يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله في فقرة “السلوك الإحساني وضرورته” من كتاب الإحسان ج2، الصفحتان 96-97:

الإحسان، وهو طلب وجه الله تعالى ومعرفته وعبادته كأننا نراه، هو الركن الأشرف في الدين. ذاك ما جاء سيدنا جبريل عليه السلام يعلمه الأمة حين جلس إلى حبيب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم يسأله: أخبرني عن الإسلام، أخبرني عن الإيمان، أخبرني عن الإحسان، أخبرني عن الساعة.

سكوتنا عن الإحسان اقتضابا أو جهلا أو محاباةً لفكر حرفِيٍّ يكرَهُ أولياء الله ويرفضهم تفريطٌ في الدين، وخرق في الدين، وتضييع للدين، وفجوة في الدين. فإن تركنا هذا الانخراق يتسع، ونسينا ذكر الله، وتنكرنا لِحِلَقِ الذكر، واتهمنا من قال أحب الله وأحب رسول الله، وأوّلنا المعجزات، وجهَّلنا من تحدث عن الكرامات، وتغافلنا عن أعظم بشارة وأفخم إشارة وصلتنا من رب العالمين من أنه لا يزال العبد يتقرب إليه حتى يحبه فيكون سمعه وبصره ويده ورجله فإلى أين نجري؟

ديننا ناقص إن تمسكنا بإيمان الأخلاق والعبادة والاستقامة والطاعة والجهاد دون تطلع إحساني.

ديننا قضية محرفة معكوسة إن اعتبرنا الدين نظاما للجماعة يصوغها ويقنن لها ويوحدها ويوجه جهدها ونسينا أن لله عز وجل قصدا في تمييز العبيد بعضهم من بعض، فردٍ عن فرد، في سباق أعلن سبحانه انطلاقه في قوله: سارعوا سابقوا وخصص جائزته العظمى في قوله “كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به”.

ماذا يبقى من القرآن إن ألغينا منه حبَّ الله للمحسنين، وحبَّه للتوابين والمتطهرين، وحبَّه للذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص، وحبَّه لقوم أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم! ماذا بقي من القرآن إن جَمَّدْنا معاني أمراض القلوب وطبها وشفاءها وطمأنينتها وتنوُّرها! ماذا يبقى بعد إسقاط التوبة والإنابة والإرادة والصحبة في الله والصدق والمراقبة والمحاسبة والذكر والتفكر والتقوى والمحبة والتوكل ومخالفة النفس الأمارة والشيطان ومحاربة الهوى!

تبقى الصيغ الآمرة الناهية كأنها إلزام ونَكال إن لم تعلمنا التربية الإحسانية أن الله تعالى أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين. أرسله شخصا منا، من أنفسنا، فردا ألقى عليه محبة منه ليضرب موعدا للصفوة من عباد الله عند كرسي الله يوم النظر إلى وجه الله.

تبقى، بدون العلم الإحساني والسلوك الإحساني، قصص أنبياء الله في القرآن، وقصص الأمم الهالكة وخبر الملائكة والجنة والنار والبعث والنشور حشوا وزيادات هامشية.