لا معنى لأي مشروع مجتمعي دون نظرية تربوية، فهي في البناء بمثابة الأساس، هي الوسيلة وهي الغاية في الوقت ذاته، ولذلك فقد أولى التفكير المنهاجي مسألة التربية والتعليم اهتماما بالغا، إلى درجة يمكننا فيها الحديث عن نظرية تربوية فريدة في مبادئها ومطالبها ووسائلها، فماهي أهم معالم هذه النظرية التربوية الجديدة؟ ماهي مبادؤها وأسسها؟ وما مطالبها؟

الأستاذ عبد السلام ياسين واهتماماته التربوية

يعتبر الأستاذ عبد السلام ياسين من العلماء المجددين، والدعاة العاملين، ومن الراسخين في التربية، والنظرية المنهاجية التي وضع معالمها، نظرية تربوية فكرية مقترنة بالعمل (علم وعمل)، أصيلة لأنها مرتبطة بالكتاب والسنة، بل إن اجتهادها اجتهاد بهذين الأصلين، لغاية خدمة مطالبهما في الواقع العملي للأمة ولأفرادها تربية وتنظيما وإقامة للدين وتملكا للوسائل الموصلة لخدمة مقاصد العدل والإحسان والشورى.

وقد أولى الأستاذ المجدد أهمية كبرى للمسألة التربوية والتعليمية، وهذا ليس غريبا عن رجل خبر التعليم وأمضى عمره وما يزال في معالجة القلوب والعقول، وإذا تحدث عن التربية فحديث خبير، وقد أيقن أن (مشروع العمران الأخوي) الذي يرفع لواءه ويبشر به الأمة لا سبيل لتحقيقه إلا بمزايلة سكة الجاهلية وطرح طوق التقليد فـ(لا تقدم لنا يرجى من كبوتنا التاريخية ما دمنا نسير قطار الأمة على سكة الجاهلية، وبوقودها الفكري، وسياستها المتوجهة إلى استعباد عقولنا ونفوسنا وطاقتنا وأرضنا لها، إنما نتقدم ونتعلم ونتحرر إن خرجنا من جاذبيتهم وولينا ظهرنا لنموذجهم واتجاههم)، ولذلك نجد الأستاذ ياسين ينتقد بشدة (مقلدي الغرب) والنخبة المغربة ويرجع فشل الأنظمة التربوية والتعليمية في أقطارنا إلى الخلل الذي يعتري أسس التفكير الغربي الخاضع (لعقلانية متألهة) تستعبد أبناءها وتخضعهم للدولار والمال والربح، وتجعلهم عبيدا لشهواتهم ومصالحهم الأنانية بعيدا عن التفكير في المصير المشترك ولا إلى أين المصير بعد الموت؟ ورغم شدة النقد لم يفت الأستاذ ياسين التنويه بنقط القوة والتفوق في النظريات التربوية الغربية فالعقل المشترك يستفيد بعضه من بعض ولا حرج في الشرع من أن يستفيد المسلمون مما فضلهم به غيرهم.

مبادئ النظرية التربوية في الفكر المنهاجي

غرس الولاء لله

تسعى النظرية التربوية المنهاجية ابتداء إلى غرس الولاء لله عز وجل، وأصل هذا المبدأ في المنهاج النبوي واضح، فرسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدأ دعوته بالنداء الخالد “قولوا لا إله إلا الله تفلحوا” ومنه فوظيفة التربية والتعليم هي توجيه وجدان المؤمن وفعله وقوله إلى الاعتقاد بهذه الحقيقة الراسخة حقيقة وحدانية الله وانفراد الذات الإلهية بالكمالات المطلقة فـ(في المجتمع الإسلامي المتجدد لا ولاء يقبل إن لم يكن لبه الولاء لله وحده لا شريك له، وما سوى هذا اللب من إشعاعات وتفرعات إنما يقتبس الحرمة في نفوس المسلمين من انبثاقه وانبعاثه عن اللب)، نعم إن شرف المعرفة بشرف المعلوم (وليت شعري هل في الوجود شيء أجل وأعلى وأشرف وأكمل وأعظم من خالق الأشياء كلها، ومكملها، ومزينها، ومبدئها، ومعيدها، ومدبرها، ومرتبها، وهل يتصور أن تكون حضرة في الملك، والكمال، والجمال، والبهاء، والجلال، أعظم من الحضرة الربانية التي لا يحيط بمبادئ جلالها وعجائب أحوالها وصف الواصفين).

تربية قرآنية

طالع أيضا  الإيمــان.. من ذكر أركانه إلى تذوق حلاوته

ومبدأ (قرآنية التربية) مرتبط بمبدأ الولاء لله تعالى، وبالتالي تكون رسالة الله و(يكون القرآن محور العملية التربوية ومورد العلم وجامع العلوم)، وتحقق بشرى رسول الله “خيركم من تعلم القرآن وعلمه” ثم يدعو المتعلم ربه مستزيدا من العلم وقل ربي زدني علما، ومع القرآن حديث وسيرة رسول الله الذي كان خلقه القرآن وكان قرآنا يمشي على الأرض كما وصفته أمنا عائشة، فرسول الله كان تجسيدا واقعيا للقرآن ومبادئه وتعاليمه، ولذلك جمع كمالات الأخلاق كبشر رسول أظهر بأحواله تأثير رسالة القرآن على الإنسان، وكان صحابته الذين اقتفوا أثره نجوما للاقتداء، فمن يبلغ قدرهم رضوان الله عليهم؟ ثم بعد ذلك يتجند العقل المؤمن للنظر واستطلاع آيات الآفاق والأنفس، تعبدا واستجابة للأمر الإلهي، وتسخيرا للطبيعة، واعتمارا للأرض وفق ما اقتضته إرادة الخالق، وتوجيهاته المتضمنة في رسالته الخالدة القرآن الكريم، وهذا مقتضى التربية القرآنية أن يتحقق فيها وبها اكتمال النظرة إلى حقيقة القرآن وحقائق العلوم، حقائق القلب وحقائق العقل، وهم الدنيا وهم الآخرة، وارتباط المخلوق بالخالق سبحانه.

تربية متوازنة

– الدنيا والآخرة، والعلم والعمل

عيب النظريات التربوية الأرضية هو انقطاع نظرها عن الآخرة، وعجزها الفاضح عن الإجابة عن سؤال المصير بعد الموت، والقرآن الكريم والتربية المنهاجية تعيد التوازن للذات الإنسانية، حينما تربطه بخالق الموت والحياة ليبلونا بأعمالنا وينظر كيف نعمل بعدما علمنا، وهنا يتحقق التوازن المفقود أيضا في حياتنا وهو التوازن بين العلم والعمل بين القول والفعل، في سلوك المسلمين ومنه فالتربية المنهاجية تضع حدا للانفصام بين هموم الدنيا وهم الآخرة في سلوك المسلم – النادل يوزع الخمر في الحانة- وإذا سمع المؤذن هرع للصلاة، وبين اضطراب الفهم عند من يعلمون الحق وتنكره قلوبهم الصدئة فلا أمر بمعروف ولا نهي عن منكر.

طالع أيضا  الإحسان أعز ما يطلب...

– الجمع بين الرحمة القلبية والحكمة العقلية والقوة الجسدية

فالتربية المنهجية تطلب عقل المؤمن لتملأه رحمة، وتطلب عقله لتضع فيه حكمة وتطلب بدنه لتقويه على أداء ما كلفه الله بأداءه من أعمال، فالرحمة عندما تسكن قلب المؤمن فيتعلق قلبه بالله عز وجل وبالهداية التوفيقية والإرشادية فيحب المؤمن الخير وتنشط نفسه في تعلم العلم النافع والعمل الصالح، والحكمة العقلية فهم لمراد الشريعة علم بأحكامها وعمل بمقتضى أمرها وانتهاء عند نهيها، وتلق لهداية الوحي وتوجيه للجوارح لكي تبرز الإيمان من شغاف القلوب إلى واقع الأعمال والأفعال، وهذا يتطلب صيانة وتقوية الجسد الذي هو آلة القلب والعقل معا، وأعضاؤه تنفذ ما تؤمر فإن خيرا فخير وأن شرا فشر ويوم القيامة ينطقها الذي انطق كل شيء لتشهد على المحسن بالإحسان وعلى المسيء بما اقترف من إساءة.

ومنه يحذر الأستاذ ياسين من أن تنحو التربية إلى مناحي وتتطرف إلى زهادة ودروشة قاعدة عاجزة عن الجهاد، أو أن تتحول إلى نشاط وتمارين فكرية وفذلكة كلامية منقطعة عن الله وعن التقرب إلى الله بموالاة أولياءه وبالفرض والنفل، أو إلى إسلام حركي منشغل بهم الجماعة مقصيا من اهتمامه قضية الخلاص الفردي أمام الله تعالى.

– مطالب التربية والتعليم المنهاجيين

تختلف مطالب النظرية التربوية والتعليمية المنهاجية عن غيرها من النظريات الأرضية البشرية فيما تتعلق به كل منهما من غايات، (فالتربية في عرف الثقافة المادية لا يعدو هدفها إعداد المواطن الصالح، والعامل المنتج، والاختصاصي الكفء)، وكلها مطالب مادية لا تعدو آفاق الدنيا وسفاسفها.

وأما النظرية المنهاجية فلها تعلق بالمطالب العالية وآفاقها تتجاوز الدنيا إلى الآخرة، وتتجاوز الأنانية المقيتة إلى التهمم بالخلاص الجماعي للأمة إذ إن مصير المؤمن لا ينبغي أن ينفصل عن مصير أمته، أنها تربية لمؤمنين قائمين لله شهداء بالقسط على الناس وعلى أنفسهم، مؤمنين لهم استعداد قلبي للتحلي بخصال الإيمان وشعبه، ويشكلون القدوة الحسنة لغيرهم من الأقوام-لا كما نحن اليوم مقلدين ممسوخين- ، أنها تروم تربية أجيال موحدة التصور، موحدة السلوك، ويكون مجموعها من خصال الخير مجموعا متوازنا، ويحدد الأستاذ المجدد مواصفات الشخصية الإيمانية التي يخرجها التربية والتعليم المنهاجيين وهذه المواصفات هي:

  • الشخصية المؤمنة بالله واليوم الآخر، المخلصة لله عز وجل، العالية الروحانية.
  • الشخصية الصالحة للاندماج في الجماعة، من حيث محبة الله ورسوله المنتجة لمحبة المؤمنين، ومن حيث الإرادة والقدرة على التآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر، ومن حيث المشاركة في الأمر العام، وفي الشورى، والدعوة، والدولة.
  • الشخصية الصادقة الشجاعة في الحق التي يوثق بها.
  • الشخصية الواعية بمسؤوليتها عن الانتصار للمستضعفين في الأرض، المستعدة لبذل الجهد والمال من أجل إقامة العدل في الأرض.
  • الشخصية العالمة بعلم الحق وعلم الكون، القادرة على الاجتهاد في الشريعة، وعلى توطين العلوم الكونية في بلاد الإسلام وتطويرها واستثمارها.
  • الشخصية المتحركة النشيطة الخفيفة إلى كل عمل يرضى عنه الله عز وجل، الممسكة الثقيلة عن محارم الله.
  • الشخصية المتميزة ظاهرا وباطنا، قلبا وقالبا، عاطفة وفكر، مضمونا وأسلوبا، عن الشخصية الجاهلية، وعاداتها، وثقافتها، ومنهجها.
  • الشخصية الصامدة أمام كل إعصار، المقتحمة لكل العقبات التي لا تعرف الملل ولا يفت في عزمها الكلل.
  • الشخصية المنتجة، المقتصدة، القادرة على إدارة أموال الأمة وخيراتها والتعامل مع تيارات المصالح العالمية تعاملا يضمن استقلال الأمة في غذائها وكسائها ورخائها وسلاحها.
  • الشخصية المجاهدة في سبيل الله، الحاملة رسالة الله إلى العالمين بالحكمة، والجدال بالتي هي أحسن، المدافعة عنها بحد السيف، وقوة الدبابة، ونار الصاروخ إن اقتضى الحال، ووقع على الأمة العدوان.
طالع أيضا  الإمام المجدد عبد السلام ياسين: عمر من العطاء