يشكل اليوم العاشر من دجنبر فرصة لدى الدول الديمقراطية، تستعرض خلالها منجزاتها في مجال حقوق الإنسان وتضع سجلّها في الميزان، فتفتخر بتطورها وتثمّن مجهوداتها، وتقوّم أداءها لتجاوز كل ما يحول بينها وبين الوفاء لالتزاماتها، وتسعى إلى التفوق على حكوماتها السابقة، فتفتح النقاش من أجل الرقي بحياة المواطنين، وتمكينهم من جميع حقوقهم، والارتقاء بها إلى مستوى الحُرمة القانونية، والهيبة الوطنية العالية، والواجب الأخلاقي والإنساني الذي تُعطى له الأولوية، بعيدا عن أي ادعاء أو تبرير أو تأجيل.

لكن يبدو أن النظام المغربي له رأي آخر مغاير تماما، فحركته تسير في الاتجاه المعاكس للحضارة والديمقراطية وحقوق الإنسان، بشكل صار معتادا، واتخذ سمة خاصّة تبيّن أنّ الأمر لا يتعلّق بمجرد انزلاقات، أو اجتهادات فردية محصورة، أو بطء في استيعاب خصوصيات المرحلة التاريخية، بل إنه صار نهجا واضحا، واستراتيجية معلنة، عادت إلى ماضيها الرصاصي المعلوم، مستفيدة من التطور التكنولوجي ومستغلّة بعض رياح اليمين المتطرف الغربي، لتؤسس بشكل لا هوادة فيه لدولة البوليس، التي لا صوت يعلو فيها فوق أصوات الأحذية الأمنية، ولا نأمة تبرز أمام ضجيج هواجسها الاستخباراتية.

فلا يتعلق الأمر بتاتا بتوجّهات أمنية دفاعا عن الوطن والمواطنين، ولا برؤية مستقبلية لاستتباب أمني يرتكز على حكم ديمقراطي وعدالة اجتماعية وحقوق مكفولة وحريات محفوظة، وإنما يتعلق الأمر بتكريس اليد الطولى للشطط التحكّمي وإطلاق حريته في النّهب والضرب، اعتداءً على النّاس، وخنقا للأنفاس، بغية الإخضاع والتطويع بالإكراه والجبر.

إن هشاشة وضعية حقوق الإنسان بالمغرب، تُظْهِرُ بجلاء أن الوعود السخيّة التي أعطيت، والترسانات النصوصية التي سُوِّدت، والتصريحات الوردية التي وُزّعت، لا تعدو أن تكون لَعِبا متكرّرا بالشعارات الجوفاء، وتزيينا فجّاً لواجهة متداعية، ومظهرا خادعا لا يعكس طبيعة النظام الجوهرية، ولا رؤيته الحقيقية لحرية المواطنين وكرامتهم وحقوقهم.

طالع أيضا  ضياع الحقوق وتشميع البيوت يخرج اللجنة المحلية لمساندة الحراك بأسفي للاحتجاج

وقد كانت السنة “الحقوقية” التي نودّعها، سنة انكسار حقيقي لكل بذرة أمل في تغيّر الوضع الحقوقي نحو الأفضل، أو انزياحه عن منطقة السواد التي ينجذب عائدا إليها بسرعة عند كل محاولة فاشلة أو رقصة ملهية.

لقد تعدّى الأمر ممارسة التعسف وتبني القمع الشامل، والحصار، والتضييق، الذي يطال معارضين أفرادا أو تنظيمات، وصار الانتكاس الحقوقي مُعمّما على الجميع، يتساوى فيه المتظاهرون السلميون الذين خرجوا بالآلاف من أجل بناء مستشفى سرطان بالريف، مع من خرجوا من أجل لقمة العيش بجرادة، أو شربة ماء بزاكورة، أو ترقية بسيطة بشوارع العاصمة، ويتساوى أولئك جميعا، مع الصحفيين والفنانين، وأهل الرأي والعلم والأكاديميين، كل أولئك كان عند المخزن مقموعا مكروها.

لقد كانت سنتنا الحقوقية المنتهية، سنة انتهاكات فظيعة لحقوق الإنسان في حق معتقلي الريف، وجرادة واولاد الشيخ بقلعة السراغنة، مما نتج عنه مئات المعتقلين، ومئات السنين من السجن، لمجرد تعبيرات سلمية عن مطالب مشروعة، تدخل ضمن شروط الحياة لا كمالياتها ورفاهيتها، وفي المقابل، استمرت سياسة النهب، والإفلات من العقاب في حق سارقي الصناديق، وناهبي المال العام، ومهربي ثروات الشعب إلى الجنات الضريبية، ومستنزفي الميزانيات في صنوف اللهو التخديري الأجوف، وسياسة الفخفخة التبذيرية البائسة، كما استمر دعم سياسة التفقير وإنتاج البطالة، والقهر الاجتماعي، بتشغيل الأطفال، وإهانة المرأة في ضيعات الاستغلال، وهو ما يفسّر موجات الهجرة التي تعصف بأرواح المضطهدين اقتصاديا، بما فيهم العقول النيرة والكفاءات العليا التي تفضل بلدانا تحوز فيها كرامتها وحقوقها على وطن مرتهن للاحتكار والسلطوية القاهرة، كل هذه الدّواهي يراهن عليها النظام المخزني لإخراس كل صوت يتحدث عن الحقوق الاقتصادية والتنموية، ويطالب بالعدالة المادية، الفردية أو الجماعية، أو الترابية والمجالية.

وقد كانت سنتنا الحقوقية أيضا، سنة سوداء قاتمة، فيما يتعلق بحرية التعبير والصحافة، فقد تمت محاكمة العديد من المدونين بأحكام سجنية وغرامات، وتمت محاكمات صحفيين حاولوا نقل الحقيقة كما يتطلب ذلك واجبهم المهني، أو أزعجوا بخطهم وكتاباتهم، فتوبعوا بتهم تنوء بها الجبال، وجُرّوا إلى المحاكم والزنازين، إعداما لوجودهم المهني، وإخافة لمن وراءهم ممن قد يتجرّأ على نقل الحقيقة.

طالع أيضا  وقفة احتحاجية بعد منع ندوة ''المدرسة المغربية وعنف الدولة' من طرف السلطات بتيزنيت

أما بخصوص الحقوق السياسية، فلا زال المخزن وفيا لنهجه الأصيل وطبيعته التاريخية في محاولة إخضاع كل الأصوات المخالفة، وتطويعها بالقهر والقمع والإكراه، لتبوء إلى منطقة الولاء التام، وتكف عن رؤية الأمور من غير الزاوية التي يريدها أن ترى منها، وهكذا يستمر منع الجمعيات من التأسيس أو تجديد المكاتب لمجرد وجود عضو في المكتب لا يرضى عن فكره المخزن، ويستمر حصار جماعة العدل والإحسان وحرمانها من الإعلام العمومي، ومن القاعات والأفضية العمومية، وهو العسف الذي يطال فاعلين ومكونات أخرى معروفة بعملها الدؤوب خدمة لحقوق المغاربة وحرياتهم.

ومن جهة أخرى، يستمر المخزن، في خرق الحقوق الفردية والجماعية للمعارضين، بحيث لا زال المنع ساريا في فضلاء كتاب وفنانين وإعلاميين وناشطين، كما لا زالت القطاعات المتضررة المحتجة على التوجهات الجشعة للدولة في ضرب المكتسبات، والسطو على الحقوق واللعب بالمسارات، تتعرّض للقمع والسحل في كل محطة احتجاجية تروم عبرها انتزاع ما يمكن انتزاعه من فتات تتربّص به سياسات التقتير والتقشف الموجهة للشعب وفئاته المسحوقة.

أما آخر الإبداعات المخزنية في مجال انتهاك حقوق الإنسان، فقد كان اقتحام بيت الدكتور لطفي حساني، عضو مجلس شورى جماعة العدل والإحسان، وتشميعه، وإصدار قرار بهدمه، في صيغة لم نعهدها إلا من فاقدي العقل والضمير من النظم المنبوذة في العالم، في خرق فاضح وانتهاك بالغ الخطورة لمختلف الشرائع والقوانين، وفي تحدّ متغطرس طائش للشرع، وللدستور المعلن، ولمنطق الدولة في حد ذاته، وهو ما يختم بالشمع أيضا على أية إمكانية لإقامة فضاء وطني يضمن حقوق الإنسان ويسعى لاحترامها وحمايتها في ظل وجود بنية سلطوية لا تؤمن بحقوق الإنسان، ولا إرادة سياسية لها للكف عن التصرف بمنطق العصابة.

لم نكن أبدا، ولن نكون من هواة السوداوية العدمية، ولكن تحمّلا للمسؤولية، واستشعارا لخطورة أن يكون انتهاك حقوق الإنسان سياسة دولة، في ظل احتقان اجتماعي وتوتر إقليمي، وما قد يشكّله ذلك من أخطار على البلاد وأمنها واستقرارها الحقيقي، ولهذا فإننا لا نفتأ نؤكد أن المسألة الحقوقية لا يمكن فصلها بتاتا، عن المدخل الإصلاحي الشامل، المرتكز على وضعية دستورية سليمة، ينبثق فيها الدستور من الشعب، وتنبثق فيها المؤسسات الحاكمة من الشعب، ويحوز الشعب وقضاؤه المستقل سلطة المراقبة والمحاسبة. وما عدا ذلك، لن يعدو الأمر أن يكون مراوحات وأمنيات فارغات، يتلهّى بهنّ من لا يريد أن ينظر إلى الحقيقة الساطعة، وهي أنّه: لا تطور حقوقي بدون ديمقراطية حقة.

طالع أيضا  بيان الهيئة الحقوقية للعدل والإحسان في اليوم العالمي لحقوق الإنسان