في سياق إحياء الذكرى السادسة لرحيل الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله يومي السبت والأحد 15-16 دجنبر 2018، عرفت الندوة الفكرية المبرمجة في اليوم الثاني تحت عنوان “التربية الإحسانية على منهاج النبوة”، مداخلة أولى تحت عنوان “التربية الإيمانية الإحسانية” – المفهوم والمرجعيات العلمية والشرعية”، قدمتها الدكتورة خديجة مسامح، الأستاذة الباحثة في مقاصد الشريعة، والمتخصصة في فقه الخطاب الشرعي، وعضوة الهيئة العامة للعمل النسائي بجماعة العدل والإحسان، حيث أكدت أن موضوع التربية الإيمانية الإحسانية “وصفه صاحبه رحمه الله بأنه أجل الموضوعات على الإطلاق لأنه موضوعه هو صلة العبد بربه كما يقول الإمام المجدد: “ويا خسارة من خرج من الدنيا وليس له حظ من الله ولا نصيب ولا علم ولا هدى ولا كتاب منير”. موضوع جليل عظيم لا يدعي أحد الإحاطة بكل جوانبه ولكن إثارة العلم من العلم كما يقال”.

وتناولت مسامح موضوع التربية الإيمانية الإحسانية عند الإمام المرشد من حيث الماهية ومن حيث التأصيل؛ “فأما من حيث الماهية فمعنى التربية الإيمانية الإحسانية هو التنمية أي الارتقاء من الإسلام إلى الإيمان إلى الإحسان. وهي كذلك هو الجمع بين الهم الفردي والهم الجماعي. وينطلق الإمام من مركزية التربية الإيمانية الإحسانية في بناء الشخصية المؤمنة التي يعنيها مصيرها الفردي إحسانا ويعنيها مصيرها الجماعي عدلا باعتماد مجموعة من الأصول والمصادر الإسلامية قرآنا وسنة واجتهادا”.

وأضافت أنه “حين يتحدث الإمام عن التربية الإيمانية الإحسانية لا يقصد بها المفهوم السائد في إعداد المواطن الصالح أو العالم المتخصص وإنما يقصد بالتربية غير ذلك حيث يقول حمه الله: “التربية الإيمانية الإحسانية شيء آخر غير التدريب الفكري، غير التدريب الحركي، غير التعليم السطحي، غير التنشيط الجماعي، غير كل هذه الجزئيات، مما لابد منه، ومما يتوسع فيه الناس حتى يصبح هو التربية في نظرهم. الغاية أن يعرف العبد ربه، بأن يتقرب إليه حتى يحبه سبحانه، ويكرمه بما يكرم به أولياءه. وكل القربات من أقوال، وأفعال، وأحوال، وأخلاق، في جوف هذه الغاية، وفي طريقها ومن شروطها بضابط الكتاب والسنة والاتباع. وكل ما يسميه لسان الاصطلاح “تربية” دون أن يحقق هذه الغاية فليس التربية التي نقصدها”.

“إذن فالتربية التي يقصدها الإمام”، تؤكد مسامح، “هي تعبئة طاقات فردية لتندمج في حركة اجتماعية يعمل العاملون بجهد متكامل ينفع الله به الأمة. فهو يراهن على التربية باعتبارين:

طالع أيضا  عبد السلام ياسين مُربيا وبيداغوجيا

الأول: باعتبارها ركيزة أساسية في بناء الشخصية المؤمنة المتوازنة.

والثاني باعتبارها مدخلا جوهريا لكل تغيير في واقع الأمة وضامنا لنهضتها وقومتها من سباتها.

وقد عبر الأستاذ المرشد رحمه الله عن مفهوم التربية الإيمانية الإحسانية بصيغ مجاورة لها تفيد معناها فعبر عنها مرة بلفظ “التزكية” وهي ليست انزواء وانطواء وإنما هي إرادة فاعلة، فيقول رحمه الله أنه ليس “المؤمن المتزكي من يتفرغ ليله ونهاره للسجود والركوع. ذاك عابد هارب من الدنيا، له مع ربه شأن لا يعنينا منه إلا الإشارة إلى أنه حاد عن المنهاج القرآني النبوي الجهادي إلى الفضيلة الفردية”. ثم تحدث الإمام عن التربية الإيمانية الإحسانية بصيغة أخرى تفرد بها وهي مفهوم السلوك الجهادي، الذي يقتضي دمج جهاد النفس مع جهاد العلم والعمل، وجمع الفرار إلى الله مع الثبات في أرض النفير أرض البذل والعطاء أرض الجهاد بمعانيه العامة التي تتضمن النفس والوقت والجهد والمال والعلم،  فإذا كان الإحسان العبادي أن نعبد الله كأننا نراه فهذا يستلزم بالضرورة الإحسان الجهادي الذي هو زحف لتمكين دين الله في الأرض،  يقول رحمه الله: “ينبغي للتربية الإيمانية الإحسانية أن تربط جهاد النفس لترويضها على الحق بجهاد العلم والعمل”. ويقول في موضع آخر معرفا بأهم خاصية يتميز بها مشروعه التربوي: “لكن مشروعنا جهادي ونظرنا إلى الصحابة رضوان الله عليهم منغمسين- كانوا- في جو الوحي والقتال كان الإحسان العبادي والإحسان الجهادي لا ينفكان في حياتهم”.

“هكذا”، تقول المتدخلة، “نجد الأستاذ عبد السلام ياسين اختار كلمات “التزكية” و”الإحسان” و”السلوك الجهادي” للحديث عن التربية الإيمانية الإحسانية لما لها من حمولة قرآنية ونبوية ويفضلها على كلمة “تصوف” ويتساءل رحمه الله: “ماهو التصوف وما بينه من علاقة وبين الألفاظ القرآنية النبوية مثل: إحسان، تزكية، أولياء، تقرب إلى الله، سابقون، مقربون، محبون، محبوبون؟ وهل بعد العلم يرويه العلماء عن العلماء بما قال الله، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من مطلب؟” وفي موضع آخر يقول: “ما علاقة التصوف وهو لفظ محدث، بالإحسان وهو لفظ قرآني نبوي، وبالتزكية والتطهر؟” ويؤكد اعتراضه على استعمال كلمة تصوف فيقول: “لست أدعو إلى التصوف ولا أحب الاسم ولا الشكل لأني لا أجدهما في كتاب الله وسنة رسوله” صلى الله عليه وسلم”.

طالع أيضا  ذة. حمداوي: نخلد هذه الذكرى تجديدا للوفاء لمشروع الإمام ووقوفا على بعض جوانبه

وأكدت الدكتورة مسامح أن الإمام رحمه الله “خبر السنة النبوية والحديث الشريف ووجد فيه ما يؤكد أن الدين مراتب إسلام وإيمان وإحسان، وأن الإيمان يبلى ويتجدد وله طعم وذوق، وأن الجهاد لا يمكن فصله عن الذكر، منطلقا في ذلك من حديث لرسول الله يدلل به على أن أهم مداخل الجهاد في سبيل الله المداومة على ذكر الله؛ قال رحمه الله: “وليكون ذكرنا ذكر مجاهدين نقرأ البرنامج الجهادي كله، ومن أهم مداخله دوام الذكر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم لأصحابه وهم في حركة جهادية، في سفر جهادي في طريق مكة: “سبق المفردون.” قالوا وما المفردون يا رسول الله؟ قال: “الذاكرون الله كثيرا والذاكرات”. كان صلى الله عليه وسلم يوم قالها قرب جبل جمدان، لم يكن في رحلة صيد أو متعة واسترواح. فان جاء جيل جرد قربة الذكر الكثير عن سياقه الجهادي ومقدماته الجهادية ولواحقها الجهادية فقد أخذ خيرا كثيرا، لكنه لم يأخذ السنة الكاملة، فلا يحق له الأسوة الموعود عليها خير الدنيا والآخرة بالجزاء الأوفى والقرب والزلفى”.

وفي إطار تجديده لمعاني السلوك إلى الله، نظر الإمام رحمه الله، تشير مسامح، “نظرة المستقرئ المتأمل في ما كتبه العلماء حول هذا الموضوع  بغية الوصول إلى جوهر حقيقته قال: “نريد أن نلمس طريقا لمعرفة الحق في موضوع خطير، موضوع السلوك إلى الله جل وعلا. كثر حوله النزاع وتضاربت الآراء، واحتدم الخلاف، وحميت المعركة”. تتبع رحمه الله آراء المحدثين، وعلماء الأصول ومقاصد الشريعة وفقهاء الأحكام وفقهاء التربية لبيان مشروعيته بدليل إجماع أهل العلم المعتد بآراءهم قال رحمه الله: “الآن وقد شب عمرو عن الطوق بفضل الملك الوهاب أعود لأشهد شهادة الحق أرجو بها وجه الله، أعود لأحدث من يقرأني حديث القلب عن القلب وعن الإحسان وعن محبة الله ورسوله وعن المعرفة وعن الكمال. كل ذلك من خلال عرض هادئ لقضايا التصوف، ومن خلال نصوص لا خلاف حول مؤلفيها” ويؤكد أنه في غنى عن المصطلحات المحدثة التي كثيرا ما كانت مثار خلاف، في حين لو رجعنا إلى لغة القرآن وبيان إمام أهل الإحسان لوجدنا الحديث عن الإحسان والتزكية وإحياء النفوس من البديهيات المسلمات التي تسموا عن أي خلاف أو اختلاف”.

وتختتم مسامح حديثها عن هذه القضية الجليلة فتقول:

طالع أيضا  الأوراد عند الإمام عبد السلام ياسين.. طريق إلى الله وإلى موعود الله

“رصد الإمام تجارب رجالات علم التصوف ومواقف أطباء القلوب وأكثر من اقتباس نصوص من كتاباتهم وقدم نماذج من سلوك أعلامهم، واختلاف طرقهم في التربية، وميز رحمه الله بين سلوكين: سلوك المجاهدة وسلوك الشكر وقدم موقفه منهما معا.