أجرى موقع “الجماعة نت” حوارا مطولا مع الأستاذ منير ركراكي، عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان، حول القضايا والأفكار التي يثيرها موضوع الندوة المركزية التي عقدتها الجماعة بمناسبة الذكرى السادسة لرحيل الإمام المجدد رحمه الله: “التربية الإيمانية الإحسانية على منهاج النبوة”.

وقد جاء الحوار غنيا بالنظرات والإشارات، فيما يلي نصه الكامل.

1- يتحدث الإمام المجدد رحمه الله كثيرا عن التربية الإيمانية والتربية الإحسانية وعن السلوك الجهادي ماذا يقصد بهذه المفاهيم؟

في بداية هذا الحوار أشكر هيئة الإشراف على الموقع لإتاحة الفرصة لي من أجل المذاكرة حول هذه الذكرى الغالية، والمنتظرة منّي بشوق لما يربطني بالإمام مِن وشائج قُرب وقربى، وصحبة ومحبّة، وبُنوة وأبوة روحية أسأل الله أن تكون لي نافعة في الدنيا، شافعة يوم لقاء الله. وهو موعد منتظر أيضا لتجديد الولاء مع هذا الإمام، والتعبير عن برهان صدق الوفاء لهذا المربي المعلم المجاهد الهُمام يَرقُبها الجميع كُلّ بحسب صِلَته به، وانتفاعه بما ترك من إرث هو المنهاج النبويّ على سَنَن وسُنَن خير الأنام عليه أزكى صلاة وأحلى سلام.

أما عن سؤالكم فالتربية بالتعريف المشتَرك الـمُختزل: تنمية وتقويم؛ تنمية للجوانب الإيجابية في الشخصية الإنسانية، وتقويم للجوانب السلبية من هذه الشخصية. وهي في الاصطلاح السلوكي إعادة صياغة هذه الشخصية الإنسانية عودا بها إلى الفطرة التي فطر الله المخلوق الآدمي عليها تزكية لها وتطهيرا مما عَلق بها من شوائب ومَثالب بعد ما أصابها من انتكاس وارتكاس بفعل فاعلين هما الوالدان تهويدا وتنصيرا وتمجيسا، كما أخبر عن ذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، وأيضا كل فاعل ومؤثّر في هذه الفطرة.

وهذه العودة مُبتدؤها ومُنطلق بِعثتها الإيمانُ ومَنْبِته (المحبة) ومُجدّده (الصّحبة والكلمة الطيبة) ومُنمّيه ومُقوّيه (القرآن والعلم بمقتضياته والعمل بهما) ومُبلّغه غايتَه ومَأمنه التوكّل على الله، وتفويض الأمر إليه، حتى يرقى هذا الإيمان إلى درجة الإحسان (أي مراقبة الله في السرّ والعلن، وعلى كلّ حال وفي كل آن، ليكون تمام الإحسان اليقين، واليقين هو الإيمان كله كما قال ابن مسعود رضي الله عنه مصداقا لقول مَن لا ينطق عن الهوى: «الإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ؛ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» 1).

والإحسان كما أوجز الإمام وحفّز: “عبادة بإيقان، ومعاملة ببِرّ، وعمل بإتقان” لكن هذه التربية الإيمانية الإحسانية لن تكون مُؤهِّلَة لتغيير ما بالأمّة، وإن ساعَدَت على تغيير ما بالنفس حتى تقترن بالعدل، لأنّ العدل أوثق عُرا الإحسان كما أكّد على ذلك الإمام في كل ما صدَر عنه استنادا إلى قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ  2 وهو قِرانٌ شرعيّ نوعيّ يجمع بين الإحسان كما ذكرنا وبين العدل الذي يُرجى أن يتحقّق على مستويات ثلاثة: في الحُكم فلا استبداد أصْلِ كلّ فساد كما يقول الكواكبي رحمه الله، وفي القضاء فلا شطط ولا تحيُّز ولا هوى في الفصل والحَسم، وفي القسمة من باب إعطاء كل ذي حق حقه؛ فلا إجحاف بل إنصاف وإكرام ومساواة. والجامع بين الإيمان والإحسان مِن جهة، والعدل والجهاد والقومة من جهة ثانية هو ما يمكن اختزاله في هذا العنوان العريض: سلوك تربوي تغييري، إحساني جهادي.

2. يُعرف عن الإمام رحمه الله تجربته الصوفية في رحاب الزاوية البوتشيشية، ودفاعه المُستميت عن الجوهر الذي حافظ عليه الصوفية على مدى قرون طويلة، وفي الوقت ذاته نلاحظ ما دبجه في أدبياته من نقد علمي وتاريخي للمنهج الصوفي، ما هي أهم معالم ملاحظات الإمام المرشد على المنهج الصوفي؟

مِن عدم العدل والإنصاف أن نُنكر على الصوفية طيّبي الأنفاس حملهم لواء الإحسان، ورفعهم شعاره ومِشْعله طيلة قرون ما بعد القرون الثلاثة الفاضلة الأولى التي كانت أقرب إلى النّبع الصافي، والنّسخة النّبوية الأصيلة والمصادق عليها خلافة راشدة على منهاج النبوة رغم ما عَلق بطرق التصوّف مِن شطحات وانحرافات وخزعبلات… فَهُم – أعني الأسوياء منهم على جادة الاستقامة – حافَظوا للأمّة على الجوهر وهو العروة الوثقى؛ حبّ الله ورسوله، لكنّ مرّ العُصور وكَرّ الدّهور وتعاقب الأجيال حَوَّل ما أكرم الله به ذو الإكرام والجلال الصوفية الأُوَل مِن أنوار وأسرار وكرامات وأحوال… ثَمَرة مجاهدة واجتهاد وصدق إقبال على الله ورسوله بتزكية النّفس في صحبة أهل الكمال عَفْواً دون احتساب إلى ما أصبح مطالب تُقْصَد لذاتها، وتُنال بأساليب ووسائط ووسائل تَعْتَوِرها النّيات الـمَشوبة، والطويات الـمَثْلوبة، والسلوكيات الاستدراجية المجذوبة، أو التبرّكيّة النّمَطيّة المـُعلَّبة فعرّى ذلك مِن تُربة الطريق، وجعل مياه السُّقيا غَوْرا وكانت عذبة. ثم جاء سقوط الإمبراطورية العثمانية – ولا نقول عنها خلافة لانتفاء شروطها الشرعية وضوابطها المرعية – سنة 1924م ممّا جعل مقاصد الشريعة مطالب، وهل يُحافَظ على مفقود مسلوب غير موجود؟!

وما كان مُبرِّرا لعزلة المتصوّفة وزهادتهم حفاظا على مقاصد الشريعة ووحدة المسلمين وبيضة الإسلام وهيبة السلطان ارتفع، ولم يَعُد مقبولا ولا معقولا بعد أن أجهز الذّئبان المفترسان على البقية الباقية مِن إرث النبوة بِعضّ وراثي فِتْنَوي، وجبر استعماري صهيوني صليبي، أو انقلاب عسكري واستبداد قهري، فلم يبق ثمّة معنى لصوفية القعود في زمن الجهاد كما يقول الإمام، وكما قال في رسالة خصّني بها جوابا عن رسالة شكوى واستفتاء ممّن غلَبَت عليه الأحوال، وهجَمَت عليه رسائل الغيب فطاشت به عن جادّة التّوازن والتكامل والاستقامة والاستواء والقصد: «تكون مغبونا يوم الجمع والتّغابن إن جاء الناس بالجهاد والعمل الصالح وجئت أنت بسِجلّ مشاهدات ما كُشِف لك، تكون محجوجا أكثر مِن غيرِك ومسؤولا إن لم تُوَفّ الشّريعة حقّها…

ودرجة المجاهدين أفضل من درجة المكاشفين بشرط أن تكون للمجاهدين نيّة وطلب لوجه الله، وصحبة وذكر وصدق. وهُنا بقي الفقراء يحملون السّبحة فتتدفّق عليهم أنوار الذّكر فيحسِبون أنهم بلغوا القِمّة؛ القمّة الصّحابة رضي الله عنهم؛ جَمعوا إلى الذّكر الدائم والجهاد المستديم صحبة لخير الخلق رفعتهم عن البطالة في الزاوية والقعود الدّسِم». ولعل ما ذكرنا يفسّر بعض الأقوال مِن القليل الدالّ التي وافَقَت الحق والصّواب والحكمة وفصل الخطاب في التعبير عن موقفه مِن التصوّف مِن مِثل قوله لما سُئِل يوماً: هل أنتم صوفية؟: «قال: نحن منهم ولسنا هم»، وقوله: «وليّ لله يجمعك على الله مع الجهاد، خير من وليّ لله يجمعك على الله مع القعود»، وقوله: «العدل والإحسان أمران إلهيان جامعان مانعان، متلازمان لا ينفصلان كما لا يجوز في شريعة الإسلام ومنهاج خير الأنام الفصل بين تغيير ما بالنفس، وتغيير ما بالأمّة، وإن كان سُلّم الأولويات يرجّح ترتيبا تغيير ما بالنّفس إيمانا وإحسانا على تغيير ما بالأمّة عدلا واستخلافا»: إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ 3؛ لاحِظوا أنّ تغيير ما بالنفس يُنسب إلى الفعل البشري، وأنّ تغيير ما بالأمّة يُنسَب إلى فعل الله، نَعَم كلّ مِن عند الله توفيقا وقُدرة وبركة، ولكن “بِكَ لا يأتي شيء ولا بدّ منك” كما يقول الإمام سيدي عبد القادر الجيلاني قدّس الله سرّه. وهل يعدِل غيرُ المـُحسِن؟! وهل يُغيّر مَن لم يتغيّر؟! وهل يُجلّي الفضائل ويُحلّي غيره بها مَن لم يتخَلّ عن نقائضها ونواقضها؟! وفاقد الشيء لا يُعطيه، وكلّ إناء ينضَح بما فيه، ومَن لم يلزمهُ الخير هيهات يتعدّاه إلى ما سواه!

طالع أيضا  د. الرضى: الذكرى السادسة احتفاء بالصحبة والجماعة

3. من التجديد الذي جاء به الإمام رحمه الله هو العودة بالجوهر الذي حافظت عليه الصوفية على مدى التاريخ الذي عرف فِتَنا واضطرابات مذهبية وعقدية وفكرية وطائفية إلى مكانه الأصل في عقد المنهاج النبوي، كيف تنظرون إلى مستقبل هذا المشروع في ظل ما تعيشه الأمة من تشتت حضاري ومذهبي وفكري؟

نعامية (مِن النعامة) أن نُعْمِيَ أبصارنا عما وقع للأمّة ويقع لها في ظِلّ الفِتَن العارِمة: العادات الجارفة، والأنانيات المستعلية المتمتّعة، والذهنيات القطيعية الرّعوية، وأن نُصِمَّ آذاننا عن الدّعوات الجاهلية ظنّا وحكما وتبرّجا وحميّة، وأن ننخرط في مشروع العنف والكراهية شيطنة خرساء متفرّجة، أو شيطنة فاعلة مندرجة مندمجة في كراهية الحروب والأحقاد ومصادرات الحقوق والكرامات والحريات…

ونَعَمِيّة دوابيّة عجماء (مِن النَّعَم والدوابّ) أن ننساق وراء هذه الأحداث والـمُحدثات سائبين سائمين مُنبهرين مُستسلمين يائسين غير فاعلين ولا مؤثّرين ولا مغيّرين.

لنا وعد مِن الله حقّ لا يُخلف الله الميعاد إلاّ أن نُخلِفه نحن بقنوط ويأس وانتظار بليد، ولنا موعود مِن رسول الله صلى الله عليه وسلم صِدْق؛ إذ وعد بالخلافة على منهاج النبوة صبحا قريبا، وفتحا مبينا خُصّ به مَن آمَن وصدّق فلا ارتياب ولا تردّد، ومَن اقتحم فنَظَّر وأَطّر ليُغيّر، وجَنّد وتجلّد وما قعَد يتحسّر ويتنهّد ويتوعّد. والمتصفّح لكتاب التاريخ لا شكّ يعثُر – إن نظر مَليّا، وبَحَث مُتروّيا – على ضالّة يقينه في قومات آل البيت، وحركات الإصلاح والتجديد التي غيّرَت وضعا كان صعبا، وواقعا كان قحطا جَدْبا، وما بأُمّة كانت فَيْئا يُنتَهَب، وهدفاً يُرمى فإذا هي حيّةٌ تسعى إلى عهدٍ جديد ومجد تليد وقد بعث الله فيها منها رجالاً أشاوس أنشأوا يقْظات ونهضات حرّرت عقولا مِن جهل وخمود، وقلوبا مِن يأس وقنوط، وأجسادا مِن خمول وقعود، وبصائر مِن عمى وجحود… والأخبار والآثار والأقطار شهود على أمّةٍ نهضَت بعد سقوط، واستعادَت عزّتها ومجدها بعد ذبول وأُفول مِن فُلول. حَدَث ذلك مع رجال، ومدى أجيال؛ مع صلاح الدين، ويوسف بن تاشفين، ومحمد بن عرفان، وعمر المختار، والأمير عبد القادر، ومحمد الفاتح وغيرهم ممّن نسيناهم الله يعرِفُهم، فلا خوف على أمّة الإسلام ومستقبلها الذي تكفّل الله بطلوع فجره وشروق شمسه، وإنما تكمن المشكلة العويصة في: هل أنا من النائمين الحالمين؟ أم مِن المنتظرين مجيء الفجر قاعدين متفرّجين؟ أم مِن اليقِظين القائمين المساهمين في تهيئة أنفسهم وما حولهم لاستقبال هذا الصبح بمضاء عازم، وجهاد حازم، حسن ظنّ بالله ويقينا في وعده، وتوكلا عليه مع المتوكّلين عليه لنشدان العدل والإحسان بصدق وتصديق وبرهان؟ تحقّقَ ما كان منشودا في ما تبقّى مِن عُمرهم أم لم يتحقق، وإنّما أُمِرنا أن نُريد ونسعى للأمرَيْن سعيهما وُسعنا حتى..علم الله كيف ومتى؟!

4. كيف استطاع الإمام رحمه الله حفظ التوازن بين كفة العدل وكفة الإحسان في مشروعه التغييري؟ وكيف استطاع رحمه الله تنزيل مفهوم السلوك الجهادي الحامل لمعاني العدل والإحسان على الأرض وفي الميدان من خلال الجماعة التي رباها وأسسها، وإلى أي حدّ استطاع أن يبلغ بهذه الجماعة الأهداف التي سعى إليها مع الحفاظ على شعارها العدلي الإحساني؟

يقول العالم الفاضل الشامي سيدي محمد راتب النابلسي: “إذا صحّ الميزان أمكن إصلاح الموزون، وإذا فسد الميزان اختلّ الموزون”.

والإمام رحمه الله أقام الميزان العدل لتحقيق التوازن المطلوب، والميزان هو المنهاج االنبويّ الذي استقاه من نَبْع الأصلَيْن الكاملَيْن المتكاملَيْن: الكتاب والسنّة؛ سَنَنها وسُنَنها، وارتقى إليهما وبِهما لإقامة الحُجّة وتبيان الـمَحجّة؛ فنَصح لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم نصيحة محبوب مُحبّ مجاهد في سبيل الله لا يخاف في الله لومة لائم، ولا نقمة ناقم، ولا إيذاء جائر جاحد غاشم، والدين النصيحة.

ونَظَّر بعلم هو للعمل إمام وعليه دليل حتى يمضي داعيا إلى الله بإذنه على بصيرة هو ومَن اتّبعه تفاديا أن يتخبّطوا العشماء، ويتورّطوا الظّلماء، ولا يسلكون إلى الله سبيلا مستقيما، ولا يجدون على طريقه دليلا رحيما حكيما حليما، قويا أمينا حفيظا عليما. واعتمد مع النّصح والتنظير في اقتحام العقبات ومواجهة التحدّيات أسلوبا واضحا متدرّجا متوازنا سليما؛ فنصح مَلِك البلاد ومَلأه، وحاور وتشاور مع النّخب وأهل العلم والفضل والصّلاح، بُغْية التوحيد والإصلاح ثم اضطرّ بعد أن أيس من إمكانية تحقيق الوحدة قبل العمل، ليعمل من أجل هذه الوحدة لا يَكلّ ولا يملّ؛ فأصدر مجلّته “الجماعة”، وأنشأ “أسرة” لتأليفها والتأليف بها، وفتح بيته وقلبه وجَيْبه لمن أراد التعرّف على مشروعه، وأسّس جماعة لتنزيل المشروع، وجمعية للعمل وفق مسطرة قانونية تحت الأضواء الكاشفة بعيدا عن السرّيّة والعنف والتبعيّة لأيّة جهة أجنبية، ونادى إلى ميثاق يجمع الفضلاء على كلمة سواء لإيجاد حَلّ لداء الأمّة العُضال ألا وهو الوهن؛ حبّ الدّنيا وكراهية الموت ما جعلها قصعة تتداعى عليها الأمم لا مِن قلّة ولكن مِن غُثاء، وإيجاد حَدّ للبلاء درءاً للفتنة وسعيا نحو الاستقرار والنّماء، وحَقْناً للدّماء. فتأتّى له ولجماعته توسّع عددي مُتّزن، وتكوين نوعي متكامل، وبناء هيكلي متماسك متلاحم، وتحقّق في جماعته شروط العمل الجماعي الناجح المبني على الأسس العشرة: الاحترام والانسجام والاقتحام، والتراضي والتياسر والتّسامح، واكتشاف الطاقات، وتحرير المبادرات، وتفويض المسؤوليات وتوزيع المهام تحت إمرة قيادة قوية محبوبة، راشدة شاهدة بالقسط، قائمة لله بالحق.

طالع أيضا  د. حرور يدقّق النظر في معوّقات التربية الإيمانية الإحسانية وسبل تجاوزها

ولعلّ أَهَمّ ما قدّمه الإمام بين يَدَي الشهادة على الحركات الإسلامية ولها في ما صدر عنه قولا وفعلا وحركة مِن أجل التجديد والتغيير يمكن تلخيصه في قضايا كبرى:

القضية الأولى: التقوى والصحبة/”الأساس والراس”؛ والحكماء من العامّة يقولون لمن لا نجاح يُنتظر مِنه ولَه: “ما عنده أساس ولا راس”؛ الأساس التقوى فهي مطيّ الفلاح، والرأس الصحبة؛ والصحبة مفتاح، فإذا غابَت التّقوى غلب الأقوى وسيطر الهوى، وإذا غابت الصحبة مشى الإنسان في طريق مجهولة المعالم بلا دليل عارف عالم، والطريق المجهولة تكون الخطوات فيها بطيئة كما يقول الصينيون، أو مضى بتهور مجنون بلا رخصة قيادة، وبسرعة غير متوازنة في طريق وعرة ملتوية المسالك لا تفضي إلاّ إلى الحوادث والمهالك إذ الصحبة مفتاح للخير مغلاق للشرّ. يقول مَن لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم: «إن من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشر..الحديث» عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشر، وإن من الناس مفاتيح للشر، مغاليق للخير، فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه، وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه» 4، و“صحبة الأكابر تورّث السّلامة”، و“لا تَصْحَب مَن لا ينهضك حاله، ولا يدلّك على الله مقاله”. والصحبة مفتاح للنّصر. يقول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: «يغزو فئام من الناس فيقال لهم فيكم من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون. نعم فيفتح لهم..الحديث» 5.

القضية الثانية: الجماعة المجاهدة والمنهاج النبوي

التقوى والصحبة أساس الأمر ورأسه، ولكن لا بدّ للجماعة الإسلامية وحركتها مع هذين مِن عدد ورهط مَدد وإلاّ رُجِمَت إقصاءً وتهميشا، وحَصْرا وقهرا. قال تعالى: وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ 6. وقال عز وجل: هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ  7 وإلاّ فلا جهاد إلاّ بجماعة منظّمة، وتنظيم هذه الجماعة وجهادها لا يتأتّى في غياب دليل علمي عملي يمكن اعتباره بلغة العصر واصطلاحها خطة عمل استراتيجية، أو مشروع مجتمعي باللفظ المشترك، أو بناء عمران أخوي استخلافي بالاصطلاح المنهاجي.

القضية الثالثة: صحبة الشعب والميثاق

هذا البناء العمراني الأخوي المؤسّس على التقوى والصحبة، والمـُمَرَّر عبر قناة المنهاج والجماعة المنظمة المجاهدة لا بدّ له مِن أساس ثالث هو صحبة الشعب والميثاق؛ صحبة الشعب بخدمته وحمل هُمومه، ونصرة قضاياه، والدفاع عن حقوقه، ومؤازرة مظلوميته، وصلة رحمه، وقِرى ضيفه، وحمل كلّه، وإكساب معدومه، وإعانة محتاجه على نوائب الدّهر وصروفه، ودعوته دعوة صامتة وناطقة ليرفع من منسوب تديّنه، ومِن رصيد خُلقه، ومِن حسّ تطوّعه وبذله في سبيل الله ودعم حركة الإسلام الجادة الـمُجِدّة المجددة من أجل رفع كلمة الله، وإحراج الـمُستبد الفاسد لا أقلّ- بين يدي إحراجه من المعادلة والحساب كليا بإذن الله، وما ذلك على الله بعزيز. قال جَلّ مِن قائل: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ  8 والله مُتِمّ نوره ولو كره مَن كره. لكن صحبة الشعب وجه واحد – وإن كان الوجه الأهمّ – من هذه العملة الصّعبة، ويبقى الوجه الآخر الميثاق وهو صحبة خاصة بالنّخب من فضلاء الأمّة وأحرارها وشرفائها شرط أن يكونوا مسلمين – ما دام دين الأمّة الإسلام – وأن يكونوا ممّن لا يدينون بدين الانقياد ونحلة الغالب ، بل ممّن يحجزهم دينهم ومروءتهم وعزّة أنفسهم، ونفاسة معدنهم أن يسلِسوا القياد للمستبدّين، وأن يركنوا للظالمين، ويخوضوا مع الخائضين في دماء الشعب وأمواله ومقدراته وحقوقه وحرياته بغير وجه حقّ، ولا وجه صدق، بل تُحفّزهم صلابة عودهم على أن يكونوا عَصيّين على التطبيع مع العاضّ الذي يمارس الجبر ويدّعي الخلافة الراشدة متمنّعين على المساومة على المبادئ، والمفاوضة على الأصول، ومقايضة الدّين بالتّين، والحقّ بالمصلحة والمنفعة الذاتية الأنانية البخسة مما يستفزهم ويستحثّهم على الانخراط الواعي والطّوعي في مشروع ميثاق هو مائدة مُعَدَّة للحوار والتشاور من أجل التوافق والتشارك لوضع حدّ للوضع الـمُتَّفَق على رفضه، ومِن ثمّ على إيجاد حلّ لمرَضِه في أفق تغييره ممّا يُعيد للأمّة حقّها المسلوب، وأملها في أن تكون الأمّة الخيرية الشاهدة على الناس بالنموذج النّاجح الرّاجح الصالح لأن يُعمَّم مِن باب استيراد المرغوب فيه، لا تصدير الـمُملى الممنوح أو المـُكرَه عليه .

القضية الرابعة: القومة والدولة.

أمّا الأساس الرابع أو الرّكن الرابع بعد هذه الأركان الثلاثة: القومة والدولة؛ القومة واسطة عقد منظومة لفظية معنوية تَقْلِب الحروف على وجوهها الممكنة لغويا: إذ القومة إقام للصلاة، وقيام بالواجب، وقيام الليل، وتقويم للأوضاع والأحوال والأعمال، واستقامة على الحق والصواب والحكمة وفصل الخطاب، وقوامة رجولية تستقر بها الأسر، وتقييم للأوليات والنتائج والثّمار، ونشدان مقامات عالية عند الكبير المتعالي مع ذي المقام المحمود صلى الله عليه وسلم. ثم حَدِّثني مع هذا وبعده عن قومة قوم يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ  9 حَدِّثني مع هذا وبعده عن دعوة تنقلنا مِن حزب إلى شعب، ومِن شعب إلى حقّ مُكتسَب أو منتزَع في دولة هي نموذج ناجح قابل للتعميم، الدعوة فيه مراقِبة للدولة لا مُهيمِنة عليها، ولا مُستقِلّة عنها، ولا ذائبة فيها.

القضية الخامسة: قضيّتي مع الله عز وجل

كل القضايا المذكورة آنفاً تبقى مُساعِدة ومُكمّلة للقضيّة الأساس؛ قضيّتي أنا وقضيّتك أنتَ مع الله؛ وهل تقوانا وصحبتنا، وانخراطنا في مشروع مجتمعي وعمران أخوي بمنهاج ربّاني نبوي، تنظيمي زحفي، عدلي وإحساني نصحب من خلاله وبه الشعب تعبئة، والفضلاء مِن النُّخب ميثاقا لأجل قومة شاهدة بالقسط، ودولة تُمثِّل نموذجا ناجحا قابلا للاستيراد والتعميم يُفيدنا في شيء، ونخرج منه بطائل إن لم تكن لي ولك إلى الله حاجة، ولم نخرج مِن هذه الدّنيا مُخرَج صِدق فنُحقّق الرّجاء في الله والآخرة لنأتيَ الله بقلب سليم، ونحظى بجوار سيّد المرسلين مع النبيئين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين في أعلى عليين من دار النّعيم المقيم، وفي ظلّ الله يوم لا ظلّ إلاّ ظلّه، وعلى منابر مِن نور، وعلى أسِرّة المتحابّين في الله المتقابلين، وُجوهَ مُحبّين محبوبين ناضِرة ناظرة إلى الله ربّ العالمين.

طالع أيضا  أجواء ربانية ومعاني إحسانية في اليوم الأول لفعاليات "ذكرى الوفاء" السادسة

5- طرح الإمام المرشد في قراءته لتجارب التنظيمات الإسلامية، على ضوء المنهاج النبوي، عدة ملاحظات نقدية، هل يمكن أن تلخص لنا أهم هذه الملاحظات؟

يمكن إجمال هذه الملاحظات التي يتخذّ البعض منها بُعد تأمينات مُطمئِنة للآخر المحلّي والعالمي حتّى لا يُسقِط علينا أحكاما مُسبَقَةً جاهِزة باعتبار ما كان، ومِعيار مَن يَخيطُ على قياس الآخَر دون أن يتبيّن أو يتبصَّر.

 أولا: التربية أولا ووسطا وآخرا ولا آخر؛ فالتربية أساس كلّ بناء، ويحضرني في هذا الـمَقام كلمة قالها الإمام المجدّد رحمه الله لوفد مِن حركة إسلامية جاء إليه مِن خارج الحدود بعد انتصارٍ انتخابيّ مشهود ينتقد أوضاع بلادنا المغربية الـمُسيطر على جامعاتها مَن لا دين له، والـمُنتشِر في شوارعها مَن لا لحية ولا حجاب له، والمهيمن على مشاهدها ما لا يمُتّ بصِلة إلى الدّين، وإلى الحياء خُلق الإسلام والمسلمين، وهو المـُنتشي بحركة بلاده الإسلامية التي حرّرَت مساجِد، ووظّفتها في خدمة الدّعوة، واستقْطَبَت أعدادا جنّدَتْها في رِبح انتخابات، واستَدْعَت أُطُرا وأموالا استثمَرَتها في إقامة مشاريع، وتحقيق مكتسبات، وانتزاع حقوق وحريات، فكان منه هذا الردّ الرّحيم الحليم الحكيم: «إخوتي أحبّتي لا تُقارِنوا بين ناطِحة سَحاب وبِناءٍ يتأسّس، بل قارِنوا بين أساس وأساس، فإنّ البِناء مهما اتّسع وارتفع إذا حُرِم لَبِن التربية ولِحامَها يوشِكُ أن يتصدّع فيتداعى فينهار، حَذارِ الغفلة عن الله، وبَدارِ إلى التربية، التربية ثم التربية ثم التربية»

ثانيا: اللاءات الثلاث؛ لا للعنف، لا للسرية، لا للتبعية إلى الجهات الأجنبية. ووجود هذه الثلاثة بعضا أو كُلاّ هو ما حرَم الحركة الإسلامية حضورها وشهودها وشهادتها، فغيّبها أو أضعف وجودها، أو جعلها تمضي إلى حَتْفها طوعا أو كرها ارتجالا واستعجالا وابتذالا، أو حمّلَها تَبِعات مَن كانَت له تابعة أو متبوعة، فكان ذلك مَدعاة للإجهاز على ما اكتَسَبَت، أو الوقوف حاجِزاً دونما تمَنَّت، وله أرادَتْ وسَعَت.

ثالثا: القطرية توحيدا للجهود وتوفيرا لها؛ “وأهل مكة أدرى بشعابها”، حتى لا يتحمّل غيرنا تبعات آرائنا ومواقفنا، وحتى لا نتحمّل نحن تبعات آراء غيرنا ومواقفهم فنَقَع في مزلق المثل القائل: “طاحت الصومعة علقوا الحجّام” فإذا انعتق قُطْر مِن إسر العضّ والجَبْر وتحرر، وكان صالحا لأن يؤخذ به نموذجا ناجحا يُعمّم خيره، كان ذلك ضمانا له أن يَستقر ويَسْتمرّ ويُستثمَر.

رابعا: تجنب المزالق الثلاثة:

–  الإسلام الفكري قولا بلا فعل، وذِكْر تربية لا تربية ذكر، وصيحة في واد الغُثاء، ونفخة في رماد الخواء.

–  والإسلام الحركي جعجعة بلا طِحْن، وعملاً دائباً ذائباً بلا أثر، وبذراً وسقياً بلا ثَمَر.

–  وإسلام الزهادة بين سقف وحيطان، بعيدا عن واقع الناس المـُنْكَر الذي لا يتغيّر، ونشداناً لصلاح وإحسان في غياب عدل يحقّق الإصلاح للأوضاع وتغيير ما بالأمّة من أمراض وأوجاع.

ومع هذه الملاحظات/التأمينات الأربعة تأتي تأمينات أخرى لا تقلّ عنها أهمية وضرورة وفعالية إجرائية عملية:

1- تأمين متعلق بالمرأة: تحريرها وتكريمها وتفعيل دورها، وتنزيلها المنزلة التي أوصى بها الشارع الحكيم الرحيم واستوصى بها.

2 – العناية بالشباب تلاميذ وطلبة؛ لقول الشاعر:

إنَّ الغصونَ إذا قَوَّمْتها اعتدلتْ***ولا يَلينُ إذا قوَّمتهُ الخشبُ

وإيلاء النوابغ منهم العناية والرعاية اللازمة والاحتضان الواجب.

3- العناية بالأطر والطبقة الوسطى إرادةً وسعياً نحو تعميم الوعي، وتجنيداً لمن لديه الوسائل، ومنابر التواصل، ومراكز التأثير أن يُسهِم بسهمٍ صادق قاصِد هادف صائب في التعبئة والبناء والتعمير، والإصلاح والتغيير.

4- الدعوة مُراقِبة للدّولة، لا ذائبة فيها ولا مُهيمنة عليها، ولا ناحية عنها وقد سبقت الإشارة إلى ذلك.

5- هذا مع تأمينات تتعلق بالوفاء بالعهود الدولية، وعدم قطع الحبال مع الآخر، بل معاملته بحكمة لا تقول الحقّ ضربة لازب، ولا تؤاكِل وتشارب، بل تُسدِّد وتُقارِب، تُحافظ على المكاسب، وتُصانع الظرف بما يناسب. ولعلّ ما وقع للحركة الإسلامية الرائدة التي وصَلَت إلى سُدّة الحُكم، أو اقتربَت مِن مراكز قراره قد لقَّنتنا نتائجُها الضّعيفة، والمتفاوتة في درجات الضّعف ولا قوّة دروساً للتمثّل، لزِم وضعُها نُصب الاعتبار مِن أجل نقد الذّات لا جَلْدِها، ومراجعتها من خلال تصحيح المَسار قبل مواصلة المِشوار.

6- وتأمين آخر من الأهمية بمكان أنّ الخلافة لا ينبغي لها أن تستبدل نظاما أو منظومة استبدادية بأخرى مثلها أو أقلّ منها أو أكثر، بل إنها نظام بل منظومة عدلية إن كان لها قواسم مشتركة مبدئية، فإنها تترك لكل قطر استقلاليته وحريته في ترجمة الأصل إلى لغة البلد الـمُخْتَلِف، وواقع البلد الـمُختلِف، وإمكانات البلد المختلِف، وموقع البلد المختلِف ومستطاعه من خارطة طريق البناء والتعمير والإصلاح والتغيير.

خلاصة مفيدة: والمعوّل عليه بعد التوكّل على الله وتفويض الأمر إليه إحكام مقدّمات هذه القومة لضمان نتائجها الحلوة الطازجة المرجوة دولة ونموذجا ناجحا على حسن بناء الصفّ المرصوص وتقويته وتحسينه، وحسن تعبئة الشعب وتأطيره وتحصينه، وحسن استغلال فشل المستبدّين والفاسدين في الدّاخل والخارج، وحسن استثمار ما يُتيحه القدر الحكيم مِن فُرَص التسرّب اللّطيف، والانتشار المُنيف، والتواصل الشريف، والاقتحام غير العنيف تمكينا للأمّة بعد استضعاف، واستخلافا لها بعد استخفاف.

العقبة كؤود والعقبى لمن صبر، والوعد حق أنْكَر مَن أنكر وكفر مَن كفر، وأيقن من تفكّر وتدبّر وتبصّر، والواقع مرير والتفرّج عليه أدهى وأمرّ، فحيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، ولا إله إلاّ الله والله أكبر.


[1] رواه البخاري.
[2] النحل 76.
[3] الرعد 11.
[4] رواه ابن ماجة.
[5] عن أبى سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «يأتي على الناس زمان يغزو فئام من الناس فيقال لهم فيكم من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون. نعم فيفتح لهم ثم يغزو فئام من الناس فيقال لهم فيكم من رأى من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون نعم. فيفتح لهم ثم يغزو فئام من الناس فيقال لهم هل فيكم من رأى من صحب من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون نعم. فيفتح لهم». رواه مسلم.
[6] هود 91.
[7] الأنفال 62.
[8] الحج 40.
[9] المائدة 54.