خلدت جماعة العدل والإحسان الذكرى السادسة لرحيل الإمام المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله، وقد تضمنت فعاليات الذكرى نشاطين مركزيين: مجلس للنصيحة وندوة فكرية تناولت “التربية الإحسانية على منهاج النبوة” موضوعا من خلال ثلاثة محاور:

– التربية الإيمانية الإحسانية: المفهوم والمرجعيات العلمية والشرعية.

– الثمار العلمية والعملية للسلوك الجهادي عند الإمام.

– معوقات التربية الإيمانية الإحسانية في منهاج النبوة.

وانخراطا فـي النقاش الذي أثارته الندوة، وتحديدا في المحور الثاني، يروم هذا المقال استقصاء الثمار العملية للمشروع التجديدي للإمام ياسين رحمه الله تربية وتنظيما وزحفا أو تدافعا حسب تصنيف المنهاج النبوي.

فعلى المستوى التربوي، وبعد جهود التأصيل واستخلاص المفاهيم والمصطلحات من شوائب قرون الانكسار وانفصال القرآن عن السلطان بمصفاة الهدي النبوي، أفرغ الإمام رحمه الله الجهد في تثبيت الأساس التربوي وإقامته على ثلاث دعائم اعتبرها شروطا للتربية: الصحبة والصدق والذكر؛ جهود أثمرت – توفيقا من المولى الكريم – تربية أفواج انجمع فيها الهمّان الخلاص الفردي طلبا لوجه الله استشرافا لمقام الإحسان، والخلاص الجماعي حملا لعبء الأمة وتدرّبا على مخالطة الناس والسير فيهم بالوجه الباش والكلمة المبشرة المحفزة والدعوة الرفيقة إلى خير الهداية بالحال قبل المقال شهادة بالقسط وتحملا لتبعات الصدع بالحق.

تجربة عقود فريدة كان خراجها استواء مدرسة تربوية جسدت وتجسد اليوم نموذجا في الوسطية والاعتدال تصورا وسلوكا وحضورا ميدانيا؛ نموذج تربوي سلوكـي أسهم بشهادة المُنصفين من المتابعين والمحللين للشأن المغربي في استتباب أمن واستقرار البلاد وشكّل صمّام أمان وقــى ألوفا مؤلفة من الشباب من عواصف التطرف والغلو.

مشروع تربوي تجديدي كان رجاؤه ومنتهى مناه منه أن يجعل الله تعالى لدعوته قَبولا واستجابة ليكون “أسعد الناس إن كان لشهادتي سامعون واعون هبوا من سبات الغفلة لصرختي هذه الهادئة، وتيقظوا يقظة القلب، وتجافوا عن الحياة الدنيا، وفزعوا إلى من يدلهم على الله حتى يعرفوا الله. أنا أسعد الناس إذاً إن حصل في ميزان حسناتي أفواج من المحسنين كنت لهم صوتا يقول: من هنا الطريق، من هنا البداية”.

وعلى المستوى التنظيمي، وعلى الرغم من مسلسلات التضييق والتشويش والترهيب التي استهدفت الجماعة منذ نشأتها بداية ثمانينيات القرن الماضي وإلى اليوم، نجحت الجماعة تحت رعايته وتوجيهه رحمه الله في بناء تنظيم محكم يؤكد ذلك ويجليه انتظام المجالس وتجانس الأجهزة وتكاملها؛ تنظيمٌ مُطّرد التطوير تلبية لحاجيات الجماعة وسرعة توسعها واتساعها أسهم في توفير البيئة المناسبة لتنزيل برامج الجماعة ومشاريعها في مختلف المجالات؛ تنظيم يختزل المتتبعون لشأن الجماعة نجاعته فيما يميز نزولها الميداني في المسيرات وسائر التظاهرات الشعبية من ضبط وانضباط.

طالع أيضا  العربية في خطاب عاشق لغة القرآن

وتبقى تجربة المخيمات الصيفية التي دشنتها الجماعة وفتحتها لعموم الشعب فريدة فـي تنظيمها ومستوى خدماتها العامة ونوعية أنشطتها الترفيهية التي وفرتها للمتوافدين عليها من الفئات المجتمعية المختلفة؛ تجربة أبت التعليمات المخزنية إلا أن تئدها بما عُرف إعلاميا بحرب الشواطئ فـي أولى سنوات “العهد الجديد”.

وإذا كان الإمام أسس البرنامج التربوي على ثلاثية الصحبة والصدق والذكر، فإنه رحمه الله أقام التنظيم على النواظم الثلاث وهــي: الحب في الله والشورى والطاعة؛ ثلاثية ضمنت للتنظيم التماسك والانسجام والتطاوع.

وعلى نفس المنوال، وعلى المستوى التدافعـي، اعتمد الإمام رحمه الله ثلاثية اللاءات الثلاث رفضا للعنف والسرية والارتباط بالخارج؛ نهج أثبتت جدواه التجربة وأحالته نموذجا متميزا سيج الجماعة من كل اختراق أو انزياح إن على مستوى التصور أو السلوك وأكسبها الاستقلالية والشرعية الميدانية ومهّد لها سبل التقارب والتواصل مع القوى المجتمعية الحية تعاونا على التغيير اقتناعا منه رحمه الله أن أعباء الإصلاح تتطلب مقاربة تشاركية يدعــى الجميع لتحمل الحظ من متطلباتها.

في كلمة واحدة، الحصيلة والثمار العملية للمشروع التربوي للإمام عبد السلام ياسين جدد الله عليه الرحمات تلخصه اليوم وغدا إن شاء الله الجماعة، بما هي نموذج تربوي سلوكــي انجمع فيه الخلاصان الفردي والجماعي، وبما هي مدرسة للتأهيل والتدريب والتوجيه خدمة للغايات المنشودة، وبما هي نموذج للتغلغل اللطيف في المجتمع والسير فيه بالتي هي أحسن جمعا للكلمة وتعبئة للجهود بناءً لجبهة ممانعة للفساد والاستبداد: حراك 20 فبراير 2011 مثالا.

الحصيلة العملية لمشروع الإمام المرشد رحمه الله تعالى يجسدها ثبات الجماعة على مواقفها واختياراتها رغم حملات الاستهداف والاستفزاز المخزنية الممنهجة عموما، وثباتها ورباطة جأشها بعد رحيل الإمام المرشد تحديدا، الذي روهِن على وفاته رحمه الله لينفرط عِقدُ الجماعة ويتشتت شملها بين صقورٍ وحمائمَ؛ ثباتٌ ورباطة جأش جلتها – توفيقا من المولـى الكريم – سلاسة انتخاب الأمين العام للجماعة واستمرار انجماع كلمتها، كما يؤكده سير مؤسسات الجماعة انتظاما وانسجاما بين الأجيال وتطويرا مُطّـرِداً.

طالع أيضا  د. الرضى: الذكرى السادسة احتفاء بالصحبة والجماعة