في مثل هذه الأيام قبل ست سنوات ارتقى رحمه الله، بعد عمر من العبادة والجهاد والعمل الصالح، والبناء والاهتمام بالأمة.

رحيل الإمام عبد السلام ياسين لحظة فارقة، وإن كانت كل حياته فارقةً، بما هو مؤسس لمشروع مترامي التعبيرات، ومتعدد، وطموح، وأصيل.

لم يكن مقلدا رحمه الله إلا لمن أُمرنا شرعا أن نقتدي به صلى الله عليه وسلم، برؤية عميقة للأمور، تكاد تتداخل وتتشابك مع تعقيدات إشكالات العصر، غير أنها تصير سلسلة بتماسك الرؤية، وانضباطها لغايتين ساميتين، لخصهما على ضوء قوله تعالى: “إن الله يأمر بالعدل والإحسان”.

ولو شئنا لتقريب شخصيته لمن لم يعرفه حيّا من شباب اليوم، عبر رسم “صورة قلمية”، أزجم أنها تقصر عن التعريف به كما ينبغي، ونصوغها على هدْي العناوين الثلاثة التي اختطها في المنهاج (تربية وتنظيما وزحفا).

1ـ الإمام مرشدا ومربيا

إن هذه “المرتبة” لم يطلبها، لكنه بفضل المنّان الحنّان نالها (وقد صرّح بذلك ولمّح لمن ألقى السمع وهو شهيد) بعد مكابدة ومجاهدة، وسهر الليل وتشمير النهار، بعدما استقر في قلبه أن الله أعز ما يطلبه الإنسان، فقام لما ينهض له الأكابر الراسخون في أرض الحقيقة، يلتمس الطريق، حتى وجد الصوى والعلامات، فاهتدى إلى أقدار الله المقدّرة، فشرب من نبعها الصافي، ما يقيم به صُلْب روحه.

كان من وجوه الناس، وكان يمكن أن يحوز الدنيا لو أرادها، لكن طلبه كان مما عزّ أن يطلبه الناس.

مرشدا مربيا لأنه لم يطلب غير الله، ولم يجر على لسانه سوى الله، ولم يكن حديثه إلا عن الله، مستحثا على طلب النفيس وقد عرفه، ومستنهضا لطلب وجه الكريم وقد كان طلبه، و”داعيا إلى الله بإذنه” ممسكا بسراج كتاب الله وسنة نبيه.

طالع أيضا  ذة. جرعود: ستظل أبوابنا مفتوحة لكل غيور من بنات وأبناء هذا الوطن

مرشدا مربيا وقد شرب من الماء الزلال الطاهر من منابعه، منتسبا للنسب الشريف طينيا وروحيا. كان بسند متصل بنورانية تنتهي إلى الأعتاب الشريفة والدوحة المنيفة.

لهذا كانت التربية أسّ مهمته، وجماع وظائفه، وشاغله وبرنامجه. بل رحمه الله غداة رفع الحصار عنه سئل عن برنامج الجماعة، فقال: “التربية ثم التربية ثم التربية”.

والتربية بالنسبة له رحمه الله زاد المؤمن للنهوض بواجباته الشرعية كاملة، فلم يكن يبني حركة سياسية للتدافع السياسي وفقط، ولم يكن يؤسس لـ”زاوية” مقطوعة عن العالم تنشغل بـ”خُويْصة النفس”. سعى إلى “الحُسنيَيْن” في مشروع إعاد بناء الأمة: الإحسان والعدل. يتساوقان ويتلازمان ويتكاملان، وفق فقه منهاجي يوجّه ويضبط السلوك الفردي والجماعة، لهذا كان منهاجه منهاج “تربية وتنظيم وزحف”.

2ـ الإمام مجاهدا

لم يجبن عن الحق، ولم يسْتكن وقتما كانت القلوب تبلغ الحناجر خوفا من الجور، بل صدح بالحق بلا وجل، لأن قصده كان الله، ولأن قلبه فرغ مما دون الله. ومن صار همه الله لم يهُمَّه ما دونه جلّ شأنه.

كتب للحسن الثاني وقت جبروته ناصحا مشفقا، داعيا إلى الله، ومذكرا بأن الإسلام رسالة الله الباقية، وأنه الحق، وما دونه باطل، وأن الظلم إلى زوال، مستحثا إياه لتلمّس طريق “توبة عمرية” يرفعه الله بها مقامات، أو لينتظر نظامه “الطوفان”، أفواجا من المتطهرين الذاكرين الله بالغداة والعشي يريدون وجهه، حين تلتقي مع إرادة الشعب للانعتاق، في قومة بناء مباركة “تحيي عظام الأمة وهي رميم”.

وقد كان فهم الإمام المجدد راسخا على أن مناهضة الظلم من جملة ما يحرص عليه المؤمن وهو يبتغي وجه الله، بما هي جهاد، ودين لا يكاد ينفصل عن الصلاة والصوم والحج، وغيرها من العبادات.

بشّر الإمام المجدد بـ”طوفان”، قصد أن يكون “طوفان تطهير لأجل إعمار”. سمّى مقصده فيما كتب “عمرانا أخويا”، تلخيصا لرسالة، وتحقّقا بمعنى الاستخلاف مرادِ الحق سبحانه.

طالع أيضا  روبورتاج ندوة العدل والإحسان بخنيفرة: القضية الأمازيغية والتحولات المجتمعية (فيديو)

كما أرسل للملك الشاب حينها محمد السادس، يدعوه إلى ما دعا إليه والده، بلغة أخرى وشكل آخر، لكن للغاية ذاتها، وبنفس الاهتمام والحرص. ذكرهما بالآخرة لأنها عنده رحمة الله عليه مناط كل قول، وأوضح حجم ما يحملان أمام الله وخلقه، ودعاهما إلى ما به يلقيان الله. وبقية القصة مما يعرفها القاصي والداني.

3ـ الإمام مؤلفا

أمسك بتلابيب العلم على هدى من الله. اجتمع فيه ما قلّ أن يجتمع للناس، فجال في حقول المعرفة، القلبية والعقلية، برسوخ، وفتح مساحات واسعة للتأمل والمذاكرة والمطارحة، بلغة متفردة لا تنسج على منوال.

ساجل الفلسفات الإنسانية الكبرى بدون مركب نقص، بل نقض ما استحق النقض، وانتقد ما استلزم النقد، وحاور ما استحق المحاورة، وأشاد بما يفرض على متلقيه أن يشيد به، باعتبار السياقات المؤطرة والشروط المنتجة.

كما ناقش المذاهب المؤسسة في المُنْجز الإسلامي. صارما في مواطن الصرامة، يقول قول الحق الذي “لا يترك لا صاحبا ولا حبيبا”، ونافح عمّا استقر في يقينه أنه صميم الدين، وما به تنهض الأمة، في أدب جمّ لا تنتقص منه القوة.

كان يكتب باهتمام بالغ، لأنه يريد لبناء الأمة أن يكون على أساس متين، فلا مجال للمداورة أو المداراة، أو قول نصف الحقائق.

في عشرات المؤلفات كان صارما، ومنضبطا، وواعيا بأن كل حرف يخْتطه هو أداءٌ للشهادة، وقيام بالنصح، وأنه “عمل صالح ينتفع به”، وعلى امتداد أجيال. كان رحمه الله يكتب لله، ولصناعة التاريخ.

“أفكاره” لم تكن سجينة موجات، ولا مدارس، أو تيارات… كان يذهب رأسا إلى حيث يجب أن يجلس المجدّد مُتتلمذا، أخذا من معين كتاب الله وسنة رسوله.

لم يخضع لإكراهات الوقت وشروطه، لذلك كتاباته متحررة من الزمان والمكان، بآفاق رحبة، تكاد تخفي للمستقبل أكثر مما تظهر، وكلٌ بحسب استيعابه لما كتب رحمه الله، لكن الأكيد أن ما كتبه، مما رأى نور الطبع وما لايزال، مشروع أمة، ينظر للأمور بمنظار التجديد، الذي يبدأ بتجديد الإيمان “الذي يبلى في القلوب”، إلى تجديد لـ”الإيمان الجماعي” عبر قومة بناء تشمل كل الأمة، مؤسسة على السعي لمرضاة الله وحده.

طالع أيضا  ذ. النويضي يُعدّد أعطاب دستور 2011 وأسباب الأزمة ويقترح مخرجات لها