ذكرى الوفاء السادسة لرحيل الإمام المجدد، يومي 15 و16 دجنبر 2018 بسلا، كانت نوعية. تجعل المراقب يتساءل عن طبيعة موضوع الذكرى وشكلها، خلافا لما كانت عليه ذكرى الوفاء في السنوات الماضية شكلا ومضمونًا.

ليس القصد من هذا التنوع في المواضيع الإثارة الفكرية أو السبق الإعلامي أو استعراض للعضلات الفكرية للجماعة المستقاة من غزارة فكر مرشدها المحاصر رحمه الله، إنما هو اكتمال رسائل دعوة العدل والإحسان التي تعرف بدورها حصارا مستمرا على كل أنشطتها.

كان إحياء الذكرى السنوية لرحيل الإمام عبد السلام ياسين، على شكل موائد مفتوحة على العاملين في الساحة السياسية والفكرية بكل توجهاتها. الهدف من ذلك تسليط الضوء على فكر الإمام وعلى مشروعه التغييري الشامل.

كل من حضر ذكرى الوفاء اكتشف فكر الإمام ومرمى وصيته الخالدة، واكتشف أيضا أبعاد مشروع العدل والإحسان ببعديها التدافعي والإحساني.

بعد خمس سنوات من التعريف بإسماع الصوت المكتوم وبسط مشروع المحتفى به سياسيا. جاءت الذكرى السادسة لتبرز البعد الإحساني لمشروع المنهاج النبوي من خلال نصيحة الوفاء على ضوء قوله تعالى: لقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا 1. أعقبتها ندوة فكرية بعنوان: “التربية الإيمانية الإحسانية على منهاج النبوة” أطرها ثلة من المفكرين من رجال ونساء الجماعة. الهدف من ذلك؛ أن يدرك كل من تابع وحضر في السنوات الخمس الماضية تلازم الغايتين في مشروع العدل والإحسان، ولتكتشف الأجيال الموالية توازي الفعل السياسي بالفعل التربوي؛ فهمًا خطان متوازيان ومتكاملان.

دأب كل من يهتم بتربية “المريد” على منحه شحنة عاطفية في الزوايا، بعيدا عن صخب الأسواق الاقتصادية والساحات السياسية والمنتديات الفكرية. لكن الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله؛ أراد أن ينقل الفرد من الخلاص الفردي إلى الخلاص الجماعي. يقول الأستاذ أحمد الشرقاوي رحمه الله في حق صديقه في الأدب والشعر: “… لم يكن ياسين يوما في حياته أنانيا. فكل ما تعلمه من مستجدات في العلوم يعلمنا إياه بكل محبة وشوق؛ تعلم الموسيقى واكتسب اللغات فحفزنا على ذلك، تعرف على الحاج العباس فحمله إلينا وقدمه لنا بوصفه بالجوهرة الثمينة…”.

بعد اليقظة القلبية للإمام أصبح همه إيقاظ الخلق لطلب وجه الله، وهو القائل رحمه الله بعد ولادته الروحية في كتاب الإحسان: “أنا أسعد الناس إذاً إن حصل في ميزان حسناتي أفواج من المحسنين كنت لهم صوتا يقول: من هنا الطريق، من هنا البداية.” 2.

فالإحسان عند الإمام ليس سلوكا انزوائيا، يهم الفرد بمعزل عن المجتمع. والإحسان أيضا ليس سلوكا تبركيا كما هو الشأن في الزوايا والصوامع التي ينعزل فيها السالك عن باقي الخلق، وتصبح عبادته ذات طابع “حضوضي”. يذكر الله لينال مقاما ويكتسب أجرا في الآخرة وأحوالا في الدنيا يفرح بها وينال قربا من شيخه يكتسب منه أنوارا، يتمشيخ بها لاحقا…

طالع أيضا  د. الزاوي يبسط الثمار العلمية والعملية للسلوك التربوي على منهاج النبوة

إنما الإحسان تزكية النفس لإصلاح المجتمع. وصحبة نورانية تنتشل الفرد من زمن العادة إلى زمن العبادة، في حضن جماعة مربية: إنها الصحبة والجماعة. لذلك نجد دعاءه رحمه الله في وصيته النفيسة: “أوصي أن يدعوَ أحبابي إخواني وأخواتي من جماعة العدل والإحسان ربنا عز وجل أن يمسك وحدة الصحبة والجماعة في جماعتنا كما يمسك السماوات والأرض أن تزولا”.

يطلق المؤرخون على بعض الحركات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية بأنها “حركات تاريخية”؛ لكونها أحدثت تغييرا وازنا ترك بصمته في تاريخ البشرية.

سوف يسجل التاريخ أن حركة العدل والإحسان لها وزنها التاريخي باستشرافها للمستقبل بإحداث انتقال بمعنى التغيير. الانتقال من طور الاستعباد إلى طور الاستخلاف (الميزان والقسطاس)، ومن طور العادة الجارفة إلى طور الإحسان.

لكن الإحسان غاية مبهمة عند كثير من الناس. وأغلب النخب السياسية والثقافية لا تعتبره هدفا بله غاية مصيرية. مرد ذلك إلى الانكسار التاريخي الذي عرفه تاريخ المسلمين، أفرز آليات حكم غير متوازنة، تفككت معها عرى الإسلام إلى اليوم.

جرح تاريخي عميق في جسم الأمة الإسلامية، توارثه جيل بعد جيل، إلى أن ظهرت اليوم حركات تحررية لا يستوعب أغلبها عمق الفجوة التاريخية التي تحاول العدل والإحسان تجاوزه من خلال المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا.

القصد من إحياء ذكرى الوفاء السادسة بموضوع التربية الإيمانية الإحسانية من خلال “نصيحة الوفاء”؛ تقريب المتابع من الأجواء التربوية التي يعيشها أبناء العدل والإحسان في مجالس النصيحة التي تعتبر محضنا مركزيا يكتسب فيه المحتضن تربية إيمانية إحسانية. ومجلس النصيحة محطة تربوية بامتياز تفتح فيها آذان القلوب ليستقر فيها الكلم الطيب الذي يمحو وساوس الشيطان وترقى النفوس من دركات النكوص إلى مقامات النهوض.

ووعيا منها بحساسية موضوع التربية الإيمانية الإحسانية في السلوك التربوي وقابليته للتضييق في زاوية من الأرض وبعد فترة من زمن الرحيل، تتهمم الجماعة بثنائية الصحبة والجماعة منطلقا وثنائية العدل والإحسان غاية؛ حتى يبقى النسق الطاقي متوهجا.

طالع أيضا  ذ بناجح يعرض خلاصات الحراك الاجتماعي ويقدم ضمانات الانتقال الديمقراطي

بذلك تصبح الرسائل التربوية والسياسية لذكرى الوفاء متوازنة ومتكاملة، يفهم من خلالها الجميع أن جسم جماعة العدل والإحسان يقف على رجلين ليقتحم العقبات وينظر بعينين يستشرف بهما المستقبل.


[1] سورة الأحزاب، الآية 21
[2] الاحسان ج1- ص 23