تـقديـم:

تشكل قضية التربية عند الإمام المجدد عبد السلام ياسين، رحمه الله، العنصر الحاسم في معادلة وجود الأمة وانبعاثها وعمق المنهاج النبوي الذي اقترحه على الأمة، معتبرا أن أي عمل بلا تربية هو هيكل بلا روح ومبنى بلا معنى. يقول رحمه الله: “التربية الإيمانية عملية على نجاحها يتوقف ميلاد المسلم إلى عالم الإيمان، ثم نشوءه فيه وتمكنه ورجولته، ولا جهاد بلا تربية، ولا يكون التنظيم إسلاميا إن لم تكن التربية إيمانية“. 1

فعلى امتداد نظرية المنهاج النبوي عند الإمام تحضر قضية التربية في كلياتها الجامعة وجزئياتها التفصيلية باعتبارها أساس بناء السلوك الإحساني الاقتحامي، تجديدا للإيمان وترقيا في مدارج الإحسان وتنظيما لإرادة الأمة الموعودة بالتمكين.

وليس غرض المقالة الإحاطة بهذا الموضوع الجلل البالغ الهيبة، وإنما غايتها المساهمة المتواضعة في إبراز معالم وملامح التربية التي يدعو إليها الإمام رحمه الله وتحرص جماعة العدل والإحسان على تمثلها وتبليغها بمعناها الجامع بين السلوك الفردي والخلاص الجماعي.

  • مقصد توازن التربية:

لأهمية مقصد توازن التربية لا تكاد تجد كتابا من كتب الإمام رحمه الله أو مقطعا من تسجيلاته إلا وهو يطرح سؤال التربية المتوازنة التي تحقق المجموع المنهاجي، حيث لا غلبة لجانب على آخر في سلوك الفرد والجماعة.

 “نسمي “تربية متوازنة” تلك التربية الإيمانية التي لا تقصر بالمؤمن عن درجة المجاهدين ولا تجعله من غثاء الحركية الجوفاء الخالية من لب الإحسان.

التربية المثلى هي التي تجعل من جندي الله عارفا بالله مجاهدا في سبيله، فمن المتصدين للجهاد من هم في حماس إيماني دون الصدق. ومن أولياء الله من اعتزل الناس فلا يحدث نفسه بإحياء غيره فضلا عن إحياء أمة.“ 2

وينبه رحمه الله إلى أنه “يجب ألا تكون السمة الغالبة على جند الله زهادة بدعوى الروحانية، ولا إغراقا في الفكر، ولا تقصيرا ولا إسرافا في الحركة.”

محذرا من  مزالق ثلاث في الطريق: “إسلام الزهادة والهروب من المجتمع، والإسلام الفكري، والحركية على حساب التقوى والعلم ثلاثة مزالق.“  3  

  • معادلة التربية الإحسانية الاقتحامية:

يلح الإمام ياسين رحمه الله وهو يُؤصل ويرتب لمسار اقتحام العقبة من كلام الله عز وجل وسنة وسيرة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أسبقية تحقق شروط التربية بمعادلتها الثلاثية الأبعاد “صحبة وجماعة + ذكر +صدق”، حيث جعلها رحمه الله أولى الخصال العشر المحققة للتغيير العميق والمحصلة للمجموع الاقتحامي لعقبات السلوك إلى الله عز وجل.

“صحبة وجماعة + ذكر + صدق، هذه معادلة التربية الإسلامية في خطوطها الرئيسية، شرط في المربي (بالكسر) وبيئة التربية، وشرط في تجديد الإيمان، وشرط في المربى وقابليته للجندية، وسائر الخصال العشر مع ما تضمه من شعب الإيمان تكمل الشروط وتجلو الصورة إن شاء الله تعالى.“ 4

1- الصحبة المَعِين والجماعة المُعِين:

يؤكد الإمام على مفصل – بل يعتبره موصل- من أهم مواصل إعادة بناء النموذج التربوي النبوي “وهنا نضع الأصبع على مفصل، بل موصل، من أهم مواصل بناء الجماعة، بل هو أهمها إطلاقا: ألا وهو التواصل القلبي. الصحبة في الله المؤدية إلى جماعة في الله هي مبدأ الحركة ووسطها ومعادُها. وكل ذلك رزق يُلقيه الله عز وجل على المرحومين، له علائم ظاهرة، وأسباب مشروعة، وحكمة ورحمة يضعها الله في قلوب العباد.“  5

وفي فقرة “الصبر مع الجماعة” من كتاب “تنوير المؤمنات” يفصل الإمام الكلام عن شرط الشروط المتمثل في الصحبة في الجماعة، صحبة ربانية من منبع ومَعين نبوي وبيئة ورفقة تربوية مُنهضة مُعينة على الخير “إن الفقه المكتوب المقرَّر المقروء يبقى عرْضا باردا، وتراثا منسيا، و”أصالة” تجاوزها الركب، وغُربَةً وسط غربة. الجادون في دينهم بين العابثين غرباء، والصاحون بين النائمين غرباء، والسائلون والسائلات عن الإحسان وفقهه غرباء بين المنكرين لأصل وجود شيء يسمى إحسانا، والقلوب الريّا بحب الله، المريدة لوجه الله بيئة غريبة بين غرباء الغرباء.

“اللهم ارزقني محبتك ومحبة من تنفعني محبته عندك”. على هذا الحديث وأمثاله نتفقه. وعلى حض حبيب الله صلى الله عليه وسلم المؤمنين والمؤمنات على البحث عن بيئة حية ورفقة مُنهِضة. قال: “المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالِلُ” 6. أوصى حبيب الله أحدَنا وَإِحدانا بالبحث والنظر عن خُلة في الله، وبيئة تربوية.“  7

2- من ذكر التربية إلى تربية الذكر:

أستعير هذا العنوان “من ذكر التربية إلى تربية الذكر” من ذرر لبنات الأستاذ منير الركراكي التي يقول فيها: “لا يكفي أن تذكر التربية لتكون مُربا فأحرى مربيا، بل لابد من تنمية الذكر ومن ليس إلى زيادة فهو إلى نقصان، والقناعة من الله حرمان.“ 8

في الشرط الثاني من شروط التربية يأتي الذكر زاد رحلة الدنيا إلى الآخرة، خلوة في جلوة لا انزواء في التكايا وهروبا من مخالطة الناس والصبر معهم “ضرب لنا مثلا صلى الله عليه وسلم بفعله هو لنستبق إلى اللحاق بالموكب النوراني. كان صلى الله عليه وسلم يوما مسافرا مع أصحابه في طريق مكة – لجهاد أو حج لا لسياحة ممتعة- فمروا على جبل يقال له جُمدان فقال: “سيروا! هذا جُمدان. سبق المفَرِّدُون”. قالوا: ومَا المفرِّدون يا رسول الله؟ قال: “الذاكرون الله كثيرا والذاكرات”. قالوا: “وما المفردون يا رسول الله؟ قال: المستهترون بذكر الله، يضع الذكر عنهم أثقالهم، فيأتون الله يوم القيامة خِفافا”.  9

أولو الألباب يقفون عند هذا الحديث التربوي العظيم ليُعجَبوا بحكمة القائد العظيم الذي أحال جنده، وهم في وَعثاء السفر في سهوب الأرض، على مطالب السماء. في مسيرة مثل تلك يتحدث الغافلون المهتمون بمشقات الأرض مفصولة عن هموم السماء، يتحدثون عن المسافات والمراحل والزاد والرواحل. كان يقول قائدهم: سيروا، سبقَ من له راحلة فارهة! وها هو التعليم الحكيم يوازي ويقارن بين رحلتين لا تنفصلان في ذهن الذاكرين الله كثيرا والذاكرات: رحلة في عمر الدنيا محفوفة بالمشاق، ورحلة من الدنيا إلى الآخرة. زاد تلك ضروري لا بد منه، وزاد الآخرة وراحلتها يُعرفُ بهما المفرِّدون.” 10

ويؤكد الإمام أن القلب المنور بذكر الله المستنير بوحي الله عز وجل ومنهاج رسوله صلى الله عليه وسلم هو أساس التغيير العميق، يقول مفتتحا بكلام الله جل جلاله: إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ 11. القلب مكمن الداء، فإن صح وسلم فهو مركز الإشعاع، وهو العنصر الحاسم في معادلة وجود الأمة وانبعاثها. ما حديثنا عن مقاصد الشريعة، وعن الطلب والمطالب، وعن العدل والشورى، وعن الأهداف الدنيوية، وعن الغاية الأخروية إلا أحلام طائشة إن لم يشتد قلب الأمة باشتداد قلوب المؤمنين على عزمة إيمانية وإرادة إحسانية تنهد أمامها العقبات وتنفتح أبواب الأرض والسماوات.“ 12

3- الصدق والقابلية للجندية:

يَعُدُّ الإمام رحمه الله شرط الصدق عتبة للتصفية وامتحانا لأصلح العناصر المرشحة لجندية البناء، ليفضي الصدق بعدها إلى براهين الإنجاز، إيمانا يقر في القلب ويصدقه العمل.

“نريد رجالا من نوع جيد، لهم استعداد جيد، ليصبحوا جنودا، ويكون لهم غناء في ميادين الجهاد. أعني بكلمة صدق استعداد الوارد ليتحلى بشعب الإيمان، ويندمج في الجماعة ويكون له من قوة الإرادة وطول النفس ما يمكنه من إنجاز المهمات حتى النهاية. لا فائدة من ضرب الحديد البارد، ولا فائدة من محاولة تربية من ليس له استعداد“. 13

”والناس متفاوتون في الاستعداد الإحساني، سرعان ما تنزل بهم هموم الحياة وشؤونها حين يعافسون الأزواج والأولاد والضياع من علياء التطلع الإحساني إلى واقعية المشاحّة اليومية. الأسعد منهم من يرجع ويتسامى ويبحث عن مذكر يذكره بالله كما فعل أبو بكر حين شكا إليه حنظلة سوء الحال الروحي.“ 14

وقد أوصى الإمام في وصيته – التي تفيض لوعة وحرصا على السالك المقتحم للعقبة: “وأوصي بالصدق مع الصادقين صبرا ومصابرة وحَملا وتحملا. فما الكينونة الصابرة مع الصادقين بالأمر الهين. طاش ما عاش من زعم أنه صادق ثم عثَر أوّل ما برز أمامه نتوء من نتوءات العقبة. عقبات أمر الله عز وجل عباده الصالحين أن يقتحموها.

أوصي بما أوصى الله عز وجل به الإنسان من اقتحام العقبة. وإلا فالسهول الواطئة مرتَعٌ لغيرنا. كونوا ذوي همة يا إخواني ويا أخواتي.” 15

  • التربية وبناء الإرادة الاقتحامية الجامعة:

في معرض تحديده للمفاهيم المنهاجية أورد الإمام ياسين معنى جامعا شاملا لمفهوم الاقتحام باعتباره رأس هذه المفاهيم، مقتبسا عبارته من سورة البلد فلا اقتحم العقبة 16 “اقتحام العقبة إذن تحرك إرادي تتعرض له العقبة فتمانعه ويغالبها حتى يتم الاقتحام، حركة الفرد المؤمن في سلوكه إلى الله عز وجل، وحركة الجماعة المجاهدة في حركتها التغييرية، وحركة الأمة في مسيرتها التاريخية“  17

وقد أفرد الإمام ياسين لقضية بناء الإرادة الاقتحامية الجامعة  كتاب “إمامة الأمة” لمزيد من إضاءة الموضوع الذي أثاره في أمهات كتبه رحمه الله، مواصلا حديثه عن معالم ومداخل لتذليل العقبات المراد اقتحامها من طرف الفرد والجماعة في عالم موار تنتصب فيه نتوءات العقبة أمام إرادة السالك إلى الله عز وجل، باسطا أمامنا الفهم الشمولي للتغيير الإسلامي الذي يروم إحياء الأمة من موات وإحداث تحول نوعي في كيانها لتستعيد مجدها وإمامتها ويرشحها لإعادة بناء العمران الأخوي الإنساني على منهاج النبوة.

يقول رحمه الله: “الهدف من تجنيد العامة وتعبئة المستضعفين إيقاظُ القلب إلى معاني الإيمان، ورفعُ الهمم إلى نُشدان الكرامة الآدمية وكمال الإنسان، ثم إيقاظُ الفِكر من سُبات الزمان، وبَثُّ الوعي السياسيِّ لِيَهْتَمَّ المستضعفون بما يَجري في الحَدَثَانِ. الهدفُ تحريك الساكن فينا، الخاملِ من أحوالنا.“  18

“كل تغيير في السياسية والاقتصاد فإنما هو تبَعٌ لهذا التغيير الكلي الجوهري للإنسان، ونفسيته، وعقيدته، وأخلاقه، وإرادته، وحركته كلها على الأرض، لتكون حركةً لها غاية، ومعنى، وارتباط بمصيره بعد الموت، وبمصير أمته في التاريخ”. 19

خاتمة:

بهذا الفهم المقاصدي التجديدي تسعى التربية الإيمانية الإحسانية التي أسس لها الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله وتدعو إليها جماعة العدل والإحسان إلى الجمع بين المعنى التربوي لاقتحام العقبة ومعناه الجهادي الشامل، سلوكا إحسانيا فرديا وسيرا جماعيا، جهادا في سبيل الله عز وجل ونصرة للمستضعفين، والأفق المنشود تحقيق العبودية لله عز وجل وتحرير إرادة الأمة لتتجاوز ثقل العادات وموروث الماضي المُقعِد، وتقتحم بعزم وهمة العقبات الكؤود على درب التغيير المنشود.


[1] المنهاج النبوي، عبد السلام ياسين ص 55.
[2] المصدر نفسه ص: 133.
[3] المصدر نفسه ص 55.
[4] المصدر نفسه ص 57.
[5] الإحسان، عبد السلام ياسين، ج 1 ص 189.
[6] رواه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه.
[7] تنوير المؤمنات، عبد السلام ياسين، ج 2 ص 40.
[8] لبنات في ثنائيات، منير الركراكي.
[9] رواه مسلم عن أبي هريرة، والحديث عند الترمذي.
[10] تنوير المؤمنات ج1، ص 368.
[11] السجدة، الآية 15.
[12] الإحسان ج 1، ص 26.
[13] المنهاج النبوي، ص 57.
[14] تنوير المؤمنات ج 1، ص 218.
[15] وصيتي ص 20.
[16] سورة البلد، الآية 11.
[17] مقدمات في المنهاج، عبد السلام ياسين، ص: 16
[18] إمامة الأمة، عبد السلام ياسين، ص46.
[19] المصدر نفسه، ص 88.