مقدمة

 تعتبر التربية من أعظم الوسائل وأهمها في تكوين شخصية الإنسان السّوية والراقية. وهي وسيلة أجمعَ العلماء والمفكرون والفلاسفة على نجاعتها لما أعطته من نتائج إنسانية باهرة عبر تاريخ البشرية. هذا الإجماع العام والمبدئي على ضرورة تربية الإنسان لم يخْلُ من وجود اختلاف على مستوى المفهوم والوسائل والشروط والأهداف. وقد نتج عن هذا الاختلاف بروز أنواع من التربية. منها التربية الفكرية، التربية الروحية، التربية البدنية، التربية النفسية، التربية الأخلاقية، التربية الفنية… إلخ. وداخل كل نوع من هذه الأنواع نجد كذلك أنواعا من فروع التربية، فمثلا في التربية الأخلاقية نجد التربية بالملاحظة، والتربية بالعادة، والتربية بالإشارة، والتربية بالموعظة، والتربية بالترهيب والترغيب. فإذاً داخل موضوع التربية نجد ما هو من باب الأصول ونجد ما هو من باب الفروع. وعلى رأس هذه الأصول والفروع نجد التربية الإيمانية، وهي الجامعة لخيري الدنيا والآخرة. نجد من بين مَن وضع لها مرتكزات وبسط لها معالم الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى في الفكر المنهاجي. فما هي هذه المرتكزات التي صاغ منها نظرية تربوية كاملة وشاملة؟

مرتكزات التربية

 ترتكز التربية في الفكر المنهاجي على مرتكزين مُهمين، هما المرتكز المعرفي الذي يحيط بالنظرية التربوية أو على الأقل يلمّ بمعالمها الرئيسية من شروط نجاحها وأهدافها وغاياتها. وعلى المرتكز العملي الذي يقوم بتنزيل النظرية على أرض الواقع حتى لا تبقى حِبراً على الأوراق وأفكارا مُكدّسة في الرؤوس وأقوالا تُلاك على الألسُن.

1- المرتكز المعرفي/النظري

انطلاقا من مبدأ “العلم إمام العمل” فإنه من الخطأ بمكان أن نَخضع للتربية عمليا دون سابق إلمام وإحاطة بحيثياتها المعرفية ومقتضياتها العِلمية، من مفهوم وشروط وأهداف ووسائل وأساليب.

مفهوم التربية: التربية بمعنى التقويم والنماء، التقويم يقتضي تقويم النفس حتى تستقيم على جادة الطريق، وتقويم السلوك حتى يستقيم من الاعوجاج. والنماء يقتضي الارتقاء والزيادة في خصال الخير والإيمان. وفي الفكر المنهاجي “التربية عملية على نجاحها يتوقف ميلاد المسلم إلى عالم الإيمان ثم نشوءه فيه وتمكنه ورجولته” 1. فالتربية إذا عملية تزكية من تخلية وتحلية باطنا وظاهرا، يخضع لها المسلم لترتقي به من عالم الإسلام إلى عالم الإيمان. وبذلك الارتقاء تصبح له نشأة إيمانية، وتصبح له إمكانيات العمل والدعوة والجهاد والحركة، وتتجسد فيه رجولة المجاهد الشاهد بالقسط باعتبار التربية الواجهة الأولى من واجهات الجهاد.

الهدف من التربية: نجد عند الماديين أهدافا للتربية تنحصر في إعداد المواطن الصالح، ذلك العامل المنتج والاختصاصي الكفء. فهي أهداف لا تتجاوز آفاق الدنيا، ولا تخرج عن إطار الغفلة. بينما نجد في الفكر المنهاجي الهدف من التربية هو إيقاظ قلب الإنسان بالإيمان وعقله بالعلم ليكون عبدا لله تعالى. القلب ينفتح بالسلوك لمعرفة الخالق سبحانه والتعامل معه لنيل مواهبه ورضاه. بينما يتفتح العقل على علم الشريعة وعلوم الكون ليكون وسيلة لمعرفة الواجب الديني والتعامل مع الخلق ومع الأشياء.

والأهداف التي تتوخاها التربية في الفكر المنهاجي لا تنحصر في بعدها الفردي فقط وإنما تتجاوزه إلى أبعاد أخرى كالمجتمع والأمة؛ فتهدف:

– على مستوى الفرد إلى تطهير قلبه وتزكية نفسه وتنوير عقله وتهذيب سلوكه.

– وعلى مستوى المجتمع إلى تغيير الذهنيات والعادات والأنانيات لنقله من مجتمع فتنوي إلى مجتمع إسلامي.

– وعلى مستوى الأمة إلى بناء وحدتها، وتوحيد كلمتها وجهودها بتوحيد أقطارها من أجل التمكين والاستخلاف في الأرض.

شروط التربية

 تتبلور المعادلة التربوية في الفكر المنهاجي من ثلاثة شروط وهي:

1- الصحبة والجماعة/ الصحبة في الجماعة: الصحبة لقاء المسلم بولي لله مرشد يدله على الله، ويسلك به الطريق إليه، والجماعة جماعة من المؤمنين تؤوي هذا المسلم وتحضنه وتربيه على خصال الخير وشعب الإيمان، وترتقي به في مدارج الدين ومراتبه، من إسلام لإيمان لإحسان. والصحبة والجماعة لا ينفصلان في السلوك الجماعي الجهادي، فإذا كانت الصحبة دعوى فإن الجماعة برهان. وعندما يرحل المصحوب يبقى سرّه مبثوثا في الجماعة. فتتحول الصحبة من (لــِ) إلى (في). وهكذا كان حال الصحابة من بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو صحبة بعضهم لبعض في الجماعة. فقد روى البخاري عن المسور بن مخرمة قال:” لما طُعن عمر رضي الله عنه جعل یألم، فقال له ابن عباس رضي الله عنهما: یا أمیر المؤمنین لقد صحبت رسول الله صلى الله علیه وسلم فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض، ثم صحبت أبا بكٍر رضي الله عنه فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض، ثم صحبت صحبتهم، فأحسنت صحبتهم، ولئن فارقتهم لتفارقنهم وهم عنك راضون، قال: أما ما ذكرت من صحبة رسول الله صلى الله علیه فإنما ذاك منٌّ منَّ الله تعالى به عليَّ، وأما ما ذكرت من صحبة أبي بكٍر رضي الله عنه وأرضاه، فإنما ذاكَ منٌّ مِنَ الله جل ذكره منَّ به علَيَّ، وأما ما ترى من جزعي، فهو من أجلك وأجل أصحابك، والله لو أن ليِ طِلاعَ الأرض ذهباً، لافتدیت به من عذاب الله عز وجل قبل أن أراه”.

2- الذكر: كل العبادات شرعت لذكر الله. كل الأعضاء الظاهرة والباطنة منتدبة لذكر الله. ذكر القلب، أعظمها، ثم ذكر اللسان، ثم ذكر الأعضاء عندما تتكيف بكيفيات الصلاة، أو تُمْسك نهارَ الصوم، أو تطوف وتسعى وتقف وترمي في نسك الحج. ذكر الله به يتقدس الكيان القلبي للمؤمن، ويكون التقديس أعظم إن كان ذكر الله أدومَ. ويكون ذكر الله أعظم إن كانت دواعي الغفلة وأزمة الموقف أشدَّ. وبهذا يكون الذكر في الجهاد، الذكر عندما يخاف الناس ويزدحمون على مخارج الأمان ومهارب الجبن، أكبر الذكر.

طالع أيضا  آليات التربية الإيمانية الإحسانية عند الإمام ياسين

3- الصدق: صدق الهمة والذمة والهجرة إلى الله تعالى، الصدق القابلية لتلقي التربية، الصدق ينافي النفاق بشعبه، ينافي أنصاف الحلول، ينافي الإسلام الموروث، الصدق الثبات على المبادئ والجرأة في المواقف والخطاب، الصدق المضي نحو تحقيق أهداف الإسلام بعزيمة قوية وطول نفس. وإنما يُكتسب الصدق بالكينونة مع الصادقين. يقول الله تعالى: ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين 2.

ولعل من أبرز خصائص هذه التربية الإيمانية أن تكون متوازنة، بمعنى أن تتوجه إلى الإنسان المسلم في كليته، وتشمل جميع جوانبه القلبية والعقلية والحركية بحيث لا يطغى جانب على آخر. وأن يحرص المسلم المؤمن الراغب في التربية المستعد لها قلبا وقالبا على التدرج في أمورها، وعلى التحلي بالصبر، وعلى الصدق في طلب وجه الله تعالى فإن التربية أولا ووسطا وآخرا ولا آخر، ومن ظن يوما أنه استكمل تربية نفسه فهو الأولى بالتربية.

مبادئ التربية

للتربية مبادئ يحرص المؤمن عليها حتى تكون تربيته ناجحة من البداية إلى النهاية، وهي ثلاثة مبادئ:

1. التلقي: وهو مبدأ يحيلنا إلى المصدر الذي يمكن أن نتلقى منه هذه المعرفة التربوية. فليس الجميع يملكون هذه المعرفة بل لابد من تلقيها من فم الربانيين ومن سلوكهم وذلك عن طريق الصحبة والمجالسة والتلمذة.

2. الترقي: التربية في الفكر المنهاجي لا ترضى بمستوى معين، ولا تقبل بمقام أدنى، بل هي ارتقاء مستمر ودائم من حال حسن إلى حال أحسن، ومن مقام أدنى إلى مقام أعلى، ومن مجموع ضعيف أو متوسط من شعب الإيمان إلى مجموع جيد من شعب الإيمان، هو ارتقاء بالمعنى الفعلي من الحفاظ على الفرائض ثم إلى الحرص على الفضائل ثمّ إلى العمل بأحب الأعمال إلى الله تعالى. وبالتالي هذا المبدأ في شكله العام هو ارتقاء من إسلام لإيمان لإحسان.

3. التوقي: هو الحذر من التعاطي مع أمر التربية بنوع من اللامبالاة، ويعني هذا ثلاثة مسائل:

الأولى: الحذر من الخلط في مصادر التلقي بالخلط في الصحبة، أو الخلط في الوسائل كالخلط في الأوراد وفي المجالس وغيرها. وقد قيل: من يلتفت لا يصل.

الثانية: الحذر من الاكتفاء بالجانب المعرفي دون الجانب العملي، فيصبح الأمر انفصاما في الشخصية بمخالفة الفكر للسلوك، والقول للعمل. فإنه من مزالق التربية أن يكون الاهتمام بالفكر على حساب التقوى، وبالعقل على حساب القلب. يقول الإمام رحمه الله: “إسلام الزهادة والهروب من المجتمع، والإسلام الفكري، والحركية على حساب التقوى والعلم ثلاثة مزالق” 3.

الثالثة: الحذر من الغرور التربوي، وذلك بأن يظنّ أحدُنا أنه استكمل تربية نفسه وبلغ نهايتها. يقول الإمام المجدد رحمه الله:” التربية أولا ووسطا وآخِرا، ولا آخَر، ودائما. لا نفرغ من تقويم أنفسنا. ومتى ظننا أننا أتممنا تهذيبها فذلك نزغ الغرور، وغرة بالله، وطيش في ميزان الرجولة. كيف والله عز وجل يأمر رسوله المصطفى الكامل بالاستقامة إذ يقول: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ 4، وإشارة إلى هذا الأمر يقول الحبيب صلى الله عليه وسلم: “شيبتني هود والواقعة5.” 6.

2- المرتكز العملي/التطبيقي

انطلاقا من مبدأ “العلم يؤذن بالعمل وإلا رحل” فإنه لا بد من ترجمة هذا العلم التربوي وهذه المعرفة التربوية إلى عمل يتجسد:

أولا: في سلوك إيماني بأخلاق سامية. وهذا التجسيد الخلقي هو أول تعبير عن مظاهر نجاح هذه التربية الإيمانية. ولأن المجتمع الإيماني الذي ننشده ينبغي أن يكتسي بالسمت الجميل والمظهر النظيف فلا بد للنشء أن يتربى على دوام الطهارة والنظافة والسواك والتطيب والعناية بخصال الفطرة من شعر وأظفار. ويتربي كذلك على لُبس اللباس البسيط الأنيق بلا ترف ولا تشبه بالكفار ولا تكبر، ويتربى على الكلمة الطيبة وعلى الحياء والوقار والبشر الدائم والابتسامة المشرقة وعلى كلمة السلام عليكم، وتشميت العاطس، وعلى سائر ما فصلته السنة النبوية من جماليات وآداب. يقول أحد المفكرين الفلاسفة:”نحن لا نغير العالم بما نقوله أو نفعله، بل بتبعات ما نمسي عليه”.

طالع أيضا  د. أمكاسو: التربية الإيمانية الإحسانية قضيتنا الأساس

ثانيا: في حضور المجالس الخاصة بالتربية والتعليم. فيستفيد المؤمن ويفيد، وينال من بركة هذه المجالس ونفحاتها ومن أرزاقها المادية والمعنوية ما لا يناله في غيرها. يحضرها المؤمن ولا يملّ، بنية الراغب في ما عند الله، وبتواضع مَن خفض جناحه للمؤمنين، وأحبّ المؤمنين. ويكفي من عظيم بركات هذه المجالس – بعد الفتن التي تدفعنا إلى الغفلة عن الله تعالى خارجها- أن تردّنا ونحن داخلها إلى حالة الفطرة الإيمانية التي خلقنا الله عليها، والتي يريد أن نكون عليها، والتي يرضى سبحانه أن نلقاه بها.

ثالثا: في التطوع الميداني ببذل الجهد والوقت والمال، حتى ينتقل المؤمن من الموقف التابع أو المحايد إلى الموقف المسؤول والفعّال، ومن الذهنية التي تنتظر من يحل لها المشاكل إلى عقلية تحل مشاكلها بنفسها وتساهم في حلّ مشاكل الناس. وكلما رأى المؤمن نتائج مجهوده التربوي تظهر له في الواقع وأمام عينيه كلما تقوّى عزمُه وزادت رغبتُه في تربية نفسه وفي دعوة غيره وخدمة دينه.

الوسائل

ومن أجل تحقيق الأهداف المرجوة من التربية يطرح الفكر المنهاجي جملة من الوسائل التربوية تُعرف بالمجالس الإيمانية من أسر تربوية ورباطات واعتكافات ومجالس النصيحة ومجالس القرآن والذكر والحديث، إلى جانب يوم المؤمن وليلته، ودعاء الرابطة، وعقد الأخوة، والمحبة الإيمانية، ولزوم المسجد عند الصلوات… وغيرها. وسأركز هنا على بعضها مما أورده الإمام المرشد في كتاب الإحسان أو كانت له فيه رسائل وتذكير دائم وتوصيات. وهي المسجد، مجلس النصيحة، الأوراد، المحبة الإيمانية، ودعاء الرابطة.

 1- المسجد: الشّاهد لمعتاديه وعمّاره بالإيمان “هو المؤسسة الدعوية الأولى، بيت الله منه وفيه وإليه ينطلق الجهاد ويخطط ويأوي (…) حلقات التعليم ومجالس الإيمان في المساجد جزء لا يتجزأ من برامج تربية المؤمنين” 7. فيه يكون اللقاء والموعد مع الله، وفيه كانت اللقاءات والمجالس الإيمانية وحلق الذكر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضوان الله عليهم.

2- مجلس النصيحة: ينفرد هذا المجلس بأهميته التربوية الإيمانية في التعبير عن الصحبة المباشرة بالنيابة، وتتصدر مجلسه إشرافا قيادة تربوية لها في ذلك الكفاءة والأهلية، وينعقد في دورية أسبوعية فإن تعذر فشهرية على الأكثر. أدع الأستاذ منير الركراكي حفظه الله يعرفنا بهذا المجلس في كتابه “مجلس النصيحة”، فيقول: “إنه مجلس ذكر ومذاكرة وفتح رباني، مجلس علم وحلم، مجلس تلاوة ومدارسة تحفّ أهلَه الملائكة، وتغشاهم الرحمة، وتَنزل عليهم السكينة، ويَذكرهم اللهُ فيمن عنده…”.

3- الأوراد والأذكار: في فقرة تحت عنوان “الأوراد وخصائص الأذكار” من كتاب الإحسان يعرفنا المرشد بحقيقة الأوراد فيقول رحمه الله: “المداومة في أوقات معينة على أذكار معينة هي ما يسمى في اصطلاح القوم بالأوراد. والأوراد أوتادٌ راسية عليها يبني المؤمن خيمة الذكر في أرجاء وقته وعامة نشاطه وسُوَيْدَاءِ قلبه. الأوراد هي الطريق إلى الله عز وجل لا يستغني عنها مبتدئٌ ولا يزهد فيها واصل (…) الأوراد والمداومة عليها سنة. وهي بمثابة نَذْر يقطعه العبد الصادق على نفسه يجب عليه الوفاء به. لذلك حذر العلماء من الدخول في الأوراد بخِفَّة مخافة أن لا يفي العبد بما عاهد الله عليه منها (…) للذكر مَراقٍ، يترقى المريد من ذكر اللسان إلى ذكر القلب واللسان، ومن الوفاء بأوراد محدودة إلى الاستغراق ثم الاستهتار إن وفقه الله” 8.

ومما يتمّ للمؤمن التركيز عليه في هذا الصدد تثبيت يوم المؤمن وليلته:

ورد الذكر: وفيه الاستغفار بالأسحار فهو من علامات المحسنين الذين يستغفرون بالأسحار (300 مرة)، ثم الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الإكثار (300 مرة)، ثم قول لا إله إلا الله مع الاستهتار (3000 مرة).

 ورد القرآن: وهو تلاوة حزبين على الأقل يوميا مع قراءة السور والآيات الفاضلة، وتخصيص وقت لحفظ نصيب منه لمن فاته أن يحفظ القرآن كله على ظهر قلبه.

4- المحبة الإيمانية: وهي من وسائل نجاح السالك في هذا الطريق، وهي محبة تجمع السالك بمرشده الروحي، وتجمعه بإخوانه المؤمنين في الطريق، وهذه المحبة روح الصحبة وأساسها. فـــــ“ليست الصحبة تطبيقا مجردا للنصوص وامتثالا جافا عسكريا للأوامر، إنما هي محبة تثبت وترسخ وتنمو وتتجذر في القلوب بالملازمة والمخالطة والمعايشة والتلمذة حتى يملك حب المصحوب على الصاحب كيانه كله” 9.. وما بلغ الصحابة رضي الله عنهم ما بلغوه من ذرى الإحسان إلا بتعلقهم الشديد بشخص رسول الله صلى الله عليه وسلم محبة وتعظيما وتقديرا وتوقيرا وإجلالا. ذلك التعلق بالمصحوب هو من أيقظ إرادتهم وحركها لطلب المعالي وليس الخضوع لشخص آمر وناه. وباعتبار سلوكنا في الجماعة سلوكا جماعيا فإن التواصل القلبي الحبّي لا يقف عند المرشد الروحي وإنما يشمل جميع المؤمنين حتى يفيض رحمة على العالمين.

طالع أيضا  الأساس التربوي في فكر الأستاذ عبد السلام - مكوناته ومقاصده

5- دعاء الرابطة: المؤمن كما تجمعه بآبائه الروحيين وإخوانه المؤمنين رابطة المحبة يجمعه بهم كذلك الدعاء بظهر الغيب. يقول الله تعالى: والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم 10. وما طلب الإمام المرشد رحمه الله يوما من إخوانه أكثر من أن يحبوه ويدعوا معه بظهر الغيب. وانقل هنا كلاما للإمام أورده في المنهاج النبوي يبين فيه طريقة الدعاء وكيفيته فيقول رحمه الله: “ينبغي لكل مؤمن والأفضل وقت السحر عندما ينزل ربنا عز وجل إلى السماء الدنيا يدعونا هل من تائبٍ وسائلٍ-أن يفتح دعاءه الرابط بالفاتحة، ثم يستغفر الله لذنبه، ويسأله لنفسه ووالديه وأهله وولده وذوي رحمه خير الدنيا والآخرة، ويصلي ويسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أنبياء الله ورسله. ثم على الخلفاء الراشدين والصحابة والأزواج والذرية. ثم على التابعين وصالحي الأمة وأئمتها. ثم يتلو مُعمّما الدعاء: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا. ربنا إنك رؤوف رحيم. ثم على المؤمنين المجاهدين في عصرنا ويعرض على الله حوبتنا ويستفتح للمجاهدين. ثم يخصص بالدعاء من يربطه بهم رباط الجهاد ويذكر الأسماء. ثم يسأل الله لأمة محمد صلى الله عليه وسلم الرحمة والمغفرة والنصر وخير الدنيا والآخرة. ويَتوجّه في دعائه هذا لمستقبل الإسلام والخلافة والظهور على الأعداء. بهذا يستشعر المؤمن انتماءً إلى الموكب النوراني موكب الإيمان والجهاد- من لدن آدم إلى يوم القيامة فيدخل في بركة أمة الخير التي تولاها الله. ويزداد صلة إيمانية ومحبة بمن يدعو لهم عن ظهر غيب من إخوته” 11.

الأساليب

للتربية أساليب لا تقل أهمية عن مفهومها وأهدافها وشروطها ووسائلها، ويمكن أن نجملها في أسلوبين رئيسيين هما:

 الرحمة: ويقصد بها الإمام رحمه الله تعالى ما مِنَ الله عز وجل إلى العبد، يقصد بها تلك العلاقة الإيمانية الإحسانية بين العبد وربّه. وتتجلى هذه الرحمة العُلوية في الرحمة الأفقية أي الوَلاية بين المؤمنين والمؤمنات كما بين القرآن سياقها في سورة التوبة. وفي آخر السياق قال الله تعالى:[ أولئك سيرحمهم الله]التوبة:71. وعن الرحمة الولائية بين المؤمنين والمؤمنات ينتج التلاحم في المواقف والتناصر والتآزر والتعاون كالجسد الواحد. ومن الوظائف المعطلة اليوم في الأمة وظيفة الرحمة في العالمين.

الحكمة: ويقصد بها الإمام رحمه الله اجتهاد العقل وإنجازه لمقتضيات الرحمة كيف تتحقق بين العبد وربه وكيف تسري بين المؤمنين والمؤمنات حتى يصبحوا ذلك الجسد الواحد. والحكمة خير كثير يؤتيه الله تعالى من يشاء، هو نور يقذفه الله في قلب عبده فيميز به بين الحق والباطل، وبين الخير والشر. عند الإمام مالك رحمه الله :”الحكمة معرفة الدين والعمل به”. وعند الإمام ابن قتيبة رحمه الله:” الحكمة عند العرب العلم والعمل”. فإن كانت الرحمة قلبية فالحكمة عقلية وهي أن يتلقى العقل عن القلب رحمة الإيمان ونور الهداية ما به ينفذ شرع الله تعالى بين الناس في الأرض.

خاتمة

بالجمع بين المرتكز المعرفي والمرتكز العملي نكون قد استوعبنا النظرية التربوية في الفكر المنهاجي على الأقلّ في خطوطها العريضة. ويبقى لمن أراد أن يتعمق في هذه النظرية أن يطّلع على كتب الإمام التي فصلت ووضحت وحلّلت في الموضوع أكثر. ولا تغني كلمة ماء عن الماء لمن أراد أن يروي العطش، ولا كلمة مطر عن المطر لمن أراد أن يسقي ما غرس وزرع. والله تعالى الموفق والهادي إلى الصراط المستقيم.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه.

والحمد لله رب العالمين


[1] المنهاج النبوي، ص:55.
[2] التبوبة:119.
[3] المنهاج النبوي، ص:55.
[4] هود:112.
[5] رواه الترمذي
[6] المنهاج النبوي، ص:387.
[7] ياسين عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، ص:73.
[8] ياسين عبد السلام، الإحسان ج1، ص:297-298.
[9] نفس المرجع، ص:101
[10] الحشر:10.
[11] المنهاج النبوي، ص:127.