أجرى موقع الجماعة نت حوارا مع الأستاذة حفيظة فرشاشي، عضوة الهيأة العامة للعمل النسائي لجماعة العدل والإحسان، تناول بعض الجوانب المرتبطة بقضية المرأة من منظور منهاجي. فيما يلي النص الكامل للحوار:

1- هل هناك ما يميز أسس التربية الروحية ووسائلها عند المرأة عن نظيرتها عند الرجل؟

طلب وجه الله وقربه والدرجات العلى عنده مطلب يشترك فيه الرجال والنساء ممن سمت همتهم ولم يكن لهم دون ذلك مطلب، والاختلاف بين الذكر والأنثى لا يحرم هذه الأخيرة من هذا الحق والتطلع إليه. وأول حق على المرأة المطالبة به هو حقها في معرفة الله، لأن هذا المطلب من الأمور الذي شوش عليها في تاريخ المسلمين وحيل بين النساء وبين التشوف لطلبه، وكأن الولاية والقربى من الله حكر على الرجل، حيث نجد الكثير من فضلاء هذه الأمة الذين سبقونا بإحسان يربطون بين المرأة والطفل الذي لم يبلغ رشده في عدم إدراكهما قيمة السمو الروحي. ومما يؤاخذ على بعض ساداتنا الأكابر هذه النظرة الدونية للمرأة وقرنها بالطفل فهما معا غير راشدين، وكلامهم مرهون بواقعهم التاريخي وما شابه من انكسارات حادت عن أصل النهج النبوي في النظرة للمرأة. نجد لهم العذر ولا عذر لمن يستشهد بكلامهم في المسألة في وقتنا الحالي ففيه أذية لهم وللإسلام.

2- خفف الله سبحانه وتعالى على المرأة في بعض الواجبات الدينية، ما دلالات هذا التخفيف؟

اقتضت حكمته سبحانه وتعالى أن تختلف خلقة الأنثى عن نظيرها الذكر تماشيا مع ناموس الزوجية الذي يحكم خلق الكون ككل. وهذا الاختلاف لا يعني نقص طرف مقارنة بالآخر. والأنوثة ما أرادها الله نقصا ولا الذكورة كمالا لذاتهما بل قانون المرء وما كسبت يداه يسري على الجميع وكل حسب طبيعته. وليس الرجل أصلا لكي تحاكيه المرأة ولا هي نسخة معدلة منه ولا مقارنة مع وجود الفارق. فارق لا يجعل الرجل مقياسا نزن به قيمة المرأة، ولا يراد منها أن تكون مثله لا في عبادتها ولا في مسلكها ولا حتى في طريقة تعاملها فلكل خصوصياته. وليست مقتضيات أنوثة المرأة بالمانع الذي يصدها عن طريق الكمال، بل كمالها ينبع من أدوارها التي شرفها بها المولى وذروة سنامها الأمومة والجنة تحت أقدام الأمهات.

3- ما هو الدور التربوي المنوط بالمرأة داخل بيتها في تربية أبنائها والحفاظ على فطرهم وتوجيهها؟

أن تختص النساء بالأمومة والحمل هو تشريف من المولى للمرأة، فهي حاضنة البشرية والحافظة للفطرة السليمة وللقيام بهذا الدور اختصها الخالق المبدع بخصائص نفسية وروحية، إضافة إلى الخصائص الفيزيولوجية، فحباها بالقدرة على حمل أعباء التربية بالصبر واللين. والأم هي أول من يتشرب منه الطفل معرفة الله ومحبته مع لبن الرضاعة. علاقة هي آية ربانية بين المرأة وابنها جنينا لا تنقطع وهو رضيع في حضنها وطفل في حجرها وشاب. فلا علاقة ولا وقناة تربوية تسمو على هذه الوشيجة الربانية وكل الوسائط التربوية هي مكملة لها.

4- كيف تستطيع المرأة، مع مسؤولياتها الكثيرة داخل البيت وخارجه، نتكلم هنا عن عاملي الوقت والجهد ونستحضر المرأة العاملة أيضا، أن تحافظ على جذوة الإيمان والتربية لديها حتى تتمكن من الإنفاق منها؟

دور المرأة زوجاً وأما لا ينفي أدوارها خارج البيت ولا يتعارض معها؛ فالمؤمنة التي تجعل قدوتها الصحابيات الفضليات اللواتي تربين على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم تدرك جيدا أن مساهمة المرأة في الكسب والتدافع لخدمة دينه واجب لا تعارض بينه وبين قرارها في بيتها. نعم كانت تكون مهمتها سهلة لو كنا في دولة تحترم دور المرأة كأم وربة بيت فتوفر لها من القوانين والإمكانات ما يعينها على ذلك. ومع ذلك فالفهم الصحيح للدين يجعل هذه الأدوار، إن هي صححت النية وجعلتها طلبا لوجه الله، في قلب السلوك إلى الله. كيف لا وهي منشغلة بتوفير اللقمة الحال والبيت النظيف وتربية الأبناء ذخرا لهذه الأمة. فهذه الأعمال التي قد ينظر إليها بدونية هي من جلائل الأعمال وأفضل القربات مع النية الصالحة، فإن تعذر في الحالات القصوى تخصيص الأوقات لاستقبال القبلة والإكثار من النفل والذكر يبقى الذكر المطلق وأن لا يزال لسانك رطبا بذكر الله يفيض على القلب صفاء وحضورا مع المولى على كل حال وفي كل آن.

6- ما هو دور الزوج في بناء هذه التربية عند أهله، والله عز وجل يقول: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ”؟ كيف تتحقق هذه الوقاية؟

العلاقة الزوجية علاقة رحمة ومودة وتعاون على البر والتقوى، وأسمى ما يجتمع عليه الزوجان أن يكون طلب وجه الله غاية يتعاونان عليها ويسند بعضهما بعضا في طريق السير إليه، وذلك مما يخفف من أعباء الطريق ويجعل الحياة طيبة سالكة للآخرة. تعاون يشمل الحمل المشترك لأعباء الحياة وعدم تحميل طرف واحد دون الآخر المسؤولية لوحده وتركه غارقا في هموم العيش وتدبير المنزل ويتفرغ الآخر للعبادة. هذه أنانية وشح نفس بعيدة كل البعد عن الرحمة والمودة ومقتضيات طلب القرب من الله بتجاوز العقبة النفسية وشحها. على الزوجين أن يحرص كل منهما على آخرة الآخر وتوفير السبل المساعدة على ذلك والمشاركة الثنائية في تحمل مسؤولية رعاية الأطفال وأعباء البيت ليتسنى لكل منهما بعض الوقت للتفرغ لله عبادة ودعوة.

7- هل يمكن أن تستعين المرأة بأقربائها في توفير بعض الأوقات التي تستطيع اغتنامها في التقرب إلى الله فرضا ونفلا ودعوة تكون لها زادا في القيام بمهامها؟ ما حظهم من الأجر في ذلك؟

القيام بمسؤوليات التربية وأعباء البيت واجبات على المرأة والرجل يتفقان على كيفية إدارتها وتدبر حياتهما، ولا مانع من الاستعانة بالأقارب أو غيرهم في ذلك بشرط تحري الصحبة الصالحة للأبناء والثقة فيمن يلج البيت. والإنسان بطبعه اجتماعي، والأساس أن تكون هذه البيئة الاجتماعية سليمة ومثمرة تفتل في توطيد رابطة الرحم وتقوية العلاقات الأخوية وأكيد أنها من القربات التي يؤجر عليها مسديها.

8- يتحدث الإمام عبد السلام ياسين في كتابه “تنوير المومنات” عن كمالات على المومنة أن تسعى لبلوغها. ما هي هذه الكمالات؟ وما أثرها في تربية النساء؟

بعيدا عن الفهم الصوفي للسلوك بما هو انزواء وانعزال عن نهر الحياة الجاري، يؤكد الإمام رحمة الله عليه أن السلوك الحقيقي يكون باستحضار معية الله وعبادته خوضا في معركة الحياة وتدافعا فيها لا انعزالا عنها، مما يتطلب، ليس فقط كمالا إيمانيا ورسوخا في زمن العبادة، بل يضاف إليه كمال خلقي يشع بأنواره وسمو معدنه على الخلق وكمال علمي يمكن من اكتساب الأدوات الضرورية للمعرفة وكمال جهادي تدافعي بان لمجتمع العمران الأخوي وأساسه لبنة الأسرة المسلمة. كمالات أربع تطلبها المؤمنة إن هي أرادت وجه الله ولا يعفيها كمال من باقي الكمالات.

هذا الفهم التجديدي لسلوك المرأة يعطينا نموذجا مخالفا لما هو سائد عن دور المرأة المسلمة رسخته قرون الانكسار والتخلف والانحطاط التي حرمت المرأة من تربية متوازنة ومتكاملة كما كانت عليه الصحابيات الجليلات وما مكنتهن منه هذه التربية ليكن محسنات عابدات متبتلات وأمهات صانعات لمستقبل الأمة وعالمات مجتهدات ومجاهدات عاملات غير خاملات وما أحوجنا لمثل هذه التربية الآن لإحياء الأمة والنهوض من وهدة التخلف والانكسار.

10- هل توفر الجماعة للمرأة وسائل كافية للمساعدة على بلوغ هذه الكمالات؟ ما هي أساليب ذلك؟

بكل تأكيد نجحت الجماعة، أولا وهذا مهم، في تقديم فهم تجديدي تنويري للمرأة يجلي عن عقلها عوائق الفهم حتى تدرك ما لها وما عليها وتستنهض همتها وتحرر إرادتها لتدارك ما فات، ثم تعمل الجماعة على توفير محاضن تربوية ضرورية لتشرب معاني الصحبة والتشوف للمقامات العالية عند الله تعالى وإذكاء هم الآخرة، وكذلك تقديم برامج تربوية تعليمية تأهيلية تلامس مختلف الجوانب الخاصة بالمرأة وتفتح الباب مشرعا أمامها للمشاركة والعمل جنبا إلى جنب مع أخيها الرجل.