أصدرت منظمة العفو الدولية تقريرا عن المغرب تناول محاكمات نشطاء الريف، وما شهدته من انتهاكات سواء أكان ذلك قبل المحاكمة كالاعتقال التعسفي والتعذيب والاعترافات تحت الإكراه ووضع السجناء في الحبس الانفرادي وغمط السجناء حقه دفاعهم في إعداد الدفاع، أو الانتهاكات أثناء المحاكمة كالحق في جلسة علنية واعتماد الأدلة المحصل عليها تحت التعذيب والإدانة بتهم غير ملائمة.

ويحتوي ملحق التقرير، الذي صدر يوم الإثنين 17 دجنبر الجاري، على لائحة تضم أسماء الأشخاص المدانين الأربعة والخمسين، بالإضافة إلى الأحكام التي فرضت عليهم والتهم التي أدينوا بها.

فتحت عنوان: “المغرب: الاستئناف في قضية حراك الريف، فرصة لإبطال محاكمة جائرة”، أكدت منظمة العفو الدولية أنها أجرت “مراجعة شاملة للمعلومات المتوفرة المتعلقة بالمحاكمة التي عقدتها المحكمة الابتدائية”، وأن “تحليلها التفصيلي والنتيجة التي توصلت إليها، تفيد بأنه جرى ارتكاب انتهاكات جسيمة للحق في المحاكمة العادلة”.

وذكّر التقرير بأنه في 26 و28 يونيو/حزيران 2018، أصدرت محكمة في الدار البيضاء “أحكاما بالسجن لمدد طويلة على 54 شخصا بسبب مشاركتهم في احتجاجات حراك الريف التي وقعت في منطقة الريف بشمال المغرب في عام 2017. وفي 21 غشت/ آب، صدر عفو ملكي عن 11 شخصا، وأطلق سراح أربعة منهم مؤقتا في يونيو/حزيران ويوليوز/تموز 2017، بينما يقضي التسعة والثلاثون الآخرون عقوباتهم في سجن عين السبع، وفي 17 دجنبر/كانون الأول، ستستمع محكمة استئناف الدار البيضاء إلى قضايا الأشخاص الثلاثة والأربعين الذين أدينوا في الجلسة الثانية”.

ففيما يخص انتهاكات حقوق معتقلي حراك الريف ما قبل المحاكمة، والاعتقال التعسفي على الخصوص، قالت المنظمة إن عددا من المدعى عليهم للمحكمة أكد أنه “لم تقدم لهم أية مذكرات توقيف عند القبض عليهم”، وأن أفراد الشرطة “لم يعرفوا بأنفسهم، ولم يوضحوا أسباب اعتقال المتهمين أو التهم الموجهة ضدهم”، وفي العديد من الحالات “استخدم الموظفون المكلفون بإنفاذ القوانين القوة غير الضرورية أو المفرطة عند الاعتقال أو في الحجز”. وعلّق تقرير المنظمة أنه بموجب المعايير الدولية فإنه “لا يسمح بالتوقيف أو الاحتجاز إلا إذا تم لأسباب ينص عليها القانون، وإذا لم يكن تعسفيا”، وأنه يجب أن يتم التوقيف أو الاحتجاز “بطريقة منصوص عليها في القانون وعلى أيدي أشخاص يخولهم القانون”، وأنه عند القبض على شخص أو احتجازه ينبغي “إبلاغه بأسباب القبض أو الاحتجاز وبحقوقه، بما فيها حقه في توكيل محام”.

طالع أيضا  مدن الريف تواصل احتجاجها والعقلية الأمنية تحاول قمع إحداها بالناظور

وانتقل التقرير لتناول قضية التعذيب والاعترافات تحت الإكراه، فأكد أن الشرطة أرغمت المتهمين “على توقيع تقرير التحقيق الذي يتضح من “اعترافات” بتجريم أنفسهم”، وأن تلك الاعترافات “كانت في بعض الحالات منتزعة تحت وطأة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة بحسب ما ذكر المتهمون”.

ولفت التقرير إلى أن المادة 14 من اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة تنص على “أن تضمن كل الدول الأطراف إنصاف من يتعرض لعمل من أعمال التعذيب وتمتعه بحق قابل للتنفيذ في تعويض عادل ومناسب، بما في ذلك وسائل إعادة تأهيله على أكمل وجه ممكن”، وأن المواد 4، 12، 13 تنص على “أن تضمن الدول الأطراف إجراء تحقيق عاجل ومحايد في جميع الشكاوى والتقارير بهدف تقديم الجناة إلى ساحة العدالة”.

أما أوضاع السجن والحبس الانفرادي فمنذ بدء احتجاز المتهمين في ماي ويونيو في سجن عكاشة، احتج المتهمون، بحسب التقرير، “بشكل منتظم على الأوضاع اللاإنسانية في الحجز، بما في ذلك الحبس الانفرادي لفترات طويلة ولأجل غير مسمى لبعض المعتقلين”، وأنه كان من بينهم “المحتجون والصحفيون ناصر الزفزافي ونبيل أحمجيق ومحمد جلول وربيع الأبلق ومحمد الأصريحي ومحمد المجاوي وأشرف اليخلوفي وحميد المهداوي”. وأردفت المنظمة مذكّرة أنه بموجب المعايير الدولية، “يجب أن يكون مكان الاحتجاز قريبا بقدر الإمكان إلى مكان سكن المتهم، وذلك من أجل تيسير زيارات المحامي والأسرة له”، مضيفة أنه عندما نقل معتقلو الحراك من الحسيمة، حيث كانوا يقيمون، إلى سجن عكاشة الذي يقع على بعد نحو 600 كيلومتر من أماكن سكنهم، “خلق ذلك عبئا اقتصاديا كبيرا على الزوار من أفراد عائلاتهم”.

وجاء في التقرير ذاته، في موضوع الحجز قبل المحاكمة، أنه من أجل الطعن في قانونية الاحتجاز “قدم محامو الدفاع أربعة طلبات لإطلاق سراح المتهمين بانتظار المحاكمة إلى قاضي التحقيق، وسبعة طلبات مشابهة أثناء المحاكمة إلى المحكمة. وفي كلتا الحالتين رفضت الطلبات بشكل جماعي، وبدون تقديم تفسير للرفض”، كما رفضت المحكمة طلبات الإفراج المؤقت “بدون إثبات ما إذا كان إطلاق سراحهم من شأنه أن يشكل مخاطر حقيقية بالفرار من السجن أو إيذاء الآخرين أو التلاعب بالأدلة أو التحقيق مما لا يتيسر بوسائل أخرى”.

طالع أيضا  في ندوة صحفية.. هيئة دفاع معتقلي الريف تقدم كرونولوجيا المحاكمة وتؤكد غياب العدالة

وفيما يخص الحق في إعداد الدفاع، أشار التقرير إلى أن أربعة محامين من فريق الدفاع عن معتقلي الحراك أكدوا لمنظمة العفو الدولية أن المحكمة “لم تحترم الحق في المساواة أمام المحكمة، وذلك لعدم السماح لفريق الدفاع بالحصول على الأدلة غير المادية المتوفرة، من قبيل المكالمات الهاتفية وأشرطة الفيديو والتعليقات على فيسبوك ورسائل “واتساب” التي قدمتها النيابة العامة”. واعتمد التقرير في هذا على ما جاء على لسان المحامي محمد أغناج حيث أكد أنه “قدم إلى المحكمة، باسم فريق الدفاع، طلبين للحصول على كافة الأدلة المقدمة من قبل النيابة العامة وقررت المحكمة عدم الاستجابة لطلباتنا، لا قبل المحاكمة، ولا أثناءها”، وهو ما زكاه المحامي عبد الصادق البوشتاوي بقوله: “قدمنا الطلبات إلى كتابة المحكمة ورئيسها. ولكن المحكمة رفضت الطلبات بدون إعطاء مبرر، بينما لم يرد موظف الكتابة على الطلب”.

وفي جانب آخر من القضية، والأمر يتعلق هنا بانتهاكات الحقوق أثناء المحاكمة، أكد التقرير أنه على الرغم من أن جميع جلسات الاستماع كانت علنية، فإنها كانت مشوبة “بالعديد من العيوب الخطيرة في إجراءات المحاكمة، مما يثير بواعث قلق عميق بشأن مدى عدالتها”. كما أن الجمهور الموجود في قاعة المحكمة “لم يستطع رؤية المتهمين من خلال الزجاج”، مزكية الأمر بما صرح به المحامي أغناج لمنظمة العفو الدولية من أن “أمر المحكمة باحتجاز المتهمين في قفص ملون إنما قوض قرينة البراءة وأعطى انطباعا بأن المعتقلين خطرون، وأنهم يمكن أن يخلقوا مشاكلا أو يتحولوا إلى العنف أثناء جلسات الاستماع”.

وركز التقرير على خرق الحق في جلسة استماع علنية أثناء المحاكمة حيث “تمت عرقلة إمكانية وصول وسائل الإعلام والمجتمع المدني وغيرهم إلى قاعة المحكمة بسبب التدابير الأمنية الصارمة التي اتخذت في ثلاث نقاط دخول مختلفة. ولم تتوفر شبكة انترنت أو هواتف في المكان”.

طالع أيضا  ذ. أرسلان: المراهنة على عاملي الزمن والترهيب لا تجدي وعلى الدولة أن تستجيب لمطالب الحراك

وفيما يخص قرينة البراءة واستبعاد الأدلة التي يتم الحصول عليها تحت التعذيب، و“على الرغم من أن جميع المتهمين سحبوا “اعترافاتهم” التي أدلوا بها في الحجز تحت وطأة التعذيب أو التهديد بالتعذيب، فإن المحكمة لم تستبعد سجلات التحقيق من إجراءات المحاكمة. وفي الحكم الذي أصدرته، استخدمت المحكمة تلك السجلات كأدلة رئيسية ضد المتهمين”.

ولم يكن للحق في استدعاء الشهود واستجوابهم، بحسب التقرير ذاته، أي حضور يذكر، حيث أشار التقرير أن المحكمة “رفضت قبول شهادات أكثر من 50 شاهد دفاع. ولم تقبل سوى 12 شاهد دفاع من مجموع الشهود المقبولين وعددهم 34 شاهدا، وركزت شهاداتهم على الجرائم الصغرى”.

وانتقل التقرير إلى تناول ما وصفته ب“الإدانة بتهم غير متناسبة وغير ملائمة”، حيث استشهد بعدة أمثلة منها خاصة ما وجهته النيابة العامة للزفزافي من تهمة “المس بسلامة الدولة الداخلية، وتحريض المحتجين على الاعتداء على قوات الأمن” أثناء محاولة القبض عليه في 26 ماي، وأكد أنه عندما أشار الزفزافي بأصبعه إلى قوات الأمن وسماها “قوات القمع”، ودعا الله القدير أن يرزقه الشهادة فإن “مثل هذه الكلمات والأفعال لا تصل إلى حد التحريض على العنف، وإن قدرتها على المس بسلامة الدولة الداخلية أمر مشكوك فيه”. واعتبرت منظمة العفو الدولية أنه “بالإضافة إلى انتهاك الحق في المحاكمة العادلة، فإن التهم التي وجهت إلى متهمي الحراك كانت في معظم الحالات غير متناسبة بالمقارنة مع الجرائم التي أدينوا بارتكابها”.

وفي آخر التقرير وثقت المنظمة الحقوقية في ملحقه أسماء المحتجزين بالدار البيضاء والتهم الموجهة إليهم، والأحكام الصادرة بحقهم.