0   +   6   =  

انطلق مساء اليوم؛ السبت 07 ربيع الثاني 1440هـ/15 دجنبر 2018م، برنامج ذكرى الوفاء السادسة لرحيل الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى، تحت شعار “لا تحبس الصلة برازخ الموت”، بمجلس النصيحة.

افتتح هذا المجلس بآيات بينات من الذكر الحكيم. تلتها كلمة لعضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان وأمين هيئتها العامة للتربية والدعوة الأستاذ أبو بكر بن الصديق، بسط فيها أهمية مجلس النصيحة والرعاية التي أولاها الإمام له، جاء فيها “وإنه إخواني أخواتي، مما تركنا عليه الإمام رحمه الله وبه أوصى وإليه أرشد مجالس النصيحة”، مؤرخا لهذا المجلس التربوي الإيماني بمجموعة من الرسائل التي بعث بها الإمام المرشد حاضّا أعضاء وعضوات الجماعة على المداومة على ارتياد هذه المجالس لما فيها من “أرزاق معنوية يأخذ حظه منها من حضر وواسى بنفسه وحارب النفس والكسل وقلة المبالاة”، مؤكدا على التدرج في مقامات الدين التي تبدأ بإسلام فإيمان فإحسان، نافيا أن يستطيع السالك إلى الله تعالى القفز على المقامات الأولى ليصل مباشرة إلى مقام الإحسان، حاثا على القيام بفرائض الإسلام من عبادات فردية فرضا ونفلا، كي يستطيع الوصول إلى طلب بقية شعب الإيمان وصولا إلى السعي الجهادي.

في الفقرة الثانية المبرمجة في هذه النصيحة وهي فقرة التفسير، تناول الكلمة الدكتور محماد رفيع، الأستاذ الباحث في مقاصد الشريعة، فسأل اللهَ سبحانه وتعالى – بداية – أن ينزل على الإمام المرشد “من سكناته ورضوانه، وأن يبشرنا بأننا من المومنين الذين لهم قدم صدق عنده سبحانه وتعالى”.

تحدث الدكتور رفيع عن سورة الأحزاب مؤكدا أنها “عظيمة لأنها تضمنت حدثا نوعيا وابتلاء له صلى الله عليه وسلم ولمن معه من المومنين، حدث عظيم تضمنت تفاصيله هذه الغزوة العظيمة.. أحزاب تآمروا لاستئصال شأفة الإسلام في بداية الدولة والمسلمون قلة. وجاء قوله تعالى: لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا”، واسطة عقد هذه السورة.

وأضاف أن سورة الأحزاب “تضمنت ثنائية مضطردة من بدايتها وإلى نهايتها؛ وهي ثنائية الصدق والنفاق.

وتضمن قول الله تعالى: لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا، ثلاث قضايا:

1- الصحبة من حيث هي المخرج والملجأ من كل المآزق.

2- الصدق: فلا يمكن أن يطال مقام الرجاء والتعلق بالله واليوم الآخر في اللحظات الفردية والجماعية شخص لا يستبد به الصدق.

3- ذكر الله الكثير، وهي من لوازم وشروط الصحبة”.

والجميل في هذا كله، يضيف رفيع، “أن معاني الصحبة ومعاني الصدق ومعاني الذكر ذكرها الله تعالى في سياق الجهاد والابتلاء والقتال والثبات، وفي السياق الذي لا ينفع فيه إلا الصدق. كما أثبتت السورة من خلال مجريات أحداث غزوة الخندق. لذلك فالسياق قبل هذه الآية هو سياق يتحدث عن النفاق باعتباره من معوقات الجهاد ومن معوقات البناء”.

طالع أيضا  دة. الكركاري: الإمام أرشد المرأة إلى التربية النبوية باقتفاء نموذج الصحابيات

ثم جاءت هذه الآية، يذكّر الدكتور رفيع، “لتتحدث عن معاني الصدق المتفرعة عن مفهوم ومعاني الصحبة”، ثم السياق الذي جاء بعد هذه الآية: وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا”، وهذا ينافي تماما ما قيل في سياق النفاق “وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا، هذه مقولة المنافقين وهذا شعارهم. ولذلك أثنى الله على هذا المؤمنين الصادقين ليجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ.

وعاد رفيع إلى الآية، وهي قوله تعالى: لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ، مشيرا أنها “أصل في الصحبة، وهي ليست خبرا بل هي تشريع وخطاب للصحابة وللأمة لتنزيل الصحبة. وفي قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (9) إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا يؤكد سبحانه أنه صلى الله عليه وسلم كان الثابت الصادق الذي لا يتزعزع، يستمد منه الصحابة الصدق والثبات والرحمة. وكانوا يجدونه صلى الله عليه وسلم في حفر الخندق وفي التضرع إلى الله وفي كل لحظة من اللحظات الحرجة، وكلما شق عليهم الأمر اشتكوا له، فلما أروه أنهم يربط كل منهم حجرا على بطنه كان هو يربط حجرين.. قدوة صلى الله عليه وسلم في كل شيء”.

هذه الصحبة وهذه الأسوة الحسنة، يستطرد رفيع، “لم يُنتفع بها إلا على شرط الصدق محبة وخضوعا وائتمارا بأوامره وانتهاء بنواهيه: لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا. وذكر الله كثيرا شرط أساسي في السلوك للكينونة مع الصادقين وللانتفاع بالصحبة. والآية تعلمنا كذلك أن معاني الصحبة والذكر والصدق متلازمة لا تنفك عن معاني الجهاد، كما أكدته الآية وقررته السورة”.

في الفقرة الثالثة من برنامج هذا المجلس، المخصصة لقراءة في كتاب الإحسان للإمام المرشد رحمه الله تعالى، تناول الكلمة الأستاذ عبد الرحيم رقي، المحاضر في الشأن التربوي، في موضوع “المنزلة العظمى من الإحسان”.

افتتح الإمام المجدد هذه الفقرة من الفصل الخامس بتأكيده أنه “لا بد لطالب الحق من علم مسبق بما هو الحق”، مذكرا بما في الفصل الأول من هذا الكتاب من صور حياة علماءَ أكابرَ “جاءوا بعد تحصيل العلم النظري يطلبون معرفة الله والطريق إليها عند الصالحين”. ويذكر أنه ذكّر في الفصل الثاني “بالنداء الموجه إلى الفطرة البشرية، يدعو الله عز وجل الإنسان لاقتحام العقبة”. وذكّر بما جاء في الفصل الثالث من شرط السلوك “وهو صحبة المُسَلِّك“. وفي الفصل الرابع الشرط الثالث وهو “الذكر والأوراد ومجالس الإيمان”. ويشير رقي إلى كلام الإمام المرشد حين قال “هذا العلم المسبق بالتاريخ وبالشروط “الموضوعية” أدعى أن يُدخل في رُوح السائل عن الحق، ذي الإلمام بدينه تَتعاوَرُهُ نيات الإقدام والإحجام، اهتماما جديدا وهما سديدا وحرصا بعد ذلك شديدا بمصيره وحظه من الله ومنزلته عنده”.

طالع أيضا  مداخلة الدكتور احرشان في ندوة "المغرب: عمق الأزمة وسؤال المستقبل" (فيديو)

ويضيف رقي أن الإمام يواصل وهو يمسك بيد طالب الحق يفتح عينيه ويوجهه تارة بخطاب قوي حتى يصل إلى أن يقول له: “حتى دولة الإسلام إن نصرتها في غفلة عن الله هي دنيا في حقك”، بما تحمله الدنيا من مذام كما وصفها الله سبحانه وتعالى، بل أكثر من ذلك يقول له: “يقال لك يوم يكلل هام الأمة بتاج الخلافة قم قد استوفيت حقك ونلت ما كتب لك وأُعطيت سؤلك، لم تطلب الله يوما ومن فاته الله فاته كل شيء”.

واستشهد المتحدث بنص للإمام عبد القادر الجيلاني، بأسلوبه القوي المنهض، يتحدث بدقة عن أهل المنزلة العظمى حسب ما يوافق ذلك الزمان، في خطابه المباشر الذي ينفذ إلى أعماق النفس، قال رحمه الله تعالى: “جميع أعمالك وأقوالك ومقاصدك دنية. القوم ليس في أعمالهم ملق. هم الفائزون، هم الموقنون الموحدون المخلصون الصابرون على بلاء الله عز وجل وآفاته، الشاكرون على نعمائه وكراماته. يذكرون بألسنتهم ثم بقلوبهم ثم بأسرارهم. إذا جاءتهم الأذايا من الخلق تبسموا في وجوههم. ملوك الدنيا عندهم معزولون. جميع من في الأرض عندهم موتى، عاجزون، مرضى، فقراء. الجنة بالإضافة إليهم كأنها خراب. النار بالإضافة إليهم مخمودة. لا أرض ولا سماء ولا ساكن فيهما. تتَّحد جهاتهم (أي جهات قصدهم) فتصير جهة واحدة. كانوا مع الدنيا وأهلها، ثم صاروا مع الأخرى وأهلها، ثم صاروا مع رب الدنيا والآخرة. التحقوا به وبالمحبين له. ساروا بقلوبهم حتى وصلوا إليه، وحصلوا الرفيق قبل الطريق. فتحوا الباب بينهم وبينه بذكرهم. ما زالوا يذكرونه حتى حط الذكر عنهم أوزارهم. فقدُهم مع غيره ووجودهم به”.

وختم رقي بكلام للإمام حيث قال: “ويحك! أنت ما فتحت الباب بينك وبينه تذكره وتناجيه، بل فتحت باب الخلق، وتِهت في دراسة “الكون الكبير”، وتعمقت في “فقه الواقع”، ونسيت الله. ونسيت سنة الله. لا جَرَمَ تحصل على ما هاجرت إليه. لا جرم تلتحق بالمناضلين من كل صنف وإن رفعت شعارات الإسلام. لم تلتحق بأحبائه. ما سمعت عنهم خبرا. ما عاهدته، ما وفيت، ما صدقت. كيف لك بالصدق إن لم تكن مع الصادقين!”.

طالع أيضا  أرضية ندوة "تنامي الحراك الاجتماعي ومساهمته في الانتقال الديمقراطي"

بعد هذه الكلمات فتح المجال لمجموعة من المداخلات التي أغنت المجلس نقاشا وتفاعلا وتوضيحا، ليختم بكلمة توجيهية للأمين العام لجماعة العدل والإحسان، الأستاذ محمد عبادي، الذي أكد على وجوب التفريق بين أمرين؛ أولهما: ماذا يريد الله مني؟ وثانيهما: ماذا يريد الله بي؟ موضحا أنه لا يجب الاهتمام بالسؤال الأول فهو أمر راجع إلى الله تعالى، وإنما يجب التهمم بالمراد مني أنا، “في هذا الظرف والمكان والحال، فألتزم بالحكم الشرعي”.

ونبه الأستاذ عبادي المؤمن في حال الوقوف على سؤال: أين أنا من السلوك إلى الله تعالى؟ فإن نسب فضلا من الأفضال إلى نفسه يكون قد دخل في المنهي عنه، إذ أن الله عز وجل نهانا أن نزكي أنفسنا.

وأوضح الأستاذ عبادي أنه “من مقتضيات العبودية التي ينبغي أن نتحقق بها هي ما يناقض صفات الكمال، فالكمال لله وحده”، مبينا أنه على المؤمن أن “ينسب النقص لنفسه ويخلص في أعماله ثم يتجرد منها.. فلا يدعي منزلة أو صفة هي من صفات الله تعالى”.

وأضاف مستدلا بقوله سبحانه وتعالى يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله أن الآية دعوة من الله تعالى إلى العودة واللجوء إليه وإظهار الافتقار إليه عز وجل.

واسترسل مؤكدا أن “أي قدر من العزة يمكن للإنسان أن ينسبه إلى نفسه هو لله سبحانه وتعالى، ولله العزة ولرسوله وللمومنين صيغة تفيد الحصر، فالله سبحانه وتعالى هو الغني، وصفات الإنسان هي صفات العبودية التي تقتضي الدونية”.. فإن علم المؤمن هذا فإنه يرجع إلى مكانته لم أك شيئا فيجعل الله منه كل شيء؛ “من تواضع لله رفعه”.

للإشارة فمجلس النصيحة يعد من أهم مجالس التربية عند جماعة العدل والإحسان، يجتمع فيه أعضاؤها طلبا لما عند الله تعالى من فضل الاجتماع والانجماع عليه، ومدارسة كتابه، وعلى سير السالكين لله عز وجل، يتعلمون فيه الإيمان والإحسان ويغذون فيه قلوبهم وأرواحهم، فيها يقول الإمام رحمه الله تعالى: “في مجالس النصيحة، إخوتي، تنشرح الصدور ببركة الصحبة والذكر، وبركة صدق المتجالسين في الله”.

يذكر أن فعاليات هذه الذكرى ستمتد إلى يوم غد الأحد 08 ربيع الثاني 1440هـ/16 دجنبر 2018م، حيث سيتم تنظيم ندوة فكرية تحت عنوان “التربية الإيمانية الإحسانية على منهاج النبوة”، وتنتهي بكلمة السيد الأمين العام الأستاذ محمد عبادي فدعاء الختم.