عندما تختل الموازين وتفسد المعايير فانتظر العجب، ومن العجب أن يصبح اتخاذك مسجدا في بيتك كما كان يفعل السلف الصالح تهمة تقتضي تشميع البيت وهدمه، كما حصل مع الدكتور والمهندس لطفي حساني عضو مجلس شورى جماعة العدل والإحسان، ونائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العربية الدولية لإعمار غزة.

ومن العجب أن يستنكروا عليه ما خصص له الإمام البخاري بابا في صحيحه سماه (باب المساجد في البيوت، وصلى البراء بن عازب في مسجده في داره جماعة)، وكذا الإمام ابن ماجة سماه: (باب المساجد في الدور).

وقد قال الحافظ بن حجر في فتح الباري شرحاً على باب [المساجد في البيوت] من الصحيح: كان من عادة السلف أن يتخذوا في بيوتهم أماكن معدة للصلاة فيها.

وكان الأولى أن يكون المهندس لطفي حساني محل تقدير وتعظيم أن خصص جزءا من بيته مسجدا خاصا، لا أن يكون محل لمز وغمز من طرف الدعاية المخزنية.

كما كان الأولى قبل أن يشمعوا بيته أن يصادروا صحيح البخاري وغيره؛ الذي يحث على هذه السنة الضائعة التي وردت فيها آثار كثيرة، نعرض من بينها ما يلي:

أ) روى الإمام البخاري “عن عائشة رضي الله عنها أن أبا بكر الصديق ابتنى مسجدا بفناء داره وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن” البخاري (3905).

ب) وعَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيِّ: (أَنَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ كَانَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ وَهُوَ أَعْمَى، وَأَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهَا تَكُونُ الظُّلْمَةُ وَالسَّيْلُ، وَأَنَا رَجُلٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ، فَصَلِّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي بَيْتِي مَكَانًا أَتَّخِذُهُ مُصَلَّى، فَجَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ؟ فَأَشَارَ إِلَى مَكَانٍ مِن الْبَيْتِ، فَصَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) رواه البخاري (667)، ومسلم (33).

جـ) وروى ابن ابي شيبة في المصنف، أن عبد الله بن رواحة رضي الله عنه أيضاً اتخذ مسجداً في داره. وكذا أبا مجلز – رضي الله عنه – قد اتخذ مسجداً في بيته؛ صلى فيه بأهله وغلمانه جماعة.

د) و هذه سيدتنا جويرية – رضي الله عنها – اتخذت مسجداً في بيتها كما روى الإمام مسلم في صحيحه .

هـ) وزينب – رضي الله عنها – اتخذت مسجداً في بيتها أيضاً، كما روى ذلك الإمام مسلم في صحيحه.

و) وهذا أبو طلحة الأنصاري رضي الله عنه اتخذ في بيته مسجداً، و أرسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليصلي فيه.

ز) وهذه أم حميد رضي الله عنها أمرت فبني لها مسجد في أقصى شيء من بيتها وأظلمه، وكانت تصلي فيه حتى لقيت الله عز وجل. صحيح الترغيب والترهيب (340).

ح) وهذا عبد الله بن سلام – رضي الله عنه – كان له مسجد في بيته، وقد صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم. البخاري (6910 ).

ط) وإبراهيم النخعي – رحمه الله – كان له مسجد في بيته أيضاً..

ي) وهذا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يخاطب أصحابه يحثهم على الصلاة الفريضة بالمسجد الجامع قائلا: “وإني لا أحسب منكم أحدًا إلا له مسجد يُصلي فيه في بيته، فلو صليتم في بيوتكم وتركتم مساجدكم لتركتم سنة نبيكم…”.

يظهر مما سبق اشتهار مساجد البيوت عند السلف، الذين جعلوا لها أحكاما تخالف أحكام المساجد الموقوفة، والتي لم تكن تغنيهم عن صلاة الفريضة في المساجد الجامعة، كما كانت تختلف هيأتها حسب ظروفهم، فمنهم من جعلها ركنا من أركان غرفته ومنهم من جعلها غرفة كاملة.

الحمد لله أن هؤلاء ليسوا في عصرنا ولا في مغربنا وإلا كانت بيوتهم قد شمعت وهدمت. ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.