رسالة تذكير”، ص 14/15.

– الصدق: لعله أساس كل الخصال وبدونه لا قيمة للباقي. ويمكن اختزاله في كونه استعداد المؤمن والمؤمنة للتحلي بشعب الإيمان والتخلي عن شعب النفاق، والسير مع الجماعة لا سابقا لها ولا متأخرا عنها ما استطاع لذلك سبيلا، السير مع الصف وبنظام الصف. هذا في ظاهره الذي يراه المؤمنون، أما في باطنه الذي لا يطلع عليه إلا الله عز وجل فيجب أن لا يزيغ قصده عن الله تعالى مهما طال الطريق وصعبت العقبة أو سهلت.

* ثلاثية تنظيمية هامة، وهي ما أسماه الإمام “النواظم الثلاث”، هي روح التنظيم ومعناه:

– الحب في الله: قال رحمه الله في المنهاج النبوي:

“فلا جماعة إلا بتحاب في الله وصحبة فيه. وإن شر ما يفرق جماعات المسلمين غفلتهم عن الله حتى ينسوه فينسيهم أنفسهم، فتقسو القلوب من ترك ذكر الله. وتتمثل هذه القسوة في تباغض المسلمين فلا جماعة ولا إيمان… ألا وإن الرئاسات تذهب التقوى وتخرب الأخوة. فلين المحبة بين المؤمنين مهما كانت المكانة شرط ليكون التنظيم إسلاميا وليكون المؤمنون إخوة حقا وفعلا لا قولا وادعاءً”.

– النصيحة والشورى: وتقريبا للأفهام قد نسميها بلغة العصر القاصرة عن لغة القرآن “النقد والتقويم..”، وهي العمل الفكري العقلي التدبيري بعد العمل القلبي الوجداني. عنها حدثنا الإمام في “المنهاج النبوي” قائلا:

“الضابط العام في المشورات هو أن تكون دينا أي نصيحة لله، ولرسوله وللمؤمنين، وعلى كل مؤمن أن يوطن نفسه لينتقد بصراحة وحزم، وأن يوطنها على تقبل النقد، وأن يوطنها على السكوت والاعتراف بالخطإ، وأن يعوّدها داخل المجلس وخارجه أن تحاسب وتؤدب. وأن يكون هينا لينا ذليلا -أي سهلا- على إخوته إن نصحوه. ويقول كلمة الحق كما يراها في غير عنف لكن بصدق لا يخاف في الله لومة لائم.

طالع أيضا  د. شكري: رجل التربية والتعليم عند الإمام واسطة عقد منظومة التعليم

المشورة أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، لكن المشورة النافعة هي التي تنتهي فكريا وعاطفيا بعد التصويت واتخاذ القرار، فينصرف كل إلى مهمته. لا التي تترك أصداء الغل والحزازات، نعوذ بالله”.

– الطاعة والتنفيذ: وهي باختصار المشاركة بنشاط وصدق في تنفيذ ما تم الاتفاق عليه بعد التشاور والأخذ والرد والتخطيط بين المتحابين في الله. ويقابلها التمرد والعصيان كما يقابل الشورى والنصيحةَ الاستبدادُ والرأيُ الواحد والتحايل على فرضه.

* ثلاثية دعوية: تتمثل في العقبات الثلاث التي تواجه المؤمنين المنتظمين في جماعة التربية والدعوة والتغيير، ثلاثية يجب وضعها في الحسبان واستحضارها عند كل عمل أو تخطيط له، وهي:

– الذهنية الرعوية، “وهي ذهنية النفوس القاعدة التي تنتظر أن يفعل بها ولا تفعل، وأن يدبر غيرها لها وهي لا تقدر أن تدبر”. المنهاج النبوي.

– الأنانية المستعلية أو المتمتعة، “يعوق أصحابها عن اقتحام العقبة إلى الله عز وجل امتلاء مما هم فيه وطلب المزيد مما هم فيه”.

– العادة الجارفة للمجتمعات المسلمة في تيار التبعية للوضع السائد. العادة التي أصبحت في العرف تملأ مكان العبادة وتنافسها.

* وثلاثية تحصينية للفرد وأخرى للجماعة، فأما التي تحصن الفرد من الزيغ عن الهدف الأسمى والروغان عن الطريق فهي الحذر من ثلاثة مزالق:

– الانغماس في الإسلام الثقافي الفكري بالنسبة لمن يغلب على طبعه وتكوينه الجانب الفكري.

– التلذذ بإسلام الزهادة وأنوار الواردات للذاكر المنزوي عن الشأن العام، وهي تلحق بمن يغلب على طبعه الميل إلى الجانب الروحي والأحوال.

– الانجراف مع الإسلام الحركي الغافل المُغفل لمن يغلب على طبعه الحركية والاستعجال…

وأما الثلاثية المحصنة للتنظيم فهي اللاءات الثلاث:

– رفض العمل السري والغموض “نفضل الوضوح على الغموض، والصراحة على الالتواء”.

– رفض قطعي للاستقواء بالخارج أو الارتهان لجهات خارجية عن التنظيم أو متحكمة فيه، وذلك حتى  يبقى التنظيم حرا، وتبقى قراراته نابعة منه.

– الرفض التام للعنف بكل أشكاله وتحت أي ذريعة ممكنة، واعتماد الرفق والرحمة والتدرج.  فعن عائشة رضي الله عنها: أَن النبيَّ ﷺ قَالَ: “إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفقَ، وَيُعْطِي على الرِّفق ما لا يُعطي عَلى العُنفِ، وَما لا يُعْطِي عَلى مَا سِوَاهُ” رواه مسلم.

خاتمة

أختم بما ختم به الإمام أهم كتبه “المنهاج النبوي”:

“ولا تنس أن المعية مع الذين أنعم الله عليهم، معية هنا وهناك، هي معنى الصحبة.

فاعرف لم تتحرك الجماعات وأين تتجه، وتأكد أن تحافظ أينما كنت لتكون الوجهة الله، والموعد الله، ولتبقى الوجهة الله، والموعد الله.

لا إله إلا الله محمد رسول الله”.