تناول الدكتور محمد الزاوي، الأستاذ الباحث في مناهج الاجتهاد والتجديد في الفكر الإسلامي المعاصر “الثمار العلمية والعملية للسلوك الجهادي عند الإمام”، في العرض الثاني من عروض الندوة الفكرية: “التربية الإيمانية الإحسانية على منهاج النبوة”، التي نظمتها جماعة العدل والإحسان، ضمن فعاليات اليوم الثاني من “ذكرى الوفاء” السادسة، صباح الأحد 8 ربيع الثاني 1440ه/16 دجنبر 2018م.

ركز المتخصص في مناهج البحث في العلوم الإسلامية الثمار العلمية للسلوك الجهادي في ثلاثة عناصر: “الثمار على مستوى المفاهيم، ثم على مستوى الفقه المنهاجي الجامع لمشروع الإمام رحمه الله عز وجل، ثم على مستوى القضايا المعرفية مع التركيز على قضية غاية في الأهمية هي التقويم المتبصر للتراث”، وركز الثمار العملية أيضا في ثلاثة عناصر أخرى.

في محور الثمار العلمية أوضح عضو الهيئة العامة للتربية والدعوة للجماعة أن “الإمام رحمه الله تعالى كان يولي أهمية بالغة للمستوى المفاهيمي.. فشكل جهازا مفاهيميا خاصا به.. فالمفهوم عند الإمام إما أداة للتحليل أو تخليص لبعض المفاهيم، كمفهوم التربية، الإمام أعاد استنبات هذا المفهوم في التربية الإيمانية بدلالات ومضامين قرآنية نبوية”.

وأوضح الزاوي، في محور الفقه المنهاجي الجامع، أن الإمام في هذا الباب يؤكد على أسبقية المنهاج على العمل والحركة، فالعمل إمام العمل، قائلا “يُلح الفقه المنهاجي على ضرورة صياغة معرفة شاملة بالكيف الإسلامي لإنجاز ما عند الجماعة المؤمنة من غايات وأهداف. صياغة تعلمنا مَن نحن أوَّلاً،  وتعلمنا في نفس الوقت المصدر النبوي البشري للهداية، وكيف تحول المجتمع الفتنوي مجتمعاً إسلامياً، وكيف كان النموذج النبوي في التربية والجهاد والحكم فَذاً وبم كان، وكيف تطور التاريخ بالأمة على عهد الخلفاء الراشدين إلى زوابع الفتنة، ثم بعد ذلك إلى الملك العاض فالجبري، ثم كيف العمل اليوم وغداً لإتمام اليقظة الإسلامية المباركة، فتحرير الأمة من الاستعباد والتبعية، ونصب الخلافة على منهاج النبوة”.

وكشف الزاوي أن الإمام صاغ هذه الصياغة في منهاج جامع تناول عدة قضايا، وقف المتحدث على بعض جزئياتها: “هذا الفقه الجامع ينظر إلى التراث من حيث موقعه ومن حيث نسبيته، ثم إنه يحاول أن يجمع بين فقه السلوك، الذي غيب كثيرا في تاريخ الأمة، فلم تعط له الأولوية والأسبقية وهذا يلح عليه الإمام رحمه الله عز وجل فيقول:  وينظر من وجهة مقابِلة إلى زماننا الحاضر حيث تعالت فيه أصوات “العقلانية المؤمنة” على حساب فقه ترقيق القلوب، وكأن فقه المحبة في الله، فقه حب الله، فقه التقرب والسلوك إلى الله بدعة طارئة في الدين لا أصل لها، وكأنه علم دخيل لا مكانة له في السرادق الفخم، سرادق علوم الإسلام.  ثم يقول الإمام “إن الأمة تحتاج لمن يشرح لها فقه السلوك كما تحتاج لمن يضبط لها فقه الحلال والحرام ، وفقه الفرائض، وفقه أصول الاعتقاد”.

طالع أيضا  العدل والإحسان تخلد الذكرى السادسة لرحيل الإمام عبد السلام ياسين.. البلاغ والبرنامج

ويخبر الزاوي أن “من أهم العقبات في طريق هذا الفقه الجامع هو كيفية إعادة العقل المسلم وتركيبه تركيبا إسلاميا، يقول الإمام: “ومن أهم العقبات في طريق السلوك الإحساني الجهادي ترويض العقل ليكون مستسلما لله عز وجل وللنبوة، ويكون في نفس الحركة فاعلا في الكون السببي”.. لذلك فهو يتحدث عن الرحمة القلبية والحكمة العقلية، إذن فهو فقه يجمع هذا الشتات ويجمع ما تفرق بعد عهد الصحابة رضوان الله عليهم”.

ثم انتقل المتحدث بعدها إلى المحور الثالث باسطا مجموعة من القضايا، منها تحدث الإمام عن “النقض المتبصر للتراث، فقد صاغ الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله عز وجل مشروعا تجديديا متكاملا في مراجعة وتقويم وتجديد التراث؛ منهجا ومضمونا وإعمالا وصياغة”، مستشهدا بنص للإمام رحمه الله عز وجل يقول فيه “المطلوب الآن وبعد الآن استجماع ما تفرق بعد زمان الصحابة، واكتساب الشخصية الجهادية الصحابيَّة، واستصحاب ما ترثه أجيالنا من علماء الدين الأولين والآخرين استئناساً به لا عبئا ثقيلا، اجتهادا نستضيء به نحن لنقول كلمتَنا من إزاء القرآن ومن مشارف الصحبة.. من تحت الرماد نقتبس الجذوة الحُبية، لا مناص من أخذ الجوهر عن الأكابر أهل المعرفة والنور، وإن محاولة تخطي عصور الركام قفزا بلا زاد قلبي يؤصل نسبتنا للنبوة والصحبة لمغامرة في فضاء الإسلام المعرفي الثقافي”، ليجمع مضامين هذا القبس من كلام الإمام في التالي: “اعتبار أن سلوك الصحابة هو النموذج الحاكم على غيرهم، والإمام يميز بين نموذج الصحابة الذي هو النموذج المعيار، والنموذج الذي كان في كنف صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الحاكم على غيره، وبين تراث التجزيء والتشتت الذي عرفته الأمة في عهد العض والجبر، تجربة تحتاج منا إلى نقد وتمحيص ودراسة، وبالتالي فالنموذج عند الإمام هو سلوك الصحابة الذي هو أكمل السلوك لأنهم تربوا في كنف رسول الله صلى الله عليه وسلم وجمعوا بين الجهادين؛ الجهاد النفسي على المستوى الفردي والجهاد الآفاقي على مستوى الجماعة والأمة”.

طالع أيضا  الشخصية الإحسانية وأهميتها الجهادية

ونبه الزاوي إلى أنه “لا ينبغي أن نفهم من هذا أننا نستعيض أو أننا نقفز على هذا المعين القلبي، هاته الجذوة الحُبية، وبالتالي لابد أن نأخذ موقفا واصلا ونفاصل؛ واصلا من حيث الجوهر، شرف هذا العلم بمعانيه ورقائقه، ولكن نفاصل من حيث الأعراض والأساليب التي تعتبر مظهرا  من مظاهر الانزواء، إذن فلابد أن نجمع بين الأمرين”.

وبعد بسط الثمار العلمية انتقل الباحث في مناهج الاجتهاد والتجديد في الفكر الإسلامي المعاصر إلى إبراز الثمار العملية للسلوك الجهادي عند الإمام رحمه الله تعالى، مبرزا أن “التربية كما يقول الإمام انتماء وتشبع وتشرب”، ومتناولا هذه الثمار من خلال ثلاثة عناصر هي: “1. التجربة الشخصية العملية للإمام في حضن الصحبة المباركة، 2. الخصال العشر وشعب الإيمان، 3. توزين العامل الذاتي في ترشيد العمل الإسلامي”.

ففي شأن التجربة الشخصية العملية للإمام؛ أكد الزاوي أن “مشروع الإمام رحمه الله عز وجل لم يكن تخمينا فكريا يسبح في عالم التجريد، وإنما كان ثمرة فيض رباني أفاضه الله تعالى على قلب تزكى وزكاه الله تعالى في حوزة صحبة مباركة، وهو كذلك ثمرة عمل الليل والنهار، وجُهد العقل والجسد والقلب”، مستنبطا هذا من كلام للإمام رحمه الله تعالى يلخص فيه الولادة المعتمدة في طريق الله على يد محسن من المحسنين: “فهأنا أكتب بعد تسع وعشرين سنة مضت منذ وضعت قدمي في الحوزة المباركة يوم احتضنني وليدا تائبا حائرا وأنا في الأربعين من عمري شيخي وقدوتي”. ويضيف مشددا “عندما نتحدث عن الثمار العلمية لابد أن نستحضر أن هذا المشروع هو فيض من الله عز وجل في أحضان صحبة مباركة”.

بخصوص العنصر الثاني من الثمار العملية أورد الزاوي كلام الإمام عن “سياج الشريعة”: “من رام الصعود إلى مراتب الإحسان وسلوك طريق العرفان دون أن يُحكم إسلامه الظاهر، وإيمانه الباطن خُلُقا وطاعة، وأدبا مع الله والناس، وأداء للحقوق، كان كمن يبني على غير أساس، وسقط على أُمِّ رَأسه”. ومستنبطا أن “سياج الشريعة المتمثل في الخصال العشر من صحبة وجماعة وصحبة في جماعة وذكر وصدق وجهاد وشعبها هي الضامن بعد الله عز وجل لعدم الزيغ والروغان”.

طالع أيضا  الإمام عبد السلام ياسين: أي تربية نريد (1)

واقتبس الزاوي بعض القواعد والمحاذير السلوكية التي استحضرها الإمام باسطا إياها في: “طلب الفتح حجاب وفتنة والمطلوب دوام الاستقامة – غلبة الأحوال بلاء وخطر على السالك –  لا تعتبر هذه الأحوال إلا بشرط عدم اصطدامها بأحكام الدين ونصوصه، فلا عاصم من الزيغ والخطإ إلا معيار التمسك بظاهر الشريعة كما يتمسك الغريق بخشبة النجاة”.

ووقف الزاوي مع العنصر الأخير من هذه الثمار وهو توزين العامل الذاتي وترشيد التدين، حيث استعار كلاما للإمام ياسين رحمه الله تعالى يقول فيه: “يقتضي توزين العامل الذاتي وترجيح جانبه أن نعطي الأهمية القصوى لفحص ذاتنا، للنظر في عيوبنا، لتمحيص صفنا، لتربية نفوسنا وصقل قلوبنا وتهيييء المحل الذي يتنزل فيه نصر الله”.

وحذر الزاوي من مزالق جمعها الإمام في: “مزلق إسلام الزهادة والهروب من المجتمع، ومزلق الإسلام الفكري الثقافي الملتحم بالواقع، ثم الإسلام السطحي الجوارحي الذي يركز على الأعمال الجوارحية، وأخيرا مزلق الإسلام السياسي دون تربية ممهدة، الذي يضخم الجانب السياسي على حساب التربية”.