تقديم

عنوان كتاب صدر للدكتور عبد العالي مجذوب سنة 2001، يحكي فيه “قصة الحصار الأكبر الذي يفرضه النظام المخزني على دعوة العدل والإحسان، وترصد بعض معالم سياسة القمع والمنع والإرهاب وتجفيف المنابع، التي اختارها هذا النظام طريقا استراتيجيا للتعامل مع تجليات العدل والإحسان ونبضاتها وأنشطتها وسائر مظاهر وجودها وسيرورتها في الواقع السياسي والاجتماعي، فضلا عن واقع الفكر والتربية والسلوك.” 1

وتستمر الحكاية..

17 سنة مرت على إصدار الكتاب. عقدان كافيان لإحداث تغيرات يمكن أن تنسخ العنوان وتبطل مضمونه. لكن ذلك لم يتم في وطني. استمرار الحصار وإبداع في أشكال الحصار: من المنع إلى التشميع ثم الهدم!!

صدر يوم الإثنين 3 دجنبر 2018، قرار ظاهره إداري وباطنه سياسي في فترة يحتفل فيها العالم بحقوق الإنسان. يتعلق الأمر بتشميع بيت أحد نشطاء الجماعة. قرار استهجنه كثير من الفضلاء الديمقراطيين، وأوله المناوؤن بكلمات متناثرة لا رابط بينها، تنعت الجماعة ب”العزلة الشعورية”، وبسبب رغبة الجماعة في العزلة أصبحت تفر من عامة الخلق! يستند هؤلاء في ادعائهم على ما أبدعته الجماعة  في التسعينيات من أساليب حركية، ك”المخيمات” المنعزلة عن المجتمع المفتون، ومجالس النصيحة التي تنظم في البيوت التي تحولت إلى “مساجد سرية”!

رواية بإخراج سيئ، اضطر المخزن إلى تمرير سيناريو فصولها عبر الصحافة الصفراء، يحاول تبريرها بكون جماعة العدل والإحسان هي التي ترغب في “عزلتها الشعورية”!

العزلة عند العدل والإحسان

عن هذا المفهوم (العزلة الشعورية) نقف اليوم، حتى نضع النقط على الحروف لأصحاب الفقاعات السياسية الذين يوظفون المصطلحات في غير سياقها، ونفهم حركة الجماعة في ظل الحصار المفروض عليها منذ تأسيسها.

إن جماعة العدل والإحسان تعيش حصارا حقيقيا منذ تأسيسها، بل منذ أن كانت فكرة جنينية عند مؤسسها الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله. فكرة اكتسبت قوتها منذ الرسالة المفتوحة للملك الأب رحمه الله، سنة 1974: “الإسلام أو الطوفان”، والتي سطّر فيها المرسِل معالم مشروع مجتمعي متكامل، ثم أعاد التذكير بمعالمها في رسالة للملك الشاب “إلى من يهمه الأمر”، سنة 2000.

طالع أيضا  ضياع الحقوق وتشميع البيوت يخرج اللجنة المحلية لمساندة الحراك بأسفي للاحتجاج

مشروع العدل والإحسان دعوة للحوار المفتوح ومد جسور التواصل وبناء مجتمع الإخاء… يؤكد ذلك المبادرات المستمرة للجماعة من خلال دعوتها لميثاق وطني يشارك فيه أهل العلم والسياسة والاقتصاد والثقافة وكل مكونات المجتمع المدني لبناء مجتمع على قاعدة سليمة، تجنب البلاد السكتة القلبية في ظل التغيرات المجتمعية. وتشخص واقع الأزمة في البلاد وتصف الداء وتقترح الدواء. ولعل من يقف مع آخر تقرير سياسي أصدرته الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان في دورته 22، شهر نونبر 2018، يقف عند هذه الحقيقة التي لا يريد أهل الفساد أن تخرج إلى الناس.

عن مفهوم العزلة، نقرأ في مصنفات الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله بعض ما ورد في المفهوم لتبيان هل العزلة مطلب عند العدل والإحسان؟

يقول مؤسس الجماعة رحمه الله:

ü    “إن حامل الرسالة لا يندس في العزلة، لكن يغشى كل المجالس، ويطرق كل الأبواب، ويتعاون على كل خير.” 2

ü    “وليس في الحديث دليل لمن ينبغي العزلة والهروب، إلا أن يكون من العاجزين” 3

ü    “الكينونة مع الذين آمنوا تحرير للإنسان المؤمن الفرد من العزلة والخمول والانفراد” 4

من هنا يتضح جليا أن فكر الجماعة مبني على الانفتاح والتواصل، ويدعو إلى تأسيس أنساق مفتوحة على الآخر قصد التعاون في واضحة النهار وبأساليب رفيقة تنبذ العنف والسرية من أجل بناء وطن يعمه السلم والرخاء والطمأنينة. بينما الهروب والخمول والانفراد ماهي إلا تجليات عزلة سببها قصور في الفهم وخوف من الانفضاح وعدم قدرة على اقتحام العقبات.

واقع العزلة

إرادة أصحاب القرار في البلاد، أن مشروع العدل والإحسان لا يلائمهم، فتناوبوا على حصارها بشكل ممنهج طيلة أربعين سنة.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين في كلمة ألقاها في مسجد بنسعيد بحي السلام بسلا، يوم الجمعة 15 دجنبر 1995، بمناسبة تردد الإدارة المغربية عن رفع الحصار عليه: “بعض الناس يحصر معنى الحصار في شخص منع من الخروج من بيته، بل منع من حضور الجمعة، بل منع من الاتصال حتى بأقرب الناس إليه…ليس هذا هو الحصار. الحصار دعوة حصرت، دعوة كرهها من يكرهون الدين، وعاداها من يعادون الدين…”.

طالع أيضا  ذة. الولوس: هل هي جريمة أن يكون المواطن في هذا البلد حرا في تبني الرأي أو التوجه الذي يريد؟

وفي حوار مع جريدة الجسر (عدد42، ماي 1997)، قال الناطق الرسمي باسم الجماعة الأستاذ فتح الله أرسلان: “… من المغالطات الخطيرة أن نتحدث عن حصار الأستاذ عبد السلام ياسين دون الحديث عن حصار جماعة العدل والإحسان وأعضاء العدل والإحسان…إنها مسألة قوة سياسية موجودة داخل الساحة تتعاظم يوما عن يوم، والحمد لله، لها تصورات وأفكار واضحة تطرحها في الساحة، ليطلع عليها الجميع…”.

كرونولوجيا الحصار

نعرض كرونولوجيا الحصار حتى نفهم واقع العزلة على الجماعة: 

§      اعتقال الأستاذ عبد السلام ياسين وصاحبيه الملاخ والعلوي رحمهما الله (1974).

§      منع الأستاذ عبد السلام ياسين وصاحبه أحمد الملاخ من منبر المسجد (1978).

§      توقيف مجلة الجماعة، العدد 16، (1983).

§      توقيف جريدة الصبح والخطاب (1984) ومحاكمة الأستاذ عبد السلام ياسين.

§      الحكم بالسجن سنتين نافذة في حق مجلس إرشاد الجماعة (1992).

§      منع تأسيس الجمعيات الثقافية من طرف نشطاء الجماعة.

§      طرد الأئمة من المساجد بسبب انتمائهم أو تعاطفهم مع الجماعة.

§      منع الاعتكافات في المساجد.

§      تشميع بيت الأستاذ محمد عبادي بوجدة، منذ 12 سنة.

§      الإعفاءات من الوظائف (2017).

§      تشميع بيت المهندس لطفي حساني وإصدار قرار بهمه بوجدة، نهاية 2018.

أَذكُر بعض أشكال الحصار الذي ضرب على مشروع العدل والإحسان رجلا ثم جماعة منظمة تنشد العدل في المجتمع وتتغيى الإحسان في العبادة، وأذَكر أصحاب الذاكرة القصيرة، ومن يقطع أوصال التاريخ ويخلط الأوراق… أن الجماعة تعمل في الوضوح وتعلن عن أهداف حركتها وتصدر بيانات وتقارير مؤسساتها للعالم مبرزة فيها مختلف مواقفها السياسية من كل الأحداث الدولية والإقليمية والمحلية.

وبعد؟

فكيف لأبناء العدل والإحسان أن يعيشوا عزلة عن المجتمع، بل يتشرفون بحمل مشروع بناء مجتمع يسوده العدل والكرامة والحرية. فرغم منعهم من منابر المساجد وإصدار الصحف والمجلات وولوج مقرات الجمعيات، جعلوا بيوتهم الخاصة قبلة لمن أراد أن يحفظ القرآن ويذكر الله تعالى.

طالع أيضا  هيئة دفاع حساني تصدر بلاغا إلى الرأي العام يوضح الوضع القانوني لبيته المشمّع

فمنذ القدم، عرفت بيوت المغاربة بتجمع العائلات والأصدقاء على موائد الذكر وقيام الصلاة. أَذكُر ما حدثني به والدي رحمه الله -وأنا حفيد رجل من رجال المقاومة المغربية-: “ما ميز رجال المقاومة كونهم أخرجوا المستعمر من البلاد بجعل بيوتهم عامرة بذكر الله وورد اللطيف، الذي أحدث زلزالا في نفوس أهل الاستعمار” دون الاضطرار للأقمصة الصفراء.

أما اليوم، فكل بيت يذكر فيه اسم الله يشمع بل يهدم، بينما البيوت التي تقام فيها الدعارة والفسق والمجون فهي كثيرة ومحروسة لا تلتفت لها إدارة ولا تراها عين مراقب!


[1] ويستمر الحصار، ص 7.
[2] إمامة الأمة، أمناء على دين الله- ص 264.
[3] سنة الله، الفتنة- ص 36.
[4] مقدمات في المنهاج، فك رقبة –  ص 57.