يتطلب الكلام في موضوع “التجديد التربوي” عند الإمام ياسين، إجالة النظر في مساحات واسعة تمتد على طول الحياة وعرضها، وتدخل إلى كافة شقوقها وتمر بكل منعرجاتها، لأن كلام الإمام في التربية يكاد لا يخلو منه موطن من مواطن تفكيره وإبداعه.. لأن مشروعه تربوي بالدرجة الأولى..

كان كانط في كتابه “تأملات” يعتبر أن ثمة اكتشافين أساسين يحق للإنسان أن يعتبرهما من أصعب الأمور وهما: “فن حكم الناس” و”فن تربيتهم”، والواقع أنهما يحتاجان معا للعناية والاهتمام، ويحتاجان لإعادة النظر -خصوصا في لحظات التخلف والسقوط- للبحث عن الخيط الرفيع (المعنى) الذي يمكن إن هو فسد (نقصد فساد الجوهر) أن تفسد معه حياة الإنسان الروحية والسياسية على حد سواء.

وفي نظرية المنهاج النبوي للإمام عبد السلام ياسين وهي نظرية مُجَدِّدة لفني “الحكم” و”التربية” من منظور قرآني؛ وفيها نجد الحديث عن التغيير بصيغة أشمل  لموضوع الفنين “التربية” و”الحكم” بالمعنى الكانطي، على أن استطلاع البنية التحتية للمنهاج يكشف لنا أن “فن التربية” هو أساس “فن الحكم” أو لنقل هو الذي يسبقه ويرسيه بالمعنى الأفلاطوني، ولهذا سنجد أن فن التربية في المنهاج النبوي أعم من فن السياسة، أو لنقل إنه البعد الرمزي في الوقت الذي تمثل فيه السياسة البعد العملي من صورة العمران في نظرية ابن خلدون، وفن السياسة يتوقف التقدم فيه بقدر التقدم في فن التربية، بل إن فن السياسة من دون فن التربية لا معنى له، وأمراض السياسة هي في أصلها أمراض التربية حين يُصاب “المحتوى” بالفساد، أي حين تخالجها “الغفلة القاتلة” عن “المصير”، وكلا الفنين (السياسة والتربية) مبني على قيم المسؤولية بمعناها الذي ورد في الحديث الشهير “كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته”.. المسؤولية حين تتحدد واجبا عينيا عن تغيير الواقع وبناء المستقبل.

وإذا تأملنا وجدنا التربية وهي الركن الأول من أركان “االمنهاج” تستهدف عند الإمام ياسين تدبير الإصلاح النفسي باستلهام سنن الله في الأنفس، تربية شاملة متكاملة للجسم والعقل والروح، وهو نفس ما ذهب إليه البنا في رسائله، حيث تتوخى التربية الحفاظ على الفطرة والرقي بالسلوك في مدارج الإسلام فالإيمان ثم الإحسان، محاربة لما يتهددها من مرض الوهن المتجسد في فتنتي “الاختزال المادي” أو حب الدنيا و”الانحجاب الروحي” أو كراهية الموت، ولا يكون ذلك إلا بالتصدي لأسباب هذا المرض وما يستتبعه من أعراض.

يجمع الدارسون على أن التربية ركيزة أساسية ورهان كبير في مشروع الأستاذ ياسين، وهي كما يقول محمد حلمي عبد الوهاب “مفتاح السر في مشروع الشيخ الإحيائي”، حيث الرهان على التربية رهان من طريق مباشر على الإنسان، تربية الإنسان في الإنسان، أو لنقل تنمية الإنساني في الإنسان بلغة أوليفيي روبول، يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “فالمنهاج النبوي تربية ثم تربية ثم تربية، التربية كما كانت على عهده صلى الله عليه وسلم”.

التربية في مفهوم القرآن والحديث تغيير باطني للوجود الداخلي للكائن المسؤول؛ لنفس الإنسان، ومعناها في اللغة تنمية وتقويم، بيد أن نوعية التربية تختلف باختلاف الغاية التي نرجوها للذي نربيه. ويراهن الأستاذ عبد السلام ياسين على التربية كمدخل جوهري للتغيير على جميع الأصعدة؛ لأنها ليست إعدادا للحياة فحسب وإنما هي الحياة نفسها على حد قول جون ديوي، ولا يؤمن بأسلوب آخر غير التربية يمكن أن يضمن نهضة الأمة وقومتها من سبات وتخلف القرون.

يلتقي الإمام عبد السلام ياسين بالمفكر إسماعيل الفاروقي خصوصا في كتابه عن “التوحيد” في تحديده لأهمية الدين في عمليات التربية، فالدين طريقة لتوجيه الحياة على الأرض، فلا عمل للدين غير تحقيق هذا الهدف، فالدين بُعد من أبعاد الحياة الدنيوية، يتحقق بتمامه وكماله حين يحيا الإنسان في الدنيا ملتزما بما يمليه عليه الدين من أخلاق وأعمال، أي حين يجسد العبودية للمطلق.

إن المنهاج النبوي للإمام ياسين هو في الواقع منهاج للتربية بالدرجة الأولى وهذا وجه من وجوه التجديد الذي يسعى لتقديم خارطة طريق نحو العودة بالوجودين الفردي والجماعي إلى اللحظة “المشرقة” التي أرادها الله تعالى للإنسان المسلم وللأمة على حد سواء، فتتجسد الإرادة الإنسانية حينها في تحقيق ما أراده الله من البشر، في كل مضمون من مضامين الحياة المتنوعة، بتجسيد شعب الإيمان والخصال العشر في ثنايا الحياة النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

التجديد التربوي يبدأ عند الإمام ياسين من سؤال جوهري؛ هذا السؤال للكائن الفرد، للكائن الإنساني الذي فقد هويته وبطاقة تعريفه وسفره في هذه الحياة، فهو يتسكع على رصيف الحياة، وللأمة أيضا سؤالها فما صرنا نحن غُثاء -كما يقول الإمام ياسين- “وكلمةً دخيلة في قاموس التاريخ، إلا لإنكارنا أصولنا، وكفرَانِنا رِسالتنا، وجهلِنا بما نحن ومن أين جئنا أمة وإلى أين نصير بعد الموت فرادى”.

لا تنفك التربية في نظرية المنهاج النبوي عن تذكير الإنسان بمصيره هناك، وبحاجته وافتقاره هنا للكائن الأسمى بلغة كانط، ولهذا يسعى الإنسان في هذه الحياة ليكتشف عالم الملكوت من خلال تجربة روحية قوامها الصحبة الصالحة والذكر والصدق والبذل وخصال أُخَر مقومات هي العلم والعمل والسمت والتؤدة والاقتصاد والجهاد (يسميها الأستاذ ياسين بالخصال العشر)، فيولد ولادة ثانية؛ ولادة روحية لا يتطرق إليها الفناء، غير تلك الولادة البيولوجية، يتعلم التجرد من أنانيته ومن غفلته ومن نفاقه ومن شحه، إذ الصحبة تخرج من سجن الأنانية كما يخرج الذكر من سجن الغفلة ويخرج الصدق من سجن النفاق ويخرج البذل من سجن الشح، وهكذا.. حين تصبح التربية رهانا على العودة بالإنسان إلى طوره الفطري بعبارة مالك بن نبي.

وراء القسمة الثنائية (مُلك/ملكوت) التي يرسي عليها الأستاذ ياسين تصوره للوجود الإنساني في العالمين، وهي بالمناسبة فكرة نجد استثمارها بشكل مدهش لدى الإمام النورسي رحمه الله في رسائله وتمتد لتصل بجذورها إلى سردية الفتوحات المكية، تتوارى ثنائية أخرى لا تقل أهمية ترتبط بالغاية الثنائية التي ينبغي للإنسان السعي لتحقيقها:

الأولى، وهي الغاية الاستخلافية: أو العدلية وهي غاية ترتبط بالأمة، وتعني سعي الإنسان لتحقيق العدل على الأرض ودفع الظلم، وهي غاية مُلكية.

الثانية، وهي الغاية الإحسانية: وتعني اجتهاد الإنسان وسعيه كي يعرف ربه ويسعد بمعرفته، وهذه غاية ملكوتية.

وكلا الغايتين تدور على القلب بالمعنى الذي تكلم عليه الغزالي في الإحياء، ويزيد عليه بعدا اجتماعيا وسياسيا، لأنه يتكلم على قلب الفرد وقلب الجماعة، فـ“القلب مكمن الداء، فإن صح وسلم فهو مركز الإشعاع، وهو العنصر الحاسم في معادلة وجود الأمة وانبعاثها”. وما حديثنا -كما يقول الإمام ياسين- “عن مقاصد الشريعة، وعن الطلب والمطالب، وعن العدل والشورى، وعن الأهداف الدنيوية، وعن الغاية الأخروية إلا أحلام طائشة إن لم يشتد قلب الأمة باشتداد قلوب المؤمنين على عزمة إيمانية وإرادة إحسانية تنهد أمامها العقبات وتنفتح أبواب الأرض والسماوات”. 1

يستعمل الإمام ياسين عبارة “القلب” وعبارة “السماع القلبي” التي يُعَرِّف بها الإنسان تعريفا مُبدعا، هذا الإنسان الذي تتجاوز قدراته حدود عالم الملك ليستمع للصوت الخالد من وراء الحجب، صوت الهداية والإرشاد الأزلي الأول، والكلام هنا عن “السماع” باعتباره ما يميز هذا الإنسان، وليس عن الإبصار مما يختص به هذا الكائن “الفخارة”، والسمع دائما مقدم في القرآن على البصر، لأن “حاسة الإبصار وما يلتقطه البصر من صور العالم لا تحمل إلى العقل رسالة إلا عن العالم المرئي. لا يخبر البصر عما وراء المرئي ولا عن أصله، ولا عن معناه”.

ويرى الأستاذ ياسين أن عالم الملكوت هذا لا حد لأسراره التي تستوقف العقل مندهشا أمام يد القدرة، والإنسان الذي يفتح قلبه الإيماني فيه يستطيع أن يطلع على بعض حقائقه التي لا تدركها حواسنا القاصرة: والأصل أن المعارف الروحية المتعلقة بالأكوان وعالم الملكوت وكلِّ ما هو مخلوق يجوز للعقل أن يتكلم فيها باللسان العام ليقرب لأذهان السامعين والقارئين عِلم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، يقول الأستاذ ياسين عن الفرق بين المعرفتين، أو بالأحرى بين عالمين ووجودين: “القنواتُ بين العقل والقلب في عالم الخلق مفتوحة. أما معرفة الحق جل وعلا فالفتح القلبي فرحةٌ للقلب ودهشة للعقل لا تنتهي”.

السؤال هو كيف نعيد للإنسان “دهشته العقلية” و”فرحته القلبية”، بعد أن بَلَّدَته التقنية والمدرسة الحديثة والبيئات المعقمة من المعنى، وحواضر البؤس الإسمنتي التي تطحن الكائن بكل قسوة وبلا رحمة؟ إنه السؤال نفسه الذي طرحه مارتن هايدغر وانتقد من خلاله السيل الجارف للحداثة الصماء والعمياء التي أفقدتنا الإحساس بسحر العالم.

إنه السؤال الذي يدعونا الإمام ياسين لتأمله وللتفكير فيه، سؤال الوجود المتفرد والمصير المحتوم، لأنه سؤال مفتاحي ليس لمجرد الفهم ونقد حداثة البريق والضجيج، وإنما ليَعْبُر الإنسان من خلاله طبقات الكثافة وهذه الضوضاء العالمية التي تحجبنا عن شعاع الضوء الخالد، شعاع الإيمان العظيم.


[1] الإحسان ج1، ص: 26
طالع أيضا  ذ. ركراكي: التربية إعادة صياغة الشخصية الإنسانية على الفطرة التي فطرها الله عليها