التربية الركن الركين في مشروع الإمام

إن من أهم ما ميز مشروع الإمام ياسين رحمه الله، الذي نذر له حياته تأصيلا وتخطيطا وتنزيلا، هو ميزة الشمولية؛ فهو مشروع يستهدف الفرد والجماعة، الدعوة والدولة، التربية والسياسة، الفكر والحركة، التزكية والجهاد، كما عمد الإمام إلى الماضي فقرأه قراءة نقدية لفهم الحاضر واستشراف المستقبل. واختار لمشروعه اسم “المنهاج النبوي” الذي يعتبره مفتاحا “لتفسير التاريخ والواقع، ضروري لفتح النظرة المستقبلية، ضروري لرسم الخطة الإسلامية دعوة ودولة، تربية وتنظيما وزحفا، ضروري لمعرفة الروابط الشرعية بين أمل الأمة وجهادها، ضروري لمعرفة مقومات الأمة وهي تبحث عن وحدتها، ضروري لإحياء عوامل التوحيد والتجديد، ضروري لمعالجة مشاكل الأمة الحالية قصد إعادة البناء” 1.

وتحتل التربية مكانة غاية في الأهمية ضمن منظومة المنهاج النبوي، ويتضح ذلك كلما تفحصنا كتابات الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، حيث نجد حرصه على جعل التربية أساس هذه الكتابات، حيث التأكيد على التربية ثم التربية ثم التربية، وحيث التربية تكون أولا ووسطا وآخرا، وقبل وأثناء وبعد، فهي “الواجهة الأولى في الجهاد” 2، وهي الحبل الناظم لعقد وحدة الجماعة، ومفتاح أصيل لكل مشروع تجديدي كلي، وعاصما لكل حركة جادة من التدحرج إلى مستنقع الغفلة أو السطحية أو العنف والدمار. 3

غايات التربية المنهاجية وخصائصها

إن تربية بهذه الأهمية لقمين بها أن تتغيى المقاصد السامية والغايات الكبرى إن على مستوى الفرد أو على مستوى الجماعة. فعلى المستوى الأول، تبتغي التربية المنهاجية إذكاء يقظة روحية وشوق إلى الله تعالى في قلب المؤمن، يعقب تلك اليقظة وذلك الشوق سلوك قلبي وعملي متدرج صعدا نحو تحصيل شعب الإيمان، تشوفا لمقامات الإحسان بأبعاده العبادية والأخلاقية والعملية. أما غايات التربية على مستوى الجماعة فهي تجديد الإيمان في قلوب جماعة المؤمنين ليتهيأ جند الله، المتعاونون على الأمر بالمعرف والنهي عن المنكر، ليكونوا من صانعي غد الأمة، عبر تربية طليعة مجاهدة مقتحمة للواقع المفتون بالرفق والحلم النبويين، تشع نورانيتها في الأمة، وتسعى لامتلاك المقومات المادية والمعنوية لتبليغ الرسالة الخاتمة للنبي الخاتم للأمة الخاتمة لتستعد للآخرة.

طالع أيضا  ذكرى غالية وأشواق عالية من المدينة المنورة

ولتحقق هذه الغايات ينبغي للتربية الإحسانية الجهادية أن تتصف بمجموعة من الخصائص لعل أهمها:

– التوازن: حيث يشرحها الإمام بقوله “يجب ألا تكون السمة الغالبة على جند الله زهادة بدعوى الروحانية، ولا إغراقا في الفكر ولا تقصيرا ولا إسرافا في الحركة (..) إسلام الزهادة والهروب من المجتمع، والإسلام الفكري، والحركية على حساب التقوى والعلم ثلاثة مزالق”. 4

– التدرج: “التربية معالجة لمادة إنسانية، وشخصية لها ماض، وبيئة اجتماعية، واستعدادات. هذه المعالجة تريد من النقيب المربي حلما كثيرا، وصبرا ومداراة (..) وكما تتأخر الشجرة الكريمة الثمار في الإنتاج (..) نصبر على ذوي الاستعداد الطيب السنين حتى ينضجوا”.  5

– المستقبلية: “نحتاج لجماعة تواجه عقبات الحاضر لتخرق طريقها إلى العزة بالله ورسوله عبر عقبات الاضطهاد، لكن مهمتها لا تنحصر في هذا، فلابد أن تهيء المستقبل، مستقبل تحمل مسؤولية دولة (..) فلا بد إذن أن يتطلع المؤمن الذي نربيه (..) ليكون من صانعي غد أمته”. 6

– الاستمرارية: “التربية أولا ووسطا وآخرا، ودائما، لا نفرغ من تقويم أنفسنا، ومتى ظننا أننا أتممنا تهذيبها فذلك نزع الغرور، وغرة بالله، وطيش في ميزان الرجولة”. 7

– الفاعلية: “بالتربية المتكاملة يصبح الإنسان هو الفاعل التاريخي الذي يؤثر فيما حوله”. 8

التنزيل العملي لمنظومة التربية المنهاجية

حرص الإمام ياسين رحمه الله على تنزيل منظومته التربوية بشكل تدريجي، بما يسمح بتحقيق غاياتها الكبرى ومقاصدها السامية، بشكل يتوازن فيه بناء الفرد المؤمن المتطلع إلى الإحسان، وبناء الجماعة المجاهدة، بموازاة مع استنهاض همة الأمة لأداء مهمتها التاريخية تجاه الإنسانية. وقد استقى الإمام رحمه الله ركائز منظومته التربوية من معين الوحي الإلهي والسنة النبوية الشريفة، عبر برامج فردية ومحاضن جماعية تتنوع لتتكامل ولتؤدي مقاصد وغايات التربية الإحسانية الجهادية. ومن الملاحظ في هذه الوسائل التربوية أن التربية الفردية منها تحقق أهداف الجماعة بإعداد فرد مؤمن محسن مجاهد صالح لنفسه وجماعته فاعلا في محيطه. وبالمقابل فالمحاضن الجماعية تساعد الفرد المؤمن في تدرجه عبر مراتب الإسلام ثم الإيمان ثم الإحسان لتحقق له العبودية الكاملة لله عز وجل.

طالع أيضا  آليات التربية الإيمانية الإحسانية عند الإمام ياسين

ومن أهم الوسائل المكونة للمنظومة التربوية عند الإمام ياسين نذكر:

– يوم المؤمن وليلته: “المؤمن يجب أن تكون في حياته اليومية معالم لتكون قدمه راسخة في زمن العبادة والجهاد لا في زمن العادة واللهو. هنالك أوقات المهنة والأسرة والمدرسة والشغل، فيجب ألا يمنع توقيت زمن الوظائف الدنيوية عن إقامة الصلاة في وقتها بأي ثمن، وعن الصلاة في الجماعة والمسجد ما أمكن. فإن لم تكن جماعة ومسجد فواجب المجاهد أن يؤلف حوله المصلين في معمله وإدارته ومدرسته ويتخذوا لهم مسجدا وأذانا وإماما ودقائق وعظ ودعوة”. 9

– الأسر الإيمانية: هي المحضن الأول لتربية التائب إلى الله تعالى على شعب الإيمان، بما توفره من فضاءٍ للحفاظ على الفطرة ووقايتها من الاعوجاج والطمس. كما أنها مدرسة لتكوين المؤمن الشاهد بالقسط الداعي إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجاهد في سبيل الله تحقيقا لموعود الله وموعود رسول الله.

– مجالس العلم والإيمان والذكر: وهي مجالس تأسى فيها الإمام ياسين رحمه الله بمجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم تربية وتنظيما وتعليما وزحفا، ومن ضمن هذه المجالس 10:

* مجلس النصيحة: هو مجلس ذكر ومذاكرة، وتلاوة ومدارسة، وقيام لليل ودعاء واستفتاح، يستدعى إليه الراغبون في مقامات الإحسان من المؤمنين المتحابين في الله المتجالسين فيه المتناصحين فيه، لتحقيق معاني “الدين النصيحة”.

* مجلس الحديث: يخصص للحديث النبوي فهما وحفظا، وخدمة وضبطا وتعليما وتطبيقا.

* مجالس الذكر: وهي مجالس خاصة بذكر الله تعالى سماها الحديث النبوي بِـ”رياض الجنة”؛ الاستغفار والكلمة الطيبة (لا إله إلا الله) والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والدعاء. 11

* الرباط والاعتكاف: المرابطة والعكوف يقصد بهما المداومة في مكان العبادة والثبات، وقيل: انتظار الصلاة بعد الصلاة، قاله ابن عباس وسهل بن حنيف ومحمد بن كعب القرظي وغيرهم، وروى مسلم والنسائي من حديث مالك بن أنس عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال “ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط”.

وتتنوع هذه الرباطات ما بين رباطات قصيرة المدة لا تتجاوز ثلاثة أيام تسمى الرباطات الفصلية، إضافة إلى رباطات سنوية منها: اعتكاف العشر الأواخر من رمضان، الرباط العشري (عشرة أيام) والرباط الأربعيني (أربعون يوما).

طالع أيضا  التربية عند الإمام عبد السلام ياسين وبناء الإرادة الاقتحامية

هذا غيض من فيض من المحطات التربوية التي نَظَمَها الإمام ياسين رحمه الله تصورا وخطط لها تنظيما ونزلها تطبيقا سعيا لإحياء جذوة الإيمان في القلوب ورفع الهمم نحو معالي الإحسان والتماسا لأسباب القوة المعنوية للنهوض من نوادي القعود إلى ساحات الدعوة إلى الحق ومدافعة الباطل، كل ذلك بنظرة ثاقبة على مستقبل موعود الله عز وجل بالاستخلاف والتمكين للمؤمنين، وبشرى نبيه صلى الله عليه وسلم “ثم تكون خلافة على منهاج النبوة”.

 


[1] عبد السلام ياسين، نظرات في الفقه والتاريخ،  دار الخطابي للطباعة والنشر – الدار البيضاء، الطبعة الأولى، سنة 1989 ص 12.
[2] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي: تربية وتنظيما وزحفا، ص 388.
[3] محمد الزاوي، الأساس التربوي عند جماعة العدل والإحسان، أصول وقواعد، مطبعة دعاية، الطبعة الأولى، 2013، ص 5-6.
[4] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، مرجع سابق، ص51.
[5] نفس المرجع السابق، ص293.
[6] نفس المرجع السابق، ص42.
[7] نفس المرجع السابق، ص383.
[8] عبد السلام ياسين، الإسلام غدا، مطبعة النجاح – الدار البيضاء، الطبعة الأولى، سنة 1973 ص600.
[9] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، الطبعة الثانية، ص 49، ويراجع التفصيل العملي ليوم المؤمن وليلته في النفس الفقرة.
[10] محمد الزاوي، الأساس التربوي عند جماعة العدل والإحسان، مرجع سابق، صفحات 191-196.
[11] أحمد الفراك، التصور التربوي عند الإمام المجدد عبد السلام ياسين، موقع الإمام ياسين على الإنترنيت، على الرابط: www.yassine.net/ar/2015/08/التصور-التربوي-عند-الإمام-المجدد-عبد-ا/.